يوم جنازة الكناري

حجم الخط
0

نحن في أواخر أكتوبر. شمس دافئة بعد ليلة ماطرة. وصلتُ كورنيش النهر فوجدت مكاناً فارغاً في المقهى على غير المتوقع. كان عدد المتنزهين قليلاً. أغلبهم أزواج مع أطفالهم أو عشاق يافعون يدردشون حول طاولات المقاهي أو يجلسون على بعض المقاعد أو يتعانقون مشياً على طول الرصيف. كلّهم ضيوف على الشمس.
بعض البنايات في الضفة الأخرى لم يكتمل بناؤها بعد. قصبة الأوداية على اليسار. بيوتها البيضاء تلمع تحت أشعة الشمس. تبدو نظيفة، من هنا على الأقل، وراء الأسوار الطينية العالية. لكنهم حفروا نفقاً كبيراً شوّه معالم’وجهها تماماً. النهر ينساب بوداعة رغم مياهه المتسخة. لا أعرف كيف يكون وديعاً ومتّسخاً. ولا يهمّني أيضاً أن أعرف لماذا سمّوه أبا رقراق، مع أن الماء الذي يجري ليس رقراقاً على الإطلاق. وأتخيّل أبويه، كانا غير رقراقين أيضاً. حتى المراكب هنا قديمة ومهترئة بألوان كالحة وأسماء عجيبة. مراكب مقلوبة على الشطّ وأخرى تؤمّن تنقلاً بين الضفتين من حين لآخر بثمنٍ بخس. وبالرغم من كل هذا، الرصيف كان جميلاً. رصيف للنزهة بامتياز. لكني في الحقيقة لم أكن أستمتع بنزهة. كنتُ حزيناً لرحيل ‘بيدرو’ المفاجئ.
غير بعيد منّي، في سطيحة هذه المقهى، كان يجلس شاب مع فتاة مراهقة. الفتاة إما أنها على وشك البكاء أو أنها توقفت للتوّ. عيناها مذبّلتان. تضع فوق رأسها حجاباً فاقع اللون، ولم تكن جميلة على الإطلاق. ما هي إلّا دقائق حتى صار الأمر جدّياً: الفتاة تبكي بالفعل. والأخ الذي بجوارها لم يتردّد طويلاً، ضمّها بسرعة إلى صدره لمواساتها وهو يربّت على رأسها بعطف أبويّ، ثم سرعان ما شرع يلثم وجنتها الدامعة بقبلات محمومة خاطفة. لا أعرف كيف ولماذا بدا هذا المشهد مفبركاً ومفتعلاً بالكامل. ثمة خطأ ما في الصورة. في الواقع، ما استنتجتُه من هذه المسرحية هو أن الشابة تحاول، من خلال البكاء بهذه الطريقة، أن تُغطّي على حميميتها الطّارئة في مكان عام. أما الشاب، فكان على الأرجح يريد أن يوهم الجميع بأنه يؤدّي دور الحنون الودود العطوف، القادر على تمثيل الإنسانية أحسن تمثيل في مثل هذه المواقف، فيما كانت عيناه تلمعان مثل صقر فلاة كاسر أو قاطع طريق محترف، وهما تمشّطان الرصيف بحذر وتوجّس من أقصاه إلى أقصاه.
من حين لآخر كان يمرّ بعض الأطفال بدرّاجاتهم الهوائية أو بأحذية ذات عجلات صغيرة. لكن أطفالاً آخرين كانوا يمرقون بسرعة أقلّ وهم يمتطون ذلك الاختراع الغبيّ، الذي هو درّاجة لا تشبه أيّ درّاجة: لوحٌ بعجلتين صغيرتين للتزحلق وعامود ينتهي بمقود درّاجة، أي على الطفل أن يحرّك هذه الآلة العجيبة بمجهوده الذاتي، بأن يضع رِجلاً على الرصيف وأخرى يدفع بها اللّوح إلى الأمام. إنها فعلاً لعبة غبية. بعض الحوادث الطريفة تحدث مستقبلاً بإيعاز من هذه الغباوة. الدليل هو أنني رأيت أحدهم بأمّ عينيّ هذا الصيف في كورنيش طنجة، ليلة الاحتفال بعيد العرش، يقود سيارة كابريولي حمراء بهذه الهستيريا : قدم على الدوّاسة وقدم أخرى على الأرض. هل سبق لك أن شاهدت مهزلة كهذه يا ‘بيدرو’؟ هل يسمّون هذه لعبة يا ‘بيدرو’؟ أنت، على الأقل، كنت لاعباً حقيقياً.
ثم جلس رجل أجنبي (بملامح أوروبية) على الطاولة المجاورة. وقفت عليه النادلة فاعتذر لها بحجة أنه سينصرف بعد قليل، ولم يطلب أيّ شيء. بعد ذلك التحق به ولداه، طفل وطفلة، وامرأة عجوز ذميمة لا شك أنها الجدّة، ورجل عجوز أبيض الرأس لا شك أنه الجدّ. ومرة أخرى، لم يطلبوا شيئاً من النادلة. ثم التأم شمل العائلة أخيراً بوصول الزوجة وهي تتزحلق بحذائها ذي العجلات. كادت أن تقع وهي تحاول مراراً أن تتشبث بكرسي وتتوازن لتقف لكن دون جدوى، حتى نجحت أخيراً في تثبيت قدميها وهي تتمايل بغنج مصطنع كي تبدو مثل فتاة صغيرة نزقة. هذه المرأة في الحقيقة كانت تبدو أكبر سناً من زوجها، أو في سن والدته تقريباً. قال لها:
يكفي. يجب أن نذهب، الآن.
ليس بعد، سوف أقوم بجولة أخيرة.
يجب أن نشاهد جنازة ‘بيدرو’.
اذهب أنت لوحدك. أنا لست جائعة.
ثم ذهبت لاستكمال جولتها الأخيرة، وصلت إلى حدود سياج النفق ثم عادت. جلست بجواره وهي تضحك. خلعت حذاءها بلطف ووضعته في حقيبة يد صغيرة. ثم انسحبت العائلة من المقهى. بعد انصرافهم، قلت في نفسي: لا بأس، الناس لا يحبون طقوس الجنائز. ثم أن ‘بيدرو’ مات في برشلونة.
بعد دقائق جلس على نفس الطاولة رجل وامرأة وطفلان. عائلة نموذجية هذه المرة. ليس هناك جدّ و لا جدّة. طفلان فقط، بنت وولد في عمرين متقاربين، ليكبرا معاً (كما يُقال) ويصيرا من أصدقاء فتيات وفتيان كثيرين سيتعرفان عليهم بعد سنوات، بالعشرات والمئات والآلاف من جميع أنحاء العالم، عن طريق الفيسبوك والتويتر’وانستغرام…إلخ. ثم داهمني الغثيان. كان الرجل يتحدث بلهجة شمالية لا تخطئها الأذن. اللّعنة. لماذا ألتقي بهم في كلّ مكان هذه الأيام؟ لا أدري كيف صرتُ خبيراً في اللهجات الشمالية. ليس بدافع أكاديمي طبعاً، لكن هو تمرين عفويّ قديم أُموضع به صاحب اللّهجة على خارطة شمال المملكة السعيدة. دون مشقة أعرف أصله بمجرد سماع أوّل جملة. لكلّ مدينة في الشّمال لكنة خاصة مميزّة مثل شيفرة كامنة. صحيح أنّ المسافات بين تطوان وطنجة والشاون والقصر الكبير وأصيلة والعرائش قصيرة نسبياً، وبالتالي فإن الفروق في نفس اللهجة تبقى ضئيلة جداً وبارزة، لكن ما يميّز لسان أهل المنطقة في الغالب هو شيء واحد: صريرٌ شبه آليّ يخترق الكلمات، كما لو أن الذي يُخاطبك قد تمّ قذفُه للتوّ من صحن طائر.
صحن طائر؟ نعم. سربٌ كبير جدّاً من النوارس حلّق في لحظة معينة وانتبه له الطفل إلى جانبي، قال: هذا طائر النورس. منذ مدة طويلة لم أسمع طفلاً ينطق اسم طائر بهذه الفصاحة. غالبية من سمعت من الأطفال ينطقونه بالفرنسية وإذا تجرأوا على وصفه بالعربية عنفتهم أمهاتهم بشدة، وهنّ يحاكين معلّمات الحضانة : Non cest un oiseau. هكذا ببساطة، دون أن يحاولن حتّى التدقيق في صنف الطائر، أو جنسه، ذكراً أو أنثى. سؤال فلسفي صعب ربّما. لكن ما يحدث بعد ذلك أن الطفل يكبر وفي اعتقاده أن كل الطيور تتشابه، مثل البقر والنساء وبعض القطط في الظلام.
عادت النوارس إلى ظهور المراكب. ونقّلت نظراتي في اتجاه آخر. إلى المقهى المجاور، الذي يفصلني عنه ممر صغير، حيث كان رجل وقور مع امرأة ضخمة يتناولان فطوراً دسماً، ميّزت منه على الطاولة هرماً صغيراً من الفخار. إنه طاجين ‘الخليع’ بلا ريب، مزيج من السّمن والبيض البلَدي مغطّى بقطع صغيرة من اللحم المقدّد. كنت أخطف نظري إليهما في السر وأتوقّع الأسوأ، وهو ما حدث فعلاً بعد لحظة. بلا مقدّمات، هبّ الرجل من مكانه وأنشد:
عند التاسعة ليلاً
مات الكناري،
ولم يُدفن حتى الآن.
مع ذلك لا شيء يهمّ.
كان الفطور جميلاً
في ‘فينيسيا آيس’…
ثم انقطع إنشاده فجأة. نهضت المرأة بدورها ووقفت في مواجهتي مباشرة. كانت تتحدث إلى هاتفها النقّال بصوت عالٍ وتنظر باشمئزاز جهة القصبة، فيما الرجل يقف منذهلاً وشارداً بلا حراك. هل بسبب القصيدة؟ هل بسبب الفاتورة؟ هل بسبب ‘الخليع’؟ أم هي مجرد ضربة شمس؟ لا أدري. لكن، أتساءل بصدق، لماذا بعض الرجال ينزعجون ويشردون بمجرد ما تجيب امرأة على هاتفها النقّال، ويقومون بحركات غريبة، كأن يتلّفتوا مثلاً للتأكد من أن لا أحد يراقبهم من زاوية مريحة (على اعتبار أن هذا الأحد ليس أنا طبعاً’)؟ ثم فكّرت: ربّما يتوجّسون فقط من لصوص الهواتف.
في هذه اللحظة انتبهت لارتعاش في جيب سروالي الأيمن. رسالة قصيرة بالهاتف من أخي: ‘تعازينا بخصوص الكناري. ألغيت مباراة اليوم بسبب الجنازة التي تنقل الآن مباشرة على الفضائيات’.
تذكرت أنّ اليوم هو السبت. نهضت وبحثت عن النادلة وأديت ثمن الفنجان مع البقشيش. ثم أقفلت راجعاً من طريق آخر. عبرتُ زقاقاً خلف سور المدينة المطلّ على كورنيش النهر. لأول مرة أكتشف سوقاً أسبوعياً لسلع قديمة وخردوات معروضة على الأرض: كتب ومجلات وتماثيل ولوحات ونظّارات وملابس ومجسّمات وصلبان وتسابيح وهواتف نقّالة وبطّاريات حواسيب ولعب أطفال وتحف للزينة وكراكيب وأشياء أخرى كثيرة بلا قيمة تذكر. توغلت في الزقاق أكثر حتى وصلت ساحة صغيرة، ثم توقفت. كان حانوتاً لبيع الطيور والأقفاص وأسماك الزينة ومستلزماتها. تأمّلت طويلاً في بعض الطيور الصغيرة داخل أقفاصها وهي تتقافز بعفوية بالغة. فكرت أن القفص هو أيضا ملعب. ثم لم أتمالك نفسي: ‘مسكين ‘بيدرو’، أنت فعلاً لم تكن سوى كناري’.
في البيت، اكتشفتُ هذه المرة أيضاً أنني لم أغلق الدائرة. لم أخرج عن المعتاد. هي نصف دائرة أخرى مثل باقي أنصاف الدوائر الممكنة التي قمت بها في جولات سابقة على مدى سنوات طويلة. كانت خطواتي بلا وعي تراوح مكانها داخل نصف دائرة تضيق يوما بعد يوم، مثل نصف بقعة دم على جناح مدينة يخترقها نهر ميّت. كل هذا ولم تمرّ سوى ساعتين تقريباً، أي شوطين فقط لمباراة في كرة القدم.

*شاعر وكاتب من المغرب

نجيب مبارك

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية