يوم مشهود من تاريخ مصر

حجم الخط
0

د. صادق محمد نعيمي تاريخ مصر كم هو عريق وشعبها كم هو أصيل. لين. سهل. ابن نكتة. صبور. نعم كان يوما مشهودا من تاريخ هذا الشعب، مثل أيام مينا وخوفو وسنوسرت الثالث وتحتمس الثالث (الفرعونان الأخيران من أعظم فراعنة مصر)، ورمسيس وأحمس… وضد الملتزمين الذين كانوا يرهقون مصر بالضرائب وثورتي القاهرة الأولى والثانية ضد الفرنسيين، وسنة 1807 ضد الأنجليز في رشيد، ومعارك إبراهيم باشا ضد الفكر الوهابي الرجعي المتخلف في شبه جزيرة العرب، وايام عرابي وسنة 1946 وثورة تموز/يوليو 1952 وحرب 1973، حتى مصر في انكساراتها في 1882 ودنشواي 1906 وغيرها، تنكسر في شجن وحزن يكسبها قوة داخلية يساعدها على أن تهب من جديد، وكأنها تكتسب من نيلها الخالد خلودا آخر، ومن حب الشعوب الأخرى لشعبها الحبوب رقيق الشعور والأحساس روحا تزيدها تألقا وبهاء.

نعم كان يوم 25 كانون الثاني/يناير 2011 يوما مشهودا من هذا التاريخ العريق، حيث تجمع حوالي ثلاثين ألفا من المصريين في ميدان التحرير ويا له من رمزية جميلة، أن يكون التجمع في ميدان بهذا الاسم. كانت الروح المصرية تُولد من جديد في نفس كل المشاركين، وكان لي الشرف أن أكون واحدا منهم. بعد الاحساس بالانكسار، وشيء من العجز على مدار سنوات، بث فيه الحكم منذ منتصف السبعينيات وحتى الآن ثقافة الانهزامية والضعف والنفاق والفبركة أو الفالصو (الشيء المقلد) والتخاذل. في بداية الليل كانت شمس 25 كانون الثاني/يناير تغرب ونرى شفقها وكأنها غلالة الروح التي يستردها المصريون. وكانت الأخبار تتوارد عن مظاهرات في أسيوط والسويس والاسكندرية والمنصورة… تصيح الجماهير: ‘الشعب يريد إسقاط النظام’ و ‘ارحل’ و ‘لا للبطالة لا للغلاء’ ‘لا للفساد’ لا للديكتاتورية، الأمر هنا ليس مجرد انتفاضة من أجل الحياة الاقتصادية الأفضل، بل هي كذلك تسعى إلى تغيير سياسي جذري، وكانت تونس بثورتها حاضرة لتثبت للجميع أن الوطن العربي مازالت به روح التجاوب، رغم محاولات الحكام الجهلة الفاسدين في قتل الروح العربية في ظلال الدولة القطرية التي أدت إلى الترهل والضعف والفساد. كان المصريون بكافة مستوياتهم الاجتماعية في وحدة وطنية رائعة مشرفة، يشكلون لجان إعاشة لاستمرارية المظاهرة، وآخرون يسعفون المصابين بالغاز المسيل للدموع، وشباب يجمع الورق وينظف الميدان. كانت قوات الشرطة تسد كل المنافذ المؤدية إلى مجلس الشعب وإلى وزارة الداخلية، ولكن ابى النظام إلا أن يمارس غباءه المعهود فيفرق بالعنف هذا الحشد الكريم.

نعم إن مصر قبل هذا اليوم لم تعد هي بعده، وفي اليوم التالي ترتكب الداخلية خطأ جوهريا في عدم السماح بالتجمع في ميدان التحرير، فيتحول وسط البلد إلى أشبه ما يكون بحرب عصابات، وتتحول السويس تلك المدينة المقاومة إلى ثورة شعبية عارمة يموت فيها حوالي 4 أفراد على يد الشرطة.

المتوقع أمران:1. أن يستجيب النظام إلى الحد الأدنى من طموحات الشعب المصري فيقوم بإجراءات حاسمة، على رأسها إقامة حكومة مؤقتة لإدارة انتخابات حرة بعد إلغاء قانون الطوارئ وتعديل الجداول الانتخابية، بشرط عدم ترشح الرئيس الحالي ولا ابنه ولا أحد من رموز الفساد في ظل الحكم الحالي (الذي استطيع أن أطلق عليه الآن باطمئنان النظام القديم)… ومحاكمة عاجلة لرؤوس الفساد في البلد، والتصدي للشركات الأجنبية التي نهبت واشترت بثمن بخس شركات القطاع العام. وكذلك بعض الاجراءات الأخرى التي من شأنها تخفيف حدة الغضب الشعبي، وما قد يكون استجابة جزئية لمطالب المصريين. وهذا ما تريده كثير من الدول الغربية (ما عدا المس بالشركات التابعة لها التي تمثل الاستعمار الجديد) من خلال الإشارات المتعددة التي أرسلتها فرنسا والمانيا والاتحاد الأوروبي، إذ إن هذه الدول تريد استدراك خطئها في وقوفها مع ديكتاتور تونس السابق حتى آخر لحظة، قبل الاطاحة به في ثورة مجيدة مشرفة. ولكن أظن ان النظام المصري وصل إلى درجة من التكلس والتسوس، مما يجعله عاجزا عن اتخاذ هذا الحل، خاصة أن من ضمن رؤوس الفساد من يشكل جزءا اساسيا في بنية النظام. ولكنه سوف يقوم بعمل تعديل وزاري خائب، ظنا منه أن هذا يساعد في امتصاص الغضب.2. في حالة عدم الاستجابة لعمل تغيير جذري، والاكتفاء بالصمت أو بتعديل شكلي محدود، وهذا ما أتوقعه، مع استعانته التقليدية بالترسانة الإعلامية والدينية التي عفا عليها الزمن للتعتيم أو لتحريم التظاهر أو بالتهديد من الحرمان الكنسي إلى غير ذلك من توظيف الإعلام والدين وبعض الكتبة، فإن الشعب المصري سيستمر في الانتفاضة حتى يقوم هو بتغيير جذري، أي أن تتحول الانتفاضة إلى ثورة، ولكنها سوف تأخذ بعض الوقت، اللهم إلا إذا حدث ما هو غير متوقع، لأنني أؤمن مع المفكر الفرنسي مولان ‘باللامتوقع في التاريخ’. وقد جاءت ثورة تونس ويوم ميدان التحرير المشهود لا ليؤكد ذلك فقط، بل ليعيد الثقة في نفس هذا الشعب العريق.

وبقي أمران:1. تواطؤ شركات المحمول مع النظام بقطع الخدمة عن ميدان التحرير وقت المظاهرة الكبرى وعن مدينة السويس، وهي خدمة ندفع ثمنها بأكثر من السعر العالمي، يجب أن لا ننساه، ونسعى لإنشاء شركة محمول وطنية وننسحب من هذه الشركات التي يجب أن تدفع ثمن هذا التواطؤ.2. أتمنى أن يفهم رجال الشرطة أنهم جزء من هذه الدولة والوطن فلا يدافعوا عن النظام الذي أوصلنا إلى ما نحن فيه. وأخيرا قم يا مصري مصر دايما بتناديك.

مؤرخ مصري واستاذ الحضارة الفرنسية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية