في صبيحة يوم الجمعة الموافق الخامس والعشرين من آذار/مارس جلست لأكتب عن أيام الجمع، التي تحولت لتصبح كابوسا يؤرق حكام العرب المستبدين على امتداد دولهم من المحيط الى الخليج، فعلى مدى عقود وظف هؤلاء الحكام في مساجد بلادهم خطباء جمعة يكثرون الحديث عن الوضوء ونواقضه وعن الصحابة وسيرهم وعن الحلال والحرام ولا يتحدثون شيئا عن معاناة الناس واحتياجاتهم المعيشية أو عن مظالمهم وحقوقهم السياسية المحجوبة عنهم أو حريتهم المسلوبة، أو عن هيمنة رجال المخابرات على جميع مفاصل حياتهم. يتحدث خطباء الجمعة ليشيدوا بالحاكم وبحكمته وسهره الدائم على مصلحة المواطنين وعن تضحياته الكبيرة في سبيل خدمتهم. منذ تنفيذ اتفاقية سايكس ـ بيكو وتحديدا منذ كانون الثاني/يناير 2011 (عام الثورات) ووعاظ السلاطين كعادتهم يواصلون خطب صلاة الجمعة المحشوة بالمدائح والتهليل للسلطان، رغم امتعاظ وتأفف المصلين، خاصة الشباب منهم الذين لا يلقون بالا للعظات الكاذبة لكنهم يحرصون على التوافد على المساجد من أجل الصلاة، ولأجل التجمع والانطلاق بعد الصلاة نحو شوارع وميادين المدينة. جميعنا استمع للحكام العرب الذين خلعتهم شعوبهم أو تسعى لخلعهم اليوم، وهم يرددون أنهم أنفقوا عمرهم في خدمة البلاد والعباد، ولم تكن هذه الدعاوى الكاذبة لتمرعلى ذكاء المحتجين والمعتصمين في ميادين وشوارع المدن المظلومة، فواصلوا مطالباتهم الثورية بالتغيير التي راحت تتدرج الى أن وصلت لسقفها الأعلى وهو المطالبة بإسقاط النظام.
في ساحاتنا وشوارعنا العربية تبدأ الجماهير بمطالبة أنظمتها بإصلاحات معيشية واجتماعية ثم سياسية ودستورية، وعندما تقمع وتسيل الدماء ترفع من سقف المطالب وتختصرها بمطلب واحد كبير.. ‘الشعب يريد إسقاط النظام’. لقد هز هذا الشعار الصريح والمباشر أركان أنظمة الاستبداد وأسقطها في كل من تونس ومصر، وفي طريقه لإسقاط أنظمة أخرى في اليمن والبحرين وفي ليبيا التي توجد خصوصية لثورتها باتت معلومة عند جميع المعنيين بها او المتتبعين لها.
بعد نجاح الثورتين التونسية والمصرية انتشرت النار في هشيم الثورات والاحتجاجات على طول العالم العربي من غربه الى شرقه، ومن شماله الى جنوبه، ولم تعف منها دول عربية آسيوية كانت تصنف بأنها ‘أكثر الدول استقرارا’، مثل الأردن وسورية والسعودية وعُمان، وأخرى أفريقية وصفت بالمستقرة كالمغرب أو بالأقل استقرارا مثل الجزائر وموريتانيا والسودان.
عملية التغيير والمطالبة الشعبية القوية عن طريق الافتراش الشعبي لشوارع المدن وميادينها سوف تطال جميع الأنظمة العربية بلا استثناء ومن المتوقع حدوث تغيير جوهريا قبل نهاية عام 2011 ليفضي الى خلع ورحيل الأنظمة الجمهورية الحالية ولزلزلة الأنظمة الملكية والأميرية التي قد تكون الأوفر حظا، فتبقي على هيكل دستوري ملكي أو أميري يملك ولا يحكم. وفي الحالتين سوف يتم انتقال السلطات السياسية والإدارية لأيادي الجماهير وإن تعددت أشكال رأس النظام.
يوم الجمعة من كل أسبوع يؤرق مضاجع المستبدين ويسبب لهم هلعا لا يطيقونه، وفي الأغلب يخرجهم عن طورهم، كيف لا وقد جعل الله يوم الجمعة أفضل الأيام وأكثرها بركة. ولعل الله اراد ليوم الجمعة أن يكون نصيرا للمظلومين والمستضعفين وقاهرا للمستكبرين وهذه واحدة من سننه العظيمة.
عمر عبد الهادي[email protected]