«يومّيات الحمار »… معرض عربي يهودي في متحف الإسلام في القدس

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: «نادى الأسد الحمار لزيارته قائلا: «تفضّل أيّها الحمار العزيز، لتستمتع معي بظلّ هذه الشجرة الخضراء»، فأجابه الحمار: «لو كنت نباتيًّا، سيّدي الملك، لقاسمتك ظلّ هذه الشجرة». هذا ما جاء في لوحة تستقبل الزائرين لـ معرض «يوميات الحمار» داخل متحف الإسلام في القدس المحتلة وهو معرض مشترك لفنانين عرب ويهود ليبراليين جمعهم «أبو صابر» في عمل فني واحد والطرفة ترمز لمضامين الأعمال الفنية التي تعيد للحمار بعض حقوقه.
يدور معرض «يوميّات حمار» حول شخصيّة الحمار، الشخصيّة المثيرة التي تعتبر محطّ جدل، وتثير موادّ المعرض خواطر مختلفة ومتناقضة، بدءً من المكانة الرفيعة التي يتمتّع بها الحمار في مختلف الديانات وانتهاءً باستخدامه كلقب يتضمّن الإهانة. يشارك في هذا المعرض الجماعيّ فنّانون، يصفون بالتصوير والرسم والتخطيط شخصيّة الحمار ومكانته في العائلة والمجتمع في البلاد منذ عشرينات القرن الماضي. و يقول أمين المعرض الفنان فريد أبو شقرة ان هذه المشاعر المتصارعة التي تتبادر إلينا من خلال شخصيّة الحمار، تشكّل بمثابة استهلال لنقاش مثير ومثمر، كما انها تحفّز لدى كلّ من يُنعم النظر في موادّ المعرض حوارًا ذاتيًّا عميقًا. ومن أبرز الفنانين المشاركين في المعرض الفنان أشرف الفواخري من بلدة المزرعة قضاء عكا الذي واكب الحمار مسيرته الفنية منذ 18 عاما وهو الان يستعد لتنظيم معرض جديد موضوعه الأساسي الحمار.
وجاء معرضه الفني الأول بعنوان «انا حمار» والثاني «فخر الصناعة الوطنية» وفي المرة الثالثة أيضا خلع عليه اسما ساخرا: «ميد ان فلسطين». وفي هذه المعارض قدم للمتلقين نتاج الحوار مع الحمار بأعمال فنية متنوعة تبعث الابتسامة والتأمل والتفكير وهي إما رسومات، صور أو طباعة أو فيديوهات ومجسمات من حديد وخشب وطين وغيره. وتتراوح أعمال الفواخري بين التصميم الدقيق المبتكر والمجدد وبين العمل الفني الخالص بمفهومه التقليدي.
وحمار أشرف الفواخري مختلف وبتصميماته المبدعة يسعى لتغيير فكرة نمطية عنه وفكرتنا عن أنفسنا كبشر وكفلسطينيين كما يقول. في أعماله الغزيرة لا يظهر الحمار حيوانا خانعا وعنيدا فحسب بل ذكيا، محاربا، مناضلا، صبورا، عاشقا ومسالما وبغيرها من الصفات الطّيّبة كالارتباط بالأرض والاهتداء للطريق في المعاصي والقناعة بالقليل وهو بخلاف الفرس لم يلعب دورا عنيفا بالحروب.
كما ينصف الحمار ويقول انه يحمل دلالة الصبر والتحمل وبرأيه هو أكثر ذكاء من الحصان، هذا عدا عن علاقته ببعض الانبياء ولذا فهو يستعد لتنظيم معرض رابع عماده الحمار، في مطلع العام القادم في الناصرة.
ويوضح لـ «القدس العربي» ان أعماله الفنية المستوحاة من الحمار كانت في بداية الطريق صغيرة الحجم بل عبارة عن أختام ورسومات على ورق وما لبثت ان تطورت كلوحات فنية وأعمال تشكيلية من مختلف انواع المعادن وحتى التصوير بالفيديو.
ووّظف الفواخري الحمار في أعماله بشكل دائم ومنهجي للتعبير عن رؤيته النقدية في المجتمع والسياسة والهوية وعن شخصيته كفلسطيني في إسرائيل وعن سر ذلك يقول ان «أبو صابر» يتيح له التعبير عن كل التخبطات وبواسطته يتمكن من الرد على رؤية الإسرائيلي العنصرية والاستعلائية بتعامله مع الفلسطينيين . ويتابع «وحماري ينخفض للحضيض أحيانا وفي أحيان أخرى هو ملك ويتقمص الكثير من الشخصيات التي أشعر بها».
ويشدد على غنى الدلالة الرمزية للحمار منوها انه بها يعكس بضوء ساخر رؤية الاستعلائية والنمطية ومحاولة وصم المجتمع الفلسطيني بانه بدائي ومتخلف. ويضيف «أرد على الإسرائيليين بسهام لاذعة».
في لوحة «نكبة ونكسة» تظهر أرقام 48 و 67 غنية بالألوان وعليها حماران ظهرا لظهر ويبدوان كنصبين تذكاريين يعلنان الفرح والنصر وفيها يبعث المتلقي للتأمل في الحالة الفلسطينية الراهنة بروح نقدية بلون يميل للسخرية.
في لوحة أخرى (تواصل) يوظف الفنان ابن قرية البصة المهجرة قضاء عكا الحمار لمواجهة التجزئة وطمس المعالم يستخدم الفواخري خيوط التطريز «النسائية» والمسامير «الذكورية» الحادة للربط بين المدن الفلسطينية قبل نكبتها عام 48 كوحدة واحدة من صفد إلى خان يونس وفي كل نقطة يشار بالأحمر.
يكشف المعرض في «متحف الإسلام» عن الخلفيّة الحضاريّة الغنيّة فيما يتعلّق بالتعامل مع الحمار، هذا التعامل الذي يستمدّ إلهامه من عدّة مصادر- بدءً من النقد السياسيّ وانتهاءً بمجالات معرفيّة مختلفة كالأدب والدين والتاريخ.
تمرّ شخصيّة الحمار بتحوّلات خلال انتقالها بين الأعمال الفنّيّة المختلفة في المعرض. هذه التحوّلات هي تعبير عن الطابع الخاصّ لكلّ فنّان وتأتي وفق السياق الاجتماعيّ التاريخيّ. وتقول راحيل حسون المديرة الفنية للمعرض ان الفنّانين الإسرائيليّين الذين عاشوا في البلاد اكتشفوا الحمار في عشرينات القرن الماضي مع اكتشافهم للبلاد كأنشودة شرقيّة فدمجوه في أعمال فنّيّة، ووُصفت الحمير كجزء لا يتجزّأ من المنظر الطبيعيّ للبلاد التي نعيش فيها لكنها تتحاشى الإشارة للفكرة النمطية التي نسجها الإسرائيليون حول السكان الأصليين للبلاد من خلال الاستهتار بالحمار كمؤشر تخلف.
ويبدو ان علاقات محبّة يلعب فيها الحمار دور البسيط والساذج نشأت بينه وبين الرسامين الفلسطينيين في البلاد. في الأعمال الفنّيّة لعمّار يونس الحمار هو جزء من العائلة والمجتمع، الأمر ذاته عند رسامين آخرين .
في الأعمال الفنّيّة للفنان اسد عزّي يرد وصف للمسيح المنتظر المخلّص راكبًا حمارًا. وهو يضيف ساخرا «سينصرف آخر الحمير، لكن الحمير لا تموت أبدًا. سيعود الفنانون لاستحضار الحمار وسيواصلون ذلك، صديقنا العزيز المخلص الذي أشكّ في كوننا نستحقّ صداقته».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية