احمد السنوسي رفع الشعب السوري البطل شعار ‘ما بنحبك’ ضد نظام متسلط، مسنود فقط بهدير الدبابات فيما الاستبداد العربي رفع شعار ‘الحب للحاكم’ كأحد فروض القداسة السلطوية، فكان طاغية طرابلس المنهار من السباقين للإحتماء خلفه في غياب الاحتكام الى الشرعية وأعلن من برج باب العزيزية ان ‘من لا يحبني، من لا يحب القذافي لا يستحق ان يعيش’. وبما ان أنظمة التعسف والقهر لا يمكن لها ان تعيش بـ’الحب’ وحده، فانها وجدت في اللباس الفضفاض لـ’نظرية المؤامرة’ ما تستر به عورتها. ويكفي ان نطالع أدبيات ‘حزب العبث’ الذي يريد ان يبقى وحده في سلطته المطلقة ربما الى ‘يوم البعث’! منذ اندلاع الثورات الشعبية، لمسنا مدى عمق الهوة السحيقة التي تفصل الأقلية الحاكمة عن الأغلبية المتحفزة لاستعادة الكرامة المهدورة، بعد ان تأكد للجميع ان هؤلاء الديكتاتوريين العرب الذين خنقوا انفاس شعوبهم، مستعدون لحرق الأوطان بأكملها من اجل اشعال سيجارة والبقاء في السلطة ولو بدون شعوب.
ماذا تقول خطابات الاغتصاب والحقد التي أغمضت عينيها عن الدماء المراقة في اللاذقية وحماة ودير الزور وحمص والقصير وغيرها من البلدات التي تحول شعبها الآمن الى نازحين؟
يقول انصار القمع بعد ان غمسوا اقلامهم في محبرة ‘نظرية المؤامرة’ ان ‘الثورات العربية ليست ثورات شعبية مادامت موجهة بالريموت كونترول من الخارج وهي تسعى الى اضعاف سورية نظرا لموقعها الاستراتيجي في الشرق الاوسط. فسورية هي البلد العربي المستقل الوحيد الذي يساند الشعب الفلسطيني ولا يقدم اي تنازلات لاسرائيل والولايات المتحدة! (والجمل لا يرى سنمه). وذهب الاعلام الرسمي الى التدليل على استقرار سورية لكونها من الوجهات السياحية العشرة الهامة في العالم’ لم نكن نعرف ان فيه سواحاً يتفرجون على قمع الشعوب ودمائها المراقة في الشوارع.
وتجرأ موالون للسلطة على التأكيد على انه لا يقع شيء في سورية، وان ما يروج هو مجرد افتراءات ‘الاعلام الخارجي’ ومن اليسير ان نلاحظ منذ مقدم موسم الربيع العربي كم من أباطيل تلفّعت بأردية الحق، وتمسكت بقشة قصمت ظهر الأنظمة التي لم تتقن يوما الانصات الى نبض الشارع، بالرغم من توفرها على اجهزة بوليسية تحصي الانفاس وتلاحق المواطن في صحوه ونومه، وتتجسس على احلامه وتتلذذ بمعاناته الملحمية ولم تفلح سوى في بث التيئيس والاحباط لدى اجيال جديدة انتبهت الى الشرك المنصوب لها وحولت قدرتها الفائقة على التواصل الى سياج ضد القهر والطغيان مهما غلا ثمن الانعتاق. ولعلها كانت الحلقة الضائعة في تعاطي انظمة زين العابدين بن علي وحسني مبارك ومعمر القذافي مع مجتمعات متحركة ودينامية فيما هي راهنت على الجمود والسكونية وتناوب الاجيال على المذلة والخضوع والسلبية التي تطيل اعمار المستبدين وتمدهم بالوقود الكافي ولو دخلوا غرف الانعاش المكثف.
ولعل مؤرخي المستقبل الذين سيدونون وقائع الربيع العربي سيصابون بالكثير من الذهول لكون المستبدين المتأرجحة عروشهم في الهواء لم يستفيدوا شيئاً من انهيار انظمة ‘زملائهم’ في الطغيان الذين خلعوا او حوكموا او فرّوا بجلدهم.
فكل مستبد على وشك السقوط يعيد انتاج سيناريوهات السلف الفاشل المهزوم، من خطب بديئة، تهاجم الشعوب، وتصفهم بـ’الجرذان’ و’الوسخين’ و’قطاع الطرق’ و’الجراثيم’. ومن وعود كاذبة باصلاحات مؤسساتية عميقة، وبنظام ديمقراطي منبثق من الارادة الشعبية وبتوزيع عادل للثروات الوطنية وبدساتير جديدة تقر بحكم الشعب لنفسه خارج الوصاية والحجر، وغيرها من فقاعات الصابون التي انفجرت في وجه النافخين فيها. الاستبداد يحمل في احشائه اسباب انهياره وسقوطه. يستلقي الانسان على قفاه من فرط الحزن والضحك عندما يسمع ديكتاتورا يقول انه ليس لأي قوة خارجية الحق في عزله او الاطاحة به، لانها ليست هي التي وضعته في سدة الحكم.
هذا كلام سيكون مقبولا، اذا جاء هذا الحاكم من صناديق الاقتراع ووضعته الشرعية الشعبية على كرسي الحكم في نظام ديمقراطي. ولكن المستبدين العرب جاءوا الى السلطة على الدبابات والانقلابات التي اسموها ثورات، او ورثوا الحكم من آبائهم وعشيرتهم.
منذ اندلاع انتفاضات الربيع العربي السلمية، قتلت هذه الانظمة الدموية آلاف المتظاهرين الثائرين من شباب وشيوخ واطفال ونساء واعتقلت الآلاف ايضا، وقصفت المساجد والمستشفيات والمدارس ومخيمات اللاجئين الفلسطينيين، الى درجة ان المتظاهرين العزل حملوا لافتة موجهة الى ضمير الشرفاء تقول: ’15 يوما كفيلة بإبادة الشعب السوري’. انها رسالة واضحة موجهة لمجتمع دولي منافق يفتح عينا على الطغيان هنا ويغمضها على الاستبداد والاحتلال وجرائمه هناك.
ويتعامل بانتقائية، حسب مصالحه ومصالح حلفائه، الأولوية للبترول والهيمنة على خيرات هذه البلدان. يعالج السرطانات بحبات الاسبرين عبر اجراءات من قبيل تجميد ممتلكات الشركات النفطية والغازية او تشكيل لجان دولية للبحث والتقصي.
وغيرها من النوايا التي لا تراهن عليها الشعوب لكونها فشلت في حالة انظمة اخرى مشابهة، هذه الشعوب الابية حملت اكفانها ونزلت الى الشوارع وحوّلت حناجرها الى معاول ستهدم حتما صرح انظمة تنتمي الى عصور اخرى وتتغذى بنفاق ‘الدول الكبرى’ التي احتلت العراق، وشردت شعبه، وسرقت بنزوله واغتالت ابناءه من العلماء والمفكرين، وارتكبت فيه الفظائع والجرائم ضد الانسانية، ولازالت الى اليوم، هذه الانظمة المتسلطة التي طبعّت مع الصهاينة وخانت القضية الفلسطينية، من اجل البقاء فوق كرسي الحكم.
وانخرطت في الاستراتيجيات السلمية المسالمة، الاستسلامية مع الاعداء الرئيسيين للأمة.
ان الشعوب التي تناضل اليوم من اجل انتزاع كرامتها وحريتها وحقها في الحياة والديمقراطية هي التي كانت وستبقى سندا حقيقيا للمقاومة في فلسطين والعراق ولبنان حتى النصر على الاستبداد والاحتلال.’ فنان وكاتب من المغرب