يوميات لص وعاشق مبطّن بالمخمل
عناية جابريوميات لص وعاشق مبطّن بالمخملقبل ان يموت منذ عشرين سنة خلت بسبب السرطان، وبسبب الافراط في هوي أمور كثيرة، ترك لنا جان جينيه الكلمات. الكثير من الكلمات ترك، ويحطم عنفها الذاتي كل اهمية أخلاقية، كلمات لا كتمارين روحية او حالات نفسية او تأملات، وانما الروعة والطراوة لكلمات محلوم بها. اي قوة في كلماته وحاملة لها، ثمة تدبير معجز في كلمات جينيه حيث كثافة الحياة معطاة، منبسطة من دون ان تتحطم، ووجوده ذاته في اقل النصيب الممكن لكائن ذي بصمة مأساوية.كلماته اذن، واسلوبه الابعد منه، والصور، والدفق، قاموسه عموما، تولد من جسمه، من روحه، فأصبحا معا آليات فنه نفسها. جان جينيه: كم يلزمنا دائما من الحب لكي نفهم من هو مختلف عنا. جان جينيه البائس، وافنت حياته في سقام ولم يمكن لاي تحذير سمائي ان يعطله عنها. جان جينيه ونسمي بعد فوات الاوان مذاق كلماته التي نشتهيها.في 15 نيسان 1986 مات، تصدع وانهار بفعل الرؤي الرائعة، تلاشي في هوة ابتلعته وخلص انتحابه الطويل. لو كان عاش في غير ما عاش لما قرأنا هذا تحديدا. ولكنه وجسمه كان يؤلف روحا غريبة، ففي الاختلاف ليس جينيه من يُسأل. احد سواه يُسأل. ان جسده، مبتليا بالرغبات، الرغبات التي لا افهم، تبرر وجوده وكتبه، انها هو، وهي خطر الموت الدائم وتعلن حقها في الحياة، جسده، وقد عرّفه بالكلمات، واري روحه ايضا، وكلما كان بين عشاقه الكثيرين يغدو وحيدا اقل، ومهجورا اكثر.في كتاب مذكراته اسير عاشق وترجمه الشاعر والصديق كاظم جهاد، وكان كتبه جينيه بعد مرور اربع عشرة سنة علي تجربته الاقامة بين الفدائيين الفلسطينيين، وبعد انقطاع عن الأدب لاكثر من عشرين سنة في الفترة، ويسميها هو نفسه حضانة طويلة نري الي الجمال (يقول جهاد) الذي يتخطي الجسدي ويتجاوزه الي جمالية كيانية تشمل الايماءات وشاكلة خاصة في سكني الجسد والفضاء والعالم والوقت، فقد افتتن جوني بهذه القدرة لدي الفلسطينيين والسود الامريكان في اجتراح صور باقية وعميقة، صور شائقة وشبه اسطورية بها يتحدون بؤسهم وشظف العيش. كاظم جهاد يري في مقدمته الجميلة لأسير عاشق، ان يتخلص اذن الكثير من المثقفين العرب من هذا الشعور بالتدني الذي يدفعهم، لان كثيرين منهم عجزوا عن قراءة قضاياهم الاساسية الي رفض شهادة صادقة آتية من كاتب كبير، بدعوي انها تمليها نظرة استشراقية او يحركها منطق رغبة .منطق الرغبة تحديدا ما احب قراءته عند جينيه، منطق الرغبة في يوميات لص وتبدو رغبته مفيدة في ضخ الكثير من الكتابات الرائعة والجميلة، خالدة من خلال وصفه لهيامه. لا كتابة تفوق تعبيره عن حزنه ووحدته وتشرده وعشقه اكثر من يوميات لص ، حنون، ودائما علي شفا انهيار كشجرة عتيقة. نسيت الان اسماء عشاقه في الكتاب ستلتانو الابهي العشاق لا يعوضون شيئا ولا يمجدون شيئا، ما لا انساه، وحدته. كان جينيه يعيش في حزن عامودي ذي موسيقي لا ذاكرة لها، ومتفلتة من اي رائحة وساهية عن مشاعرها.ثمة التلاشي في يوميات لص ، اختبار جان جينيه المؤلم، غيرته، ويسكنه الليل والجوع والذل. يكمن التلاشي عند جينيه في صوته، صوته ليس كلماته، يؤلمه صوته الرقيق والهائل وتؤلمه رغبته في نداءات لا تلتفت، نداءات يتحقق وجودها بعد ان تختفي.صوت ناعس وخاو في يوميات لص ، صوت المعاينة والحادثة البعيدة، وصوت الحتمية البيضاء والسرطان الذي نهش حنجرته وخنقه في فندق صغير في باريس.دفن جوني في مقبرة اسبانية قديمة في مدينة العرائش في المغرب علي شاطيء البحر، وقبره ابيض بياض موجة تلعب قبالته.من اصلاحية ميتراي اثر جنح صغيرة وكبيرة، ووجع محروم من البراءة، واي تعاسة قد زورتها فكرة معلونة، ان تستهلك نفسك جان جينيه، ان تكافح من اجل صدع عصي الفهم لهي عبادة محضة، ماذا اريد انا من معرفتك؟ اريد كلماتك، اعرفك كقوة، كآهة نزفرها معا.لم يمت تماما، بل مات وتحول الي كتب. ان جان جينيه كان ضخما، مربع الوجه، عريضة اكتافه وليست لغواية امثالي. ان هذا الجان جينيه غير المريح، والمربك ذا الكلام الصعب كانت له كلمات تدمي قلبي حين اقرأها. ما ان افتح احد كتبه حتي تكر الصور، مظلمة، رقيقة كاعترافات قديس. كان جينيه عاشقا مبطنا بمخمل، وعاش تلك التقززات، واسمها مع ذلك.. السعادة.0