باريس ـ “القدس العربي” من فوزي سعد الله:
فرنسا السادس من مايو تختلف كثيرا عن فرنسا الليلة السابقة. الشوارع مكتظة بالناس علي غير عادتها رغم أن اليوم يوم عطلة نهاية أسبوع طويلة من 3 أيام.
في ظروف أخري عادية غير ظروف اليوم، لا يفوّت الفرنسيون، وربما الباريسيون بشكل خاص، مناسبة كهذه للابتعاد عن مدنهم وقراهم وأماكن عملهم للراحة والاستجمام والاستمتاع بيوم جميل ومشمس ينبعث منه عطر الربيع وينذر في نفس الوقت بصيف شديد الحرارة. تجدهم مجموعات وافرادا علي ضفاف الوديان، علي شواطئ البحر، كما في الغابات والفضاءات الخضراء المخصصة للتنزه كما للرياضة. في هذا السادس من ايار/مايو، الحواجز البوليسية التي تنتشر في مختلف طرق العاصمة باريس، لتؤكد أن البلاد في حالة تأهب، حلت محل قوافل السيارات المزدحمة الهاربة إلي الراحة والاستجمام. مثلها مثل شاحنات رجال الحماية المدنية والمطافئ التي استُنفرت لمواجهة احتمالات بالعنف ورجال الشرطة الـ3000 الذين تمعت تعبئتهم للمناسبة تحسبا لردرد فعل عنيفة في حال فوز ساركوزي.
التصويت في الدور الثاني من الانتخابات الرئاسية لهذا العام طغي علي كل شيء. ولا يبدو مشابها لعمليات التصويت التي سادت في السنوات السابقة، بما فيها الانتخاب في الدور الثاني علي جاك شيراك في عام 2002 بنسبة 82 بالمئة تقريبا، لسد الطريق في وجه اليميني المتطرف جان ماري لوبان. تكتسي انتخابات هذا العام أهمية قصوي بالنسبة لجميع الناخبين الفرنسيين علي اختلاف إيديولوجياتهم وقناعاتهم ومصالحهم، لذلك تأهبوا إلي أقصي حد للإدلاء بأصواتهم من أجل اختيار رئيس فرنسا المقبل. ترقب، تشويق، قلق، وحتي غضب يمكن استشفافه من الحديث إلي بعض الشرائح الاجتماعية خصوصا في أوساط المنحدرين من الهجرة، سواء كانوا عربا أو أفارقة سود أو من أمريكا اللاتينية و حتي من الآسيويين الذين زاد عددهم بشكل ملحوظ في فرنسا في السنوات الأخيرة. الرهانات كبيرة ومصيرية، تقريبا نصف المجتمع الفرنسي يري في نيكولا ساركوزي خطرا علي مستقبله وافتتاحا لعهد انتفاضة الأحياء الشعبية في باريس كما في غيرها من الأحياء والضواحي في مختلف أقاليم ومقاطعات فرنسا. هذا ما تقوله تقول سارة السيدة الفرنسية المنحدرة من عائلة يهودية أشكنازية تشتغل في فن التجميل بقناة تلفزيونية فرنسية كبيرة. سارة، البالغة من العمر 55 سنة، مقتنعة بحتمية انفجار ثورات منتظمة في الضواحي في حال انتصار ساركوزي. ولا تخفي خشيتها من خطابه الاستفزازي العدائي ونظرته اللوبانية اليمينية المتطرفة (نسبة الي لوبان) لكيفية إدارة الشؤون الفرنسية في حال وصوله إلي السلطة. فيما تميل من الناحية الإيديولوجية إلي الأطروحات اليسارية وإن كانت تختلف معها في عدد من المواضيع.
ليته تحمّل مسؤوليتهسارة كانت تفضل لو تحمّل ساركوزي مسؤوليته بواقعية تجاه شرائح واسعة من الفرنسيين، أصليين أو جدد، أصبحوا غير قادرين علي دفع حتي كراء وديون شققهم الضيقة دون مساعدات اجتماعية من البلديات وغيرها من المؤسسات. هذه هي المشاكل الحقيقية التي يجب التعامل معها بجدية، بحسب سارة التي توضح انها هي نفسها تحصلت بصعوبة مؤخرا علي عقد عمل دائم يشعرها بالأمان أمام نوائب الدهر.
اما عبد النور، الشاب الجزائري، في الثلاثينات من عمره، الذي تحصل علي الجنسية الفرنسية منذ أقل من عشر سنوات، فلا يتردد في الجزم بان فوز ساركوزي هو فوز لـ مشروع تفكيك تماسك المجتمع الفرنسي وتوسيع الهوة القائمة بين طبقاته الاجتماعية. فرنسا التي يؤمن بها مرشح اليمين في نظر عبد النور هي عالم يزيد فيه الأغنياء غني والفقراء فقرا، وفي في أحسن الأحوال سيبقون فقراء كما هم في الوقت الحالي. الجميع هنا في فرنسا علي يقين من ان ساركوزي هو مرشح رؤوس الأموال وأرباب العمل وكلهم لا يجهل أن شقيقه الأكبر منه سنا، كان طيلة السنوات الأخيرة رئيسا لمنظمة أرباب العمل في فرنسا، وأنه سهر بحرص شديد، مدعوما بأرباب المال، علي دفعه إلي أعلي من رئاسة بلدية نويي سور سين، أحدي أفخم المناطق المحاذية للعاصمة باريس، إلي المناصب الوزارية ثم رئاسة التجمع من أجل حركة شعبية، قبل أن يقرر خوض سباق الرئاسة. عبد النور، الذي يشتغل بائعا في أحد محلات شارع ريفولي القريب من متحف اللوفر بباريس، رغم تشاؤمه، لا يشعر أن حياته هو شخصيا قد تتأثر بنتائج التصويت الجاري في مكاتب الاقتراع: لستُ خائفا علي مصالحي، ولا أعتقد أن شيئا ما سيتغير في مجري حياتي، سواء فاز ساركوزي أو فازت سيغولين. غير أنه لا يسعده أن تتأثر سلبيا حياة الذين لا يملكون وثائق اقامة شرعية في فرنسا أكثر مما هي عليه الآن وهي حياة جد صعبة أصلا. كما أنه ليس مرتاحا لما سيتخذه ساركوزي من إجراءات تعجيزية لحركة التنقل بين فرنسا والجزائر التي ما زالت تربطه بها علاقات عائلية قوية وكثيفة. أم المشاكل لكن في الجانب الآخر من المجتمع الفرنسي، هناك من الفرنسيين من أصبح يري في شباب الضواحي وفي المهاجرين بشكل عام أم المشاكل الفرنسية، علي حد تعبير جان ماري لوبان مؤخرا. هؤلاء غاضبون من كون الدولة الفرنسية تستنزف أموال وثروات البلاد في الإنفاق علي المساعدات الاجتماعية لأناس لا يبذلون جهدا لتحسين أحوالهم الاجتماعية بالاتكال علي عرق جبينهم. جان بيار، عامل أجير في العقد الرابع من العمر، لا يشير مباشرة إلي المهاجرين، لكنه يضرب أمثلة علي ما يقول بعدد من شباب حيه في ضاحية سان دوني، ذات النسبة المرتفعة من المنحدرين من الهجرة المغاربية، الذين يمضون كل وقتهم في إزعاج الجيران عند أبواب العمارات أو في تعاطي الحشيش وغيره من المخدرات، والويل لمن يحتج فإنه قد يتعرض إلي الاعتداء أو تحطيم أجزاء من سيارته إلي غير ذلك من إجراءاتهم الانتقامية. كما لا يخفي جان بيار تخوفه من انتشار الأسلام في الضواحي والأحياء الشعبية ومن غزو الإسلاميين.
غير أن الحقيقة من وجهة نظر الباحث الجامعي برونو إيتيان، مدير مرصد الأديان في مرسيليا، أن مثل هذه الفئة من الشباب، وإن وُجدت فعليا لا تمثل سوي نسبة محدودة جدا كما هو الشأن في كل المجتمعات. ولا يتردد إيتيان في التذكير بتهكّم أن فرنسا تحتوي هي الأخري، ككل المجتمعات البشرية، علي نحو 20 بالمئة من الأغبياء علي حد قوله يصوتون عادة لجان ماري لوبان. دوني، شاب فرنسي، وهو فني في مؤسسة سمعية بصرية كبيرة في باريس، هو الآخر لا يوافق طرح جان بيار الذي لا يخلو من نزعة عنصرية أو علي الأقل من قبضة الأفكار المسبقة البالية. ليس لدي دوني أدني شك في وطنيته وحسه القومي، لكنه يرفض تحميل الضعفاء داخل المجتمع مسؤولية تشترك فيها العديد من الشرائح الاجتماعية والسياسية علي حد السواء بغض النظر عن توجهاتهم وثقافاتهم وأصولهم، مذكرا بالثراء الثقافي والإسهام الاقتصادي الكبير الذي جلبه المهاجرون بشكل عام لفرنسا. فرنسا اليوم لديها مشاكل، لكن لا يعقل تحميلها جملة وتفصيلا للآخر الذي يختلف عنا، أو هكذا الأشياء في ذهن دوني.
الهجرة.. مشكلة وحلارتفاع نسبة الهجرة إلي البلاد في العقود الأخيرة، بقدر ما جلب الرخاء الاقتصادي والتنوع الثقافي، تسبب في بعض مشاكل الإدماج الاجتماعي والاقتصادي للمهاجرين وذويهم كما حرك في قلوب عدد من الفرنسيين الذين ما زالوا يحنون إلي أمجاد الإمبراطورية الفرنسية الاستعمارية مخاوف علي هويتهم وعلي تطويق الأجانب لهم داخل بلادهم، مما فتح فجوة وجرحا عميقا لدي بعض الاتجاهات السياسية لاصطياد الأصوات الانتخابية في عمق مثل هذه الأفكار العكرة.
الساعة تشير الآن إلي 12.00، وزارة الداخلية تتحدث عن نسبة مشاركة قياسية: 34.11 بالمئة. وكانت هذه النسبة عند نفس الساعة في الدور الأول من التصويت يوم 22 أبريل (نيسان) الماضي 31.21 بالمئة واعتبرت آنذاك نسبة عالية. مراسلون صحافيون يجتهدون ويخوضون في تكهنات ونقاشات حول ما ستسفر عنه الصناديق في نهاية اليوم، وهم الذين شاهدوا الكثير من الشبان ذوي الأصول المغاربية مقبلين علي مكاتب الاقتراع. أحدهم يرفض اعتبار ارتفاع هذه النسبة مؤشرا علي مشاركة مرتفعة وإنما علي رغبة في التصويت الباكر لدي الناخبين والتخلص من العبء الانتخابي حتي ينصرفوا إلي قضاء عطلهم. آخر يؤكد أن شبان الضواحي أقسموا علي تصفية حساباتهم مع ساركوزي والكثير منهم لا يمتلكون إمكانيات الذهاب في عطلة لأنهم أصلا في عطالة دائمة. وثالث يقترح أن يكون أنصار مرشح اليمين وراء تضخم نسبة المشاركة و قد شحذوا سيوفهم مصممين علي إيصال ساركوزي إلي قصر الإليزي والانتقام لأنفسهم ولآبائهم من الذين أتوا بـ ثورة مايو 1968. والحديث عن العنف مصدره المرشحة سيغولين روايال. قالت يوم الجمعة، ولو بنصف الكلام، ان انتخاب ساركوزي سييفجر اعمال عنف بالضواحي. ومصدر التخوف ان ساركوزي علي عداء مفتوح مع الشبان من اصول مغاربية وافريقية منذ ان وصفهم بـ الحثالة اثر انتفاضة 2005 ، فكـــان الطلاق البائن. الضغط و الترقب يتزايدان في كل مكان من فرنسا مع مرور ساعات بعد الظهر، الشوارع الباريسية كانت ما زالت توزع الناخبين يمينا وشمالا علي مكاتب الاقتراع في انتظار كلمة حسم مدتها خمسة اعوام.