بروفيسور نصير عاروري في منتصف شهر ايار الحالي حلت الذكرى 64 لاقامة اسرائيل التي يحتفل فيها الصهاينة بمناسبة ما يسمونه ‘يوم الاستقلال’. ويتزامن هذا الاحتفال مع احياء الفلسطينيين ذكرى نكبتهم التي بدأت بترحيل 200 الف فلسطيني داخل فلسطين 48 وانتهت ب 800 الف خارجها، اي ما يعادل ثلثي السكان حتى عام 1949، اضافة الى تدمير 453 قرية فلسطينية.
وبرغم الدعاية الصهيونية القائلة بانتصارها على 7 جيوش عربية، يقال انها حاولت منع ولادة هذا الكيان وخنقه في مهده، هناك رواية مضادة تماما لهذا الادعاء: وهي المذابح الموثقة التي قامت بها العصابات الصهيونية لإجبار السكان الأصليين على الهرب، والتخطيط الاستراتيجي من قبل الحركة الصهيونية لتطهير البلاد منهم عرقيا، والتجهيز العالي المستوى للعصابات الصهيونية المجهزة والمدربة جيدا نتيجة الخبرة التي اكتسبتها في جيوش الحلفاء اثناء الحرب العالمية الثانية. الثابت تاريخيا هو مواجهة العصابات الصهيونية لقوى مقاومة فلسطينية غير منظمة ومجهزة بشكل سيء، ونجاح هذه العصابات في تطهير غالبية البلاد عرقيا من الفلسطينيين، وتم ذلك كله قبل دخول جيوش الدول العربية المستقلة حديثا الحرب بقوات تفتقر إلى المعدات الحديثة وغياب قيادة مركزية لهذه الجيوش.
في هذا العالم الغريب تتهم اسرائيل ضحيتها بارتكاب الجريمة، ولم تتحمل المسؤولية عن ما قامت به تجاه ضحيتها، ولم تقدم للضحية الاعتذار المطلوب والمناسب. ما يحدث هو العكس تماما، اسرائيل تنتظر من ضحيتها ان تقدم لها اعتذارا وتطالب هذه الضحية ان تجتهد للصلح معها. والشيء الغامض والمثير هو مشاركة موظفين فلسطينيين ورئيس احدى المنظمات الفلسطينية- الأمريكية في احتفالات اسرائيل بما تسمية ‘يوم الاستقلال’، اي بالجريمة التي ارتكبتها بحق شعبهم، بينما الواقع يقول ان اسرائيل ولدت من رحم الجريمة المتمثلة في الاستيلاء على ارض شعب آخر وهي المسألة التي لم تناقش بشكل جدي وعلني ابدا.
والملاحظ انه يستمر الفشل في مناقشة هذه المسألة علنا، برغم العديد من الحقائق التاريخية الدامغة التي توصل اليها ‘المؤرخون الاسرائيليون الجدد’ من الذين يرفضون تحمل المسؤولية الأخلاقية او القانونية عن جريمة شطب شعب فلسطين من الخارطة. والحقيقة ان نشر الرواية المشوهة والكاذبة حول اسباب الاستيلاء على اراض الفلسطينيين هي مبدأ صهيوني صميم، قائم على خشية صهيونية من ترسخ الشك في لا شرعية وجودها. وامام هذا الواقع يطرح سؤال كبير عن معنى الحديث عن الصلح او التكفير عن الأخطاء التي ارتكبت بحق الفلسطينيين، طالما يستمر استبعاد نقاش جذور المسألة علنا امام الرأي العام. ليس ذلك وحسب بل ان اية محاولة لنقاش علني للمسألة يواجة بالرد النمطي الصهيوني الجاهز وهو وصم من يقوم بها بالعداء للسامية لاسكاته. مع انه لا جدال في حقيقة انه لولا التطهير العرقي للفلسطينيين والاستيلاء على اراضيهم لما ولدت ‘اسرائيل’، وحتى الآن يتم استبعاد هذه الحقائق البسيطة والمنطقية من النقاش ويتم الاستيعاض عنها برواية خادعة ومضللة. وبالرغم من العلاقة العضوية بين نكبة فلسطين وولادة اسرائيل في ارض الفلسطينيين، لم يغامر اي مسؤول رسمي اسرائيلي للدعوة الى التكفير عن الجريمة المرتكبة بحق الفلسطينيين، والتي لولا حصولها لما ولد كيانه. وتخشى اسرائيل ايما خشية من الاعتراف بالمسؤولية عن النكبة، هذا الاعتراف الذي سوف يعطي مصداقية لمطالب الفلسطينيين المشروعة، مما سيقود منطقيا الى فقدان الرواية الاسرائيلية لمصداقيتها. وكلما كان اضطرار اسرائيل لآعطاء مبررات قانونية واخلاقية لجريمتها اقل، تستمر ضمانات سيطرتها واحتلالها وتسيّدها، وهي تستميت في الحرص على ان لا يفهم اي اعتراف بالجريمة كعلامة ضعف وترهل لديها. والواضح ان اسرائيل غير مضطرة لإعطاء مبرر اخلاقي وقانوني لجريمتها بحق الشعب الفلسطيني، وهي تتبع بدلا عن ذلك استراتيجية هجومية كافضل طريقة للدفاع. وعليه فإن العنف الاسرائيلي المستمر منذ الاربعينيات ضد الشعب الفلسطيني، بموازاة جهودها الحثيثة للتطبيع مع سلطة الحكم الذاتي والحكومات العربية، تشكل مجتمعة جزءا في غاية الأهمية من هذه الاستراتيجية الشاملة لطمس الحقائق.
لا يخفى على المراقب الحصيف ان الاستراتيجية الصهيونية تعمل على قلب الحقائق رأسا على عقب: فبكل بساطة تم شطب وجود الفلسطينيين واصبحت الضحية هي ‘المجرم’، والاستيطان ‘تنمية’، والمقاومة المشروعة ‘ارهاب’، وحق عودة اللآجئين ‘تهديد ديموغرافي’ لاسرائيل وهويتها اليهودية. وباختصار تسوّق الاستراتيجية الصهيونية الهجومية ضد الفلسطينيين تحت الاحتلال العسكري على انها حرب دفاعية كتلك ‘الحرب ضد الارهاب’ التي تعلنها الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق يتم حجب الحقيقة الدامغة وهي ان اسرائيل تقود حربا عدوانية شاملة ضد مواطنين مدنيين في الغالب يكافحون لانهاء احتلال بغيض وغير شرعي، ويتم ذلك من خلال حملة علاقات عامة خبيثة ومضللة في وسائل الاعلام الأمريكية التي تتحمل مسؤولية اخلاقية في ذلك وتلعب دورا في هذه الحملة، بالرغم من انه يتم ارتكاب جرائم حرب في المناطق المحتلة تستدعي محاكمة مرتكبيها وعقد محكمة على غرار ‘محكمة نورنبرغ’، يضاف الى ذلك تجاهل حقيقة استمرار الشعب الفلسطيني في مقاومته المشروعة من قبل وسائل الاعلام الأمريكية الهزيلة.
ومع ذلك وبالرغم من الاستراتيجية الصهيونية والتكتيك الخبيث الذي يوحي بتحقيق النصر على الشعب الفلسطيني، لم تتراجع عزيمة الشعب الفلسطيني وروح المقاومة فيه. فمقاومته وصموده يمنحان الأمل في مستقبل تتحول فيه احتفالات اسرائيل في منتصف شهر ايار من كل عام بما يسمى ‘يوم الاستقلال’ الى مواسم يطلب فيه الجلادون الصفح من ضحاياهم، والى منابر للاعتراف بعدالة مطالب الشعب الفلسطيني وان غدا لناظره لقريب. ‘ بروفيسور (فخري) في العلوم السياسية في جامعة ‘ماسشوستس دارتماوث’ ترجمة م. نمر عاروري