يوم الحساب رواية جديدة للكاتب والروائي السوري فواز حداد، صدرت مؤخراً عن دار رياض الريس للكتب والنشر. وفيها يواصل الكاتب تأصيله وتقصيه للمأساة السورية، من وجهة نظر مغايرة لسرديات النظام والموالين وحتى دعاية الإعلام المضاد.
يبحث حداد في عمله عن الناس ومواقفهم واختياراتهم تجاه ما يحدث وما يفوق الاحتمال، ذلك من خلال دراما يتصدرها أبونا الخوري جبرائيل، أم ثكلى، شهيد من الأقليات، وشهداء من الأكثرية، كما تتضافر الأحداث الكاشفة عبر العديد من الشخصيات، منها .. امرأة فرنسية تستعيد سوريتها، سوري يريد التخلي عن سوريته ويرحل إلى حيث يجد نفسه، امرأة عاشقة لا تجد نفسها إلا في بلدها ولو كان ركامًا، ناشط يريد أن يغير هذا كله، ويبدأ ثورة من جديد، ولو من عدم، تاجر مجوهرات طيب وفاسق، وصانعي الخراب، المسؤولون الكبار المختبؤون في زوايا ودروب الدولة العميقة، المسبحين بحمد النظام، وحملة الملفات، و«رجلنا» في القصر الجمهوري، وناطق باسم المخابرات.
تعيد الرواية الاعتبار للوطن المنكوب، وتطرح أسئلة الثورة والدين والعدالة والتاريخ والحرب والحب، في جحيم العمل السري والمداهمات والأجهزة الأمنية والموت والقبور، وأكذوبة تقسيم الشعب إلى أكثرية وأقليات.
من أجواء الرواية:
نشف ريق أبونا من الغصة التي دهمته. تابع بحلق جاف، قبل أن ينسى:
«يا ابنتي، جورج وضع الكنيسة موضع الاتهام، كيف أطالب به؟ إذا كان المتظاهرون قد خرجوا من المساجد، فمن أين خرج هو؟ إذا كان معهم، فقد خرج من المسجد. وعندما قاتل، هل كان يحمل الكلاشينكوف أم الصليب؟».
«لا أعرف من أين خرج، وإذا كان قد قاتل، فربما عن الحق، أليست كلمة الله؟».
فانتتر صائحًا:
«لا، ليست حربنا، ولا كلمتهم كلمتنا. لو كنتِ أمًا صالحة، لم تفرطي بولدك».
أبونا يراوغها، مثلما تراوغه، مرة يتساهل وأخرى يتشدد. لا جدوى من الجدال معه، بعدما صبرت عليه طويلًا، وهو يلف ويدور، مهما حاول لن تدع ابنها يذهب ضحية شطاراته في الكلام. إذا كان لا بد من الصدام، فلن تصمت، ستتحداه:
«سأشكو أمري إلى مريم العذراء، ما أصابها أصابني».
«جورج ليس يسوع، وأنت لست العذراء».
«لا أنا ولا ابني نقل عنهما».
ضبط أعصابه وحاول بأناة، لئلا تصر على ارتكاب خطيئة لا تغتفر، تنبيهها إلى ما يجب أن تعرفه منذ فتحت عينيها على مسيحيتها، أنه لا يحق لها هي المرأة التي حبلت وولدت أبنائها الثلاثة، إلا إذا كانت مجنونة، مقارنة نفسها بالعذراء البتول التي حبلت بلا دنس، الطاهرة المملوءة نعمة، الأم الرحيمة، أم النور، أم الرحمة، أم الخلاص.
«اعلمي أن الكنيسة ترفعها فوق مرتبة رؤساء الملائكة».
كان بذلك قد وضع النقاط على الحروف، غير أن أم جورج قالت:
«أنا أم، وهي أم».
ووضعت بدورها النقاط على الحروف.