يوم مات عظيم الامة وعينه كانت على المقاومة الوليدة

حجم الخط
0

مطاع صفدي

أربعون سنة لم يمت خلالها عظيم الأمة جمال عبد الناصر يوماً واحداً. كان حضوره طيلة هذه العقود الأربعة طاغياً رهيباً. إذ أن كل الأحداث التي توالت على المسرح العربي كانت تفترض حضورا غائياً، بمعنى حضورّه المعيار الأشمل الذي تقاس بقامته المديدة كل قزميات الأهوال مهما تفتقت عبقرية الشر من خلال وقائعها المشؤومة.

جمال عبد الناصر هو المعيار المؤسس لتاريخانية النهضة العربية المعاصرة، هو الإنسان الأول المبشر بإنسانيتها المنتظرة. فكل حضارة تُعرف بنمذجة إنسانها وهويته المتميزة عن مثيلاتها لدى الأمم الأخرى. لقد جاء الإسلام بشخصية إنسانه الكامل عبر المثال المحمدي. فالمفهوم الإلهي لا يسمح لأشباه له على الأرض، لكنه يجعل من رسوله قدوة تتبعها أجيال المؤمنين من أمته. أما الزعيم السياسي، فهو ليس سياسياً في أصله، بقدر ما هو رائداً لمنظومة نهضوية جديدة. فقد يفقد الشعب جسد زعيمه يوماً ما، وهذا أمر محتوم، لكن من غير المحتم أبداً أن يفقد معيار وجوده ذاته فالمقياس هو الأبقى بعد أن تضاءلت معظم الحجوم والقامات دون أدنى مستويات قيمه.

يموت الزعيم، لكن يخلّف وراءه تمثاله، شاهداً حاكماً على مستقبل التاريخ بعده؛ فإذا لم تعد أفكاره، أقواله وإنجازاته هي الفاعلة فيما تخطى واقعها وظروفها، فإنها تظل هي الآمرة بأقوال الحقيقة والآمرة بأفعال العدالة، وحدهما دون سواهما. مثلاً لا يمكن لعهديْ الرئيس التاليين على عبد الناصر، السادات ومبارك، أن يفلتا أبداً من أحكام الحقيقة والعدالة التي أرساها زعيمهما، شاءا أم أبيا، لنهضة العرب بقيادة مصر الناصرية. فهما العهدان النقيضان. كانت لهما مهمة واحدة هي استباق النهضة الآتية، بانبعاث سابقها، عصر الانحطاط مجدداً، وإطلاقه بأخطر شياطينه وأشأم كوارثه.

لسنا في صدد الشخصنة، ولكن كيف يمكن عزل الأحداث الجسام عن فاعليها، للشعوب المنسية، من الرجال العظام العاملين على إعادة استحضارها إلى خارطة العصر والعالم الحي. فالعلوم الاجتماعية لم تكشف قوانينها، كيما تهمل مشرعي هذه القوانين، ولا رواد فتوحاتها السياسية والثقافية الباهرة. إنما الأمم الحيّة هي بمواطنيها الأحرار، وقادتها الأبطال؛ والعلاقة بين التصنيفين عضوية لا يمكن فصمها. والدليل العربي المتجدد بين كل حدثٍ جللٍ وآخر، هو المآل الذي انتهى إليه عصر الانحطاط المعاصر، مع افتقاد المواطن الحر والقائد البطل، معاً في وقت واحد. هذا القانون لا يخص تحولات المجتمعات المتخلفة بل تعانيه أرقى شعوب أوروبا. ها هي اليوم تشكو انعدام الرجال العظام في صفوفها القيادية. وبدلا عن هؤلاء يبرز أمثال ساركوزي وبييرلسكوني في فرنسا وإيطاليا، فهما هذان البلدان السائران حثيثاً نحو تكرار مصائر الأمم الجنوبية.

خلاصة القول انه ليس من نهضة في ذاكرة التاريخ، لم تكن لها مرجعية فلسفية سياسية تحدد لها نوعاً من منهجية ذاتية نحو تكوين شخصية مفهومية متميزة. فالأمم لا تنهض بعوامل الصدف وحدها، ولا تتابع تكونها المعنوي والمادي بفعل طوارئ الأحداث من هنا وهناك. لا يمكن القول مثلاً أن أوروبا المعاصرة ليست ثمرة عليا متجذرة في تربة نهضتها منذ ثلاثة أو أربعة قرون، وحاملة لشعارات عصر الأنوار التي لا تزال تغذي معالم إنسانيتها، وتمنع سقوطها ثانية في هاوية البربرية، بالرغم من انحرافات سياساتها الدولية.

النهضة العربية لا تزال باحثة عن عصر أنوارها. لكنها مع ذلك كانت لها انطلاقتها المعاصرة، من رحم تطور عالمي فريد؛ عُرف بحركة التحرر الوطني لمعظم الأمم المستعمرة في القارتين الآسيوية والأفريقية. فكان التحرر هو تنويرها الأول، منعكساً على مرحلة غنية من نشوء الكيانات الدولتية لأجزاء من أمة كانت غائبة عن العالم لألف عام فقط. فإذا كان التحرر اكتسب في بدايته طابعاً سياسياً، إلا أن انطلاق النهضة كان يتطلب بناءً تكاملياً لإنسانها ومجتمعها. هنا يبرز دور القائد التاريخي الذي يأخذ على عاتقه إبداع كينونة جديدة لأمة زاخرة بإمكانياتها الحضارية، لكنها المهمّشة معرفياً وتنظيمياً، والمحجوزة ذاتياً خلف عقد وموانع ثقافوية وأهلوية هائلة. هذه المهمة المزدوجة في استكمال التحرر السياسي وتنمية الأمة المعاصرة، تثير في وجه القيادة التاريخية أعمق التحديات السلبية ذاتياً وموضوعياً، بحيث تتعرض المسيرة النهضوية لأعنف الصدمات البنيوية المهددة لمصيرها، بين جولة وأخرى، من جدلية الصمود والانتكاس.

هل نقول أن المرحلة الاستقلالية الأولى قد شكّلت، بأفكارها ورجالها وأحداثها العامة، مفرداتِ المرجعية لتاريخانية النهضة المستقبلية، بحيث لن يمكن فهم مختلف التطورات القادمة، من دون فعل التأويل لدلالاتها، على ضوء معاني تلك المرجعية ومقاييسها شبه المستقرة في الوجدان الجماعي. فقد فازت المرحلة الاستقلالية باسترداد الأمة لحرية شعوبها، بمعنى أن أكثر من عشرين (شعباً) عربياً قد أصبحت لهم كيانات دولاتية متمتعة بالعلَم والهوية والاعتراف الدولي، ومحكومة داخلياً بدساتير سيادية، ويتولى شؤونها مسؤولون من أبنائها. فكانت هذه التحولات البنيانية والحقوقية غير المسبوقة منذ عهود حضارة الإسلام المنطفئ، مصدَر ثقةِ استثنائية بالذات الإنسانية العربية الجديدة، جعلت الجيل المعاصر لها منتشياً ومقدماً بأحلام استكمال الاستقلال الوطني بمآله التاريخي وهو الاستقلال القومي، البعيدة المنال، بما يفوق القدرات الفعلية لدوله الناشئة آنذاك.

الأمة طامحة بالإمكانيات الخلاقة الصالحة لإنشاء الحضارة المأمولة الجديدة. ذلك اعتقاد بديهي راسخ سوف يغذي فجر المرحلة الاستقلالية الأولى. فلن تكون ثمة عوائق مستحيلة بين المتحقق من الاستقلال، في شكل الدولة القطرية، وبين ما ينبغي الوصول إليه مع تحقق الكيان القومي، بقيام دولة الجمهوريات العربية المتحدة. هذه المسافة النوعية بين الاستقلالين، الوطني والقومي، لم يكن فكر النهضة عابئاً بموانعها القائمة، بخارطتها الجيوسياسية المفروضة على أرض الوطن العربي الواحد المتكامل أزلياً. كان هذا الفكر يشتغل ثقافياً وسياسياً، كما لو أن الأمة كلها حاضرة، وفاعلة ومتفاعلة جماعياً، وإن لم تكن لها دولة واحدة بعد. فحين سيأتي الزعيم التاريخي في وقته. سيكون عليه تجسيد هذا الفكر، عبر إنجازات واقعية، قابلة للتحول إلى (علْم) معايير النهضة القادمة.

لكن بالمقابل لم يكن التاريخ العالمي يسير بمنأى عن نهضات الأمم الجديدة، وفي مقدمها هذه الأمة العربية، القائمة والمتجذرة في ملتقيات قارات العالم القديم الثلاث، آسيا وأوروبا وأفريقيا. لكن نهضة هذه الأمة ستكون أحداثها الكبرى، مع ثرواتها الإستراتيجية الهائلة، بمثابة البوْصلة، والمعبر معاً، بين عصر التصفيات الحربية العظمى للقرن العشرين، ومولد عصر الإمبراطورية الكونية الأخيرة لذروة الاستبداد الهمجي المطلق، وبداية نهايته في الوقت عينه.

لهذا نقول ان عبد الناصر لم يمت منه إلا جسدُه فقط منذ أربعين عاماً. وعندما كان جسده حياً، فقد كان موزعاً على أجساد الملايين من أمته. فلقد أرسى معظم معايير تلك النهضة العربية الفريدة، التي ستكون بدورها، واحدة من رواد القوى المقاومة للإمبراطورية الكونية، ومن بناة عالم ما بعد الإمبراطورية الأخيرة هذه. فلسنا في عصر مطبق من السوداويات المتشائمة، ولسنا كذلك أعضاء في جوقة الحنينيات البائدة، بل ربما كنا من شهود آخر وأعظم انقلاب للتاريخ على نفسه، على تحالفه المزمن مع البربرية طيلة ماضيه، والانفتاح على قصةٍ أخرى لبشريةٍ أصبحت قادرة على حسم التطابق بين العقل والواقع لحساب العقل وحده.

لقد توفيّ عبد الناصر في ليلة اليوم الأخير من كفاحه الأخير، لحماية المقاومة الفلسطينية من أولى محاولات إبادتها بيد أول نظام عربي مدشناً بذلك، السيرةَ الآنية لانفصال النظام العربي ككل تدريجياً عن ثقافة النهضة، والانخراط في انبعاث نقيضها الانحطاط، مع عصرنة أمراضه الدفينة، وتمويه (إنجازاته) المتجددة بدهاء السحرة المشعوذين من رقباء الغرب المترصدين لأية يقظة عربية حقيقية في أي حقل نهضوي؛ وإجهاضها وهي في مهدها. وكان إحباط الاستقلال القومي، الهدف الأعلى المستديم لارتداد موجات الاستعمار المتلاحقة؛ المتغيّرة بالأقنعة والمصطلحات الدبلوماسية، ولكنها الخبيرة المتصيدة لأضعف بذور القوة المنطلقة لتجاوز القوقعة القطرية المغلقة أكثر فأكثر، على عِقَدها المتنامية، والعاملة أخيراً على إعادة تفتيت دويلة الاستقلال إلى أضعف، أو أشرس مكوناتها، المتفرعة عن أرومة التلاقح المتعفن بين التجزئة الفئوية والتخلف المزمن.

مات عبد الناصر وعينه قبل إغماضتها الأخيرة، كانت مفتوحة على المقاومة الفلسطينية الوليدة والفتنة، والعاصية على المجزرة المعدة لها، والتي أنشبت مخالبها السلطوية في صدور شبابها، ومكامن حيويتها الواعدة المتفجّرة. كأنما كان يدرك أن عهد الثورة بوسيلة السلطة قد استنفد طاقته وأخلاقيته معاً. وأنه حان الوقت لعملية تسليم وتسلّم، فتنتقل الثورة من قيادة القمة إلى قاعدة الهرم بقواها الشعبية المجهولة، ولكن المنتظرة لتمارس أدوارها.

بعد غياب نموذج القيادة الناصرية، حاولت قمم سلطوية انقلابية متعددة استنساخ النموذج، فلم تنجح إلا في تقليد سطوته العليا التي حولتها إلى سلطنة قروسطية، عمدت إلى تصنيم الدولة القطرية، وتزييف كل محاولة عبور شاقة ما فوق الهاوية الفاصلة ما بين الاستقلالين الوطني والقومي. فانتهى الأول إلى أشكال من التبعية الصريحة أو المواربة، لقوى الاستكبار العالمي المتناسلة من بعضها مع تصفيات نهايات القرن العشرين كذلك فقد الاستقلال القومي زخمه الاستراتيجي بعد بداية الإخفاق النهضوي في عجز الناصرية عن حماية طفلة الوحدة العربية الأولى، واغتيال جمهوريتها العربية المتحدة، وهي دون السنة الثالثة من عمرها.

عبد الناصر مات قبل أربعين عاماً، لتولد وتبقى المقاومة بعده. فالنهضة التي تمّ تعجيزها المضطرد، عن تأصيل العوامل الموضوعية لقيام وحدتها السياسية. لكنها في الوقت عينه لم تخرج من صراعاتها الوجودية مع أعداء الداخل والخارج، خاوية الوفاض فقد اكتشفت في أعماق شعوبها الفقيرة، طاقة لا تنفذ في رفض الإستسلام، وابتكار بدائل المعاندة، ضداً على ارتدادات أمراض التخلف الذاتي، مصحوبة دائماً بمسلسلات لا تنتهي من غزوات الإمبراطورية الكونية بأسلحة التدمير الشامل النازية والتآمرية معاً.

النظرة السريعة والعادلة لكلّية المشهدية القومية خلال قرابة نصف القرن المنقضي لا يمكنها النكران بل الاعتراف بأن النهضة العربية ابتكرت ثقافة الممانعة بمختلف أدواتها وأساليبها. لم تستطع أن تنشئ إمبراطوريتها السياسية أو العسكرية، لكنها تصدت حقاً لذروة إمبراطورية الشر المحض المطلق؛ فجّرت فيها مكامنَ ضعفها. منعت عنها أهم شرايين حياتها. جعلت بقاءها مرهوناً بجملة مستحيلات.. لن تخرج من شباكها الحديدية ألا وهي هالكة وممزقة؛ وغارقة في أسوأ نفايات الحضارات الآثمة أولاً إزاء إنسانيتها، قبل إنسانية الآخرين من ضحاياها.

من يقول ان عبد الناصر قد رحل عن هذا العالم، ووجهه يطل من خلال أوجه كل المقاومين في عصر عودة الشرق العظيم إلى مواقع الخلاص والحماية لعدالةٍ بشريةٍ لن تختفي إلا مع اختفاء كوكب الحياة الأخيرة في هذا الكون المرعب الصامت.’ مفكر عربي مقيم في باريس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية