في بلد يعيش اضطرابات، من المظاهرات والحراكات المطلبية والحقوقية، إلى الحروب الأهلية بما فيها من بشاعات ومجازر، من الطبيعي أن تكثر الأفلام الوثائقية التي ينجزها أبناء هذا البلد على حساب الروائية، كان هذا حال السينما الفلسطينية في سبعينيات القرن الماضي، إذ كانت وثائقية وتسجيلية، إلا أن هذه السينما تطوّرت من حينها ليدخل الفــيلم الروائي إلى عموم المنجز الفلسطيني مجاوراً الفيلم الوثائقي، متقدّماً عليه، كماً ونوعاً، أحياناً.
في الحالة السورية، ومازالت حديثة، لا نبتعد كثيراً عن ذلك، فالبلد الذي يعيش وضعاً مضطرباً منذ اندلاع الثورة عام 2011 حتى أيامنا هذه، وما رافق ذلك من مجازر وفظائع. هذا الاضطراب العنيف والخاص كان من الطبيعي أن يوازيه، سينمائياً، انحياز للإنتاج الوثائقي، حيث تصبح الحكايات الفردية أكثر حدّة في حالات كهذه، وهذه الحكايات هي أساس الوثائقيات، بخلاف الأريحية التي تحتاجها الأفلام الروائية كي تُنجز.
حكاية شبه يومية لدى قسم كبير من سكّان ســــوريا، يمكن إسقاطها على العديد من المناطق هناك، أمّا غير العـــادي، فهو فقدان الظّل لمن سيُقتل على يد أفراد تابعين للنظام السوري.
الجيّد في فيلمنا موضوع هذه الأسطر، أنّه خرج عن الغاية التوثيقية، أو الشكل الوثائقي كفيلم، وأتى كفيلم روائي له حكاية مؤلَّفة تقع في السنوات الأولى من الثورة السورية. وذهب الفيلم أكثر من ذلك، إذ لم يأت بحكاية واقعية لفيلم روائي، بل بحكاية ذهبت إلى ما بعد الواقعي في ظروف واقعية، ما يمكن تسميته بواقعية سحرية. فللحكاية مكان وزمان وأحداث واقعية، شكّلت إطاراً عاماً، وأشخاص واقعيون، وفي هذا الوَسط جرت حكاية سحرية، خيالية بشكل مناقض لإمكانية حدوثها يوماً، وهو أن يفقد أحدهم ظلّه.

بغض النّظر عن الشكل النهائي للفيلم، أو عن تنفيذ هذه الفكرة (الحكاية السحرية في الظروف الواقعية)، يمكن اعتبار الفيلم خطوة للأمام في عموم السينما السورية ما بعد 2011، أي الدخول إلى العالم الروائي، بعد طغيان الوثائقي – ولذلك أسبابه كما ذكرنا- وحمل هذا الرّوائي إلى أجواء أكثر خيالية من خلال ارتكاز الفيلم على حبكة تبتعد إلى درجة مناقضةِ الواقع.
فالحبكة تقوم على فقدان الشخصيات لظلالها متى اقتربت من حتفها. أمٌّ تخرج لشراء جرّة غاز لها ولابنها، بعدما هجرها زوجها وتركها وحدها في أجواء الحرب تلك، تصادر قوات تابعة للنظام ما تبقى من الجرّات، تقرر الذهاب بسيّارة تاكسي مع اثنين إلى خارج دمشق، حيث يمكن تأمين جرّات غاز من هناك. الكاميرا كانت معه يهرُب السائق من حاجز تابع للنظام، يصلون إلى غوطة دمشق، يعلق ثلاثتهم هناك وتتجه الحكاية، من هناك، إلى نهايتها. هي حكاية شبه يومية لدى قسم كبير من سكّان ســــوريا، يمكن إسقاطها على العديد من المناطق هناك، أمّا غير العـــادي، فهو إدخال الفكرة الأساسية للفيلم إلى تلك الحكاية اليومية والعادية، وهي فقدان الظّل لمن سيُقتل على يد أفراد تابعين للنظام السوري.
يُحسب للمخرجة، سؤدد كعدان، أنّها ذهبت إلى هذا الحد في فيلمها الروائي الأوّل، الذي نال جائزة «أسد المستقبل» في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي الأخير، ولا بد للسينما السورية أن تدخل (أكثر) في المجال الروائي لتصوير ما يتعلّق بحياة السوريين ضمن الظروف المتغيّرة منذ 2011، حيث لكل فرد حكايته.
يُحسب لها أنّها أدخلت عناصر خارجية إلى حكاية فيلمها، عناصر سحرية، وصوّرت ذلك بأجواء بصرية لاءمت الكآبة المسيطرة على حياة شخصيات الفيلم الرئيسية، لاءمت حالة تفشّي الموت وانتشار الكره والرغبة العارمة في القتل، في نقل إنسانيّ لحكاية أفراد عانوا بشكل مباشر من حالة الحرب عموماً، وظلم النّظام الحاكم خصوصاً، وإن أتى كل ذلك بمحفّزات وانعطافات سردية أمكن لها أن تكون أقوى أو أحكم ربطاً بعضها ببعض، أو أن يكون لإدخالها في سياق الفيلم تبريرات أكثر تعلّقاً بتطوّر الحكاية بالعموم.
من المأمول أن يشد الفيلم صنّاع السينما السوريين إلى العالم الخيالي، لتوازي أفلامٌ روائية تلك الوثائقية في سرد الحكايات الســــورية بعد 2011 كما قبلها، لتحضــــر هذه الحكايات إلى السينما الروائية بعد أعوام طــــويلة من قلّة ملحـــوظة للأفـــلام الروائـــــية السورية (وكذلك الوثائقية، آنذاك) لأسباب تتعلق أولاً وأخيراً بسيطرة النظام الحاكم من خلال مؤسساته على الصّناعة السينمائية السورية.
٭ كاتب فلسطيني ـ سوريا