يوم المسرح العالمي في دمشق: تعددت النشاطات… وغاب المسرح

حجم الخط
0

يوم المسرح العالمي في دمشق: تعددت النشاطات… وغاب المسرح

ميزانية مديرية المسارح نهبت هذا العام من مهرجان دمشق المسرحييوم المسرح العالمي في دمشق: تعددت النشاطات… وغاب المسرحدمشق القدس العربي ـ من أنور بدر: اعتدنا في يوم المسرح العالمي أن نحتفي بالمسرح من خلال كلمة يكتبها أحد المعنيين بالهم المسرحي، وتترجم وتقرأ في ذات الوقت من 27 آذار (مارس) من كل عام في جميع العواصم والمسارح الكبري، واعتدنا في سورية أن نسمع كلمة المسرحيين السوريين وأن نكرم عدداً من مسرحيّينا كل عام، وأن نتابع عرضاً مسرحياً بهذه المناسبة، كما اعتدنا أيضاً أن يكون الاحتفال بيوم المسرح العالمي يوماً واحداً فقط.هذه السنة وضمن التغييرات المتلاحقة في مديرية المسارح بدمشق، تطور الاحتفال بيوم المسرح العالمي إلي أربعة أيام بدلاً من يوم واحد، وتعددت النشاطات الفنية علي هامش هذه التظاهرة، لكن المسرح غاب عنها وبلا سبب.بداية كان الراحل سعد الله ونوس أول مسرحي عربي يكلف بكتابة كلمة يوم المسرح العالمي لعام 1996، ثم كلفت الكاتبة المصرية فتحية العسال بكتابتها سنة 2004، وهذا العام كُلف أيضاً عربي يحتل موقعاً مهماً في الفعل الثقافي هو الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم إمارة الشارقة، وقد ألقاها علي مسرح الحمراء في دمشق نيابة عنه الفنان رفيق السبيعي. ومنها نقتطف:المسرح هذا العالم الساحر، تعرفت عليه عشقاً وحباً منذ نعومة أظافري عندما انجذبت إليه تأليفاً وتمثيلاً وإخراجاً من خلال المراحل الدراسية الأولي، كانت البداية عفوية لم أحمّلها أكثر من كونها نشاطاًُ مدرسياً يغني الروح والعقل، ولم أدرك جوهره الحقيقي إلا عندما تصديت لتأليف وإخراج وتمثيل عمل مسرحي سياسي أغضب السلطة حينها، فقامت بمصادرة كل ما كان في المسرح وتم إغلاقه أمام عيني… حينها أدركت قوة المسرح وجبروته، وبخاصة لمن لا يتحمل الرأي الآخر. من خلال قراءاتي في المسرح منذ عهد الإغريق حتي يومنا هذا أدركت السحر الكامن في عوالم المسرح في سبر أغوار النفس البشرية ومكنوناتها، وفتح المغاليق التي تحتويها، مما رسخ لديّ قناعة واسعة بأن المسرح بوصفه هذا يشكل عامل توحد إنساني يستطيع الإنسان من خلاله أن يغلف العالم بالمحبة والسلام، ويفتح آفاق حوارات بين مختلف الأجناس والأعراق والألوان علي اختلاف معتقداتهم الإيمانية، فكان عاملاً مضافاً لي في تقبل الآخر علي ما هو عليه، وأدركت أن الخير يوحد البشر وأن الشر يفرقهم. فإذا كان ناموس المسرح قائماً علي صراع الخير والشر في جوهريهما إلا أن طبيعة الإنسان السوية في الغالب الأعم ميالة ومنحازة إلي جانب الخير.. الحروب التي حاقت بالبشرية منذ قديم العصور بواعثها مكنونات شريرة لا تقدر الجمال.. والجمال المتمثل لا يتوافر في فن من الفنون بقدر ما هو عليه في المسرح، فهو الوعاء الجامع لكل فنون الجمال، ومن لا يتذوق الجمال لا يدرك قيمة الحياة، والمسرح حياة، فما أحوجنا اليوم إلي نبذ كل أنواع الحروب العبثية، والاختلافات العقائدية التي تؤجج من دون وازع من ضمير حي، ومشاهد العنف والقتل العشوائي تكاد تغلف المعمورة بأسرها، مصحوبة بهذه الفوارق الشاسعة بين غنيً فاحش وفقر مدقع، بين أجزاء من العالم المنكوبة بأوبئة لا تتضافر قوي الخير من أجل القضاء عليها كأمراض الإيدز وغيرها من الأوبئة المستوطنة، إلي مشكلات التصحر والجفاف في ظل انعدام الحوار الحقيقي بعضنا مع بعض من أجل العالم الذي نعيش فيه مكاناً أفضل.يا أهل المسرح..إن عاصفة قد حلت بساحاتنا من شدة ما يثار حولنا من غبار الشك والريبة، حتي كادت تحجب وضوح الرؤية لدينا، وأصواتنا لا تصل آذان كل منا من كثرة الصراخ والفرقة التي تباعد بين الشعوب، وتكاد العاصفة تطوح بنا لتبعدنا عن بعضنا لولا إيماننا الراسخ بدور المسرح القائم علي الجوار أصلاً.إذاً، لا بد لنا من التصدي والتحدي لمن ينفخ في تلك الأبواق لإثارة تلك العواصف، ليس لتحطيم هذه الأبواق، ولكن بالنأي بأنفسنا عن تلك الأجواء الملوثة، وتكريس جهودنا بالتواصل وإقامة علاقات المودة مع المنادين بالتآخي بين الشعوب… نحن كبشر زائلون، ويبقي المسرح ما بقيت الحياة.وختم كلمته بالقول نحن كبشر زائلون، ويبقي المسرح ما بقيت الحياة .من جهة ثانية ألقي الفنان جهاد سعد كلمة المسرحيين السوريين ومنها نقتطف:هنا فوق خشبة المسرح.. نولد.. نموت.. نخلق من جديد.. لتولد الحياة.. مخاض دائم وخلق مستمر.. إنه الزمن المبدع الممتد الرابط بين الروح والجسد والفكرة..طاقة متفجرة فينا.. فنّاً خالصاً مشبعاً يعكس جوهر اللحظة الصافية. لا حضور علي الخشبة لمن لا يقف بقدميه علي الأرض ورأسه في السماء.. لا شيء يعوق المسير.. لا ملل ولا تعب.. تشرق الحياة فينا وحياً آتياً من عمق الزمان.. من خلاصة الماضي وقوة الحاضر وألق المستقبل.. يغمر النور المكان. فلا شيء يعادل قوة الكلمة ولا شيء يوازي الجنون، والمسرح بحاجة إلي مجانين. هنا المسرح لا يدخله الدخلاء ولا يعبر فوق خشبته المارقون.. يعرف أبناءه الحقيقيين من نظرة عيونهم.. حين نتهمه نتهم أنفسنا.. وحين نقف عند حدود أزمته تكون الأزمة فينا. المسرح أكبر من كل من يعيقه.. يفتح صدره الرحب وعقله الواسع وقلبه البريء وروحه النقية للقاء الأقوياء.. الأقوياء فقط. هناك فوق الخشبة رجال ونساء كما في الحياة.. وما الاستبصار سوي بوصلة الرحلة كي لا نسقط أمام المصطلح الفارغ.. وأساليب الإخراج التي عفا عنها الزمن. فالمسرح ليس بدعة أو موضة أو مكانا للدخلاء العابثين باسمه تحت شعار الحركة.. المسرح بحاجة إلي مخرج حقيقي وليس إلي من يعمل بالإخراج.. وإلي ممثل مبدع وليس إلي من يعمل بالتمثيل.. يحتاج إلي ناقد واعٍ حر مثقف يري بعين الحياد ويدرك منابع الجمال بكافة أبعادها ويستشفها بعمق شمولي ليحاكيها ويرصدها بأمانة من سيترك كلمة للأجيال وليس إلي آراء شخصية هزيلة أو إلي من يعمل بالنقد ويستهويه اسمه في نهاية المقال علي صفحات الجرائد.. المسرح باقٍ ما بقيت الحياة وعلينا أن نواكب ما يحدث في العالم، ففي كل لحظة هناك حركة جديدة ونقلة باتجاه المستقبل بسرعة خارقة، وتغير في البنية ،علينا فهم تفاصيله بعقلية مستقبلية وثقافة منفتحة.. نحن في قلب العالم. وعلينا أن ندرك ذلك.. وأنهي كلمته بعبارة المسرح باق ما بقيت الحياة .ہہہوكان جميلاً هذا الدفق المتفائل في نهاية الكلمتين، رغم ما يعتور المسرح في حياتنا اليومية من أزمات ومصاعب. بدت جلية في خصوصية المسرح السوري إذ نُهبت ميزانية مديرية المسارح والموسيقي لهذا العام من قبل مهرجان دمشق المسرحي العام المنصرم، وذهبت وعود الوزير بتعويض هذه الميزانية عبر اقتطاعات من هنا وهناك هباءً، وها هي المديرية في سبت عروض المسرح القومي الذي نشر بهذه المناسبة، تستعير من عروض المهرجان المنصرم عرضي كأس سقراط الأخيرة و شوكولا اللذين قدما في مهرجان دمشق المسرحي السابق وفي عدد من مهرجانات المحافظات. لتزين بهما فراغ العام الراهن، إذ لا يمكن تقديم عروض جديدة بلا ميزانية.فقر المسرح السوري لم يتبد في غياب العروض الجديدة لهذا الموسم، بل في غياب المسرح عن احتفالية يوم المسرح العالمي، إذ لا يمكن اعتبار اللوحات التي قدمها جمال شقير باسم حالات عرضاً مسرحياً، وإن اعتبرت كذلك فهي تؤكد فقر هذا المسرح وغيابه أكثر مما تؤكد حضوره وغناه. كذلك لوحة الرقص الحديث بإشراف علاء كريميد لم تعبر عن حضور المسرح.حفل التكريم الذي جري علي هامش هذه التظاهرة جاء مؤكداً لأزمة المسرح في سورية، الدكتور نبيل الحفار ناقد ومدرس ومترجم، الأستاذ عادل أبو شنب كاتب مسرحي وصحفي، الفنانة ستيلا خليل مصممة أزياء وماكييرة، وممثلان أحدهما مقل، هو الفنان صبحي سليمان، انتقل من المسرح الجامعي إلي المسرح القومي، وشارك في ستة أعمال مسرحية فقط، رغم تجــــاوزه الستين من عمره، بينما الفنان ياسين بقوش رغم عمله في مسرح العرائس والمســـــرح القومي إلا أنه اشتهر بالمسرح التجاري، وأخيراً الحاج رضوان النــــــوري حارس مسرح القباني منذ افتتاحه سنة 1959 وحتي تقاعده منذ أربع سنوات؛ وقد جاء تكريم هــــذا الحارس تكريماً للمسرح في سورية ولمسرح القباني بكل إرثه وما يمثله في حياتنا المسرحية، إلا أن السؤال ظــل قائماً بين الحضور: أليس بين ممثلي المسرح القومي الذين جُحــــدوا زمناً من يستحق التكريم الآن؟ ألا يوجد لدينا طاقات شابة تعطي للمسرح بحب وإخلاص ما يجعلها جديرة بالتكريم؟ ألا يوجد مخرج مسرحي واحد في سورية جدير بالتكريم؟جميل أن نكرم حارس القباني، لكنه جميل أيضاً أن نكرم مبدعاً أعطي لهذا الفن عمره وإبداعه، جميل أن نكرم ممثلا من المسرح التجاري في سورية، لكنه جميل أيضاً أن يكرم المسرح القومي أحد فنانيه الذين أفنوا عمرهم علي خشبته، وجميل أن نكرم ستيلا خليل مصممة الأزياء وصانعة الماكياجات، ولكن يبقي جميلاً لو بحثنا عن ممثلة واحدة من جيل الرواد أو من جيل الشباب ليكون التكريم حافزاً لإبداعاتهن!وفي غياب المسرح هل يحق للخشبة أن تجمع كل شيء باسم اليوم العالمي للمسرح؟في الواقع لم نستطع أن نحدد الرابط بين عروض مدرسة الرقص التي تأسست في نهاية عام 2005 في مدينة اللاذقية وهي عروض هواة، وبين يوم المسرح العالمي، رغم جمالية الفقرات التي تنوعت ما بين الباليه والفلامنكو، وبين التانغو والبوب، وبين التشا تشا تشا وبين السلو البطيء والسريع؟ لوحات جميلة أعقبت حفل توزيع الجوائز علي المشاركين من طلاب قسم الدراسات المسرحية في دورة الإخراج والذين قدموا عرضهم خلال مهرجان دمشق المسرحي الأخير باسم نحن .كذلك لم نعرف الرابط بين ورشة الشعر التي أقامتها دارة بشار زرقان الخاصة للاحتفاء بالشاعر أدونيس مشكورة، وبين يوم المسرح العالمي؟ ولا بين أمسية الفنانة شمس إسماعيل في ختام هذه الاحتفالية بعنوان من قلبي سلام لفيروز وبين يوم المسرح العالمي؟اعتقد أنها نشـــاطات وعروض جميلة، بغض النظر عن تقديمها في هذه المناسبة، إلا أنها لم تفلح في التغطية علي غياب المسرح السوري، وهو غياب يشير لما هو أعمق من أزمة الميزانية.QMS0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية