يوم من حياة مصور

حجم الخط
0

محمد غرناط (1) غادرت المقهى بعد ساعة كاملة من الانتظار. لم تأت زهيرة في الموعد الذي اتفقنا عليه. إنها تقطن معي في نفس العمارة بشارع عبد المؤمن، وأنا أحترمها، لذا، ما إن نطقت كلماتها الأولى حتى صدقتها ووثقت فيها. لكنها تأخرت فأحسست بالخيبة وأخذت الشكوك تساورني. كنت أود ( كما صارحتها بذلك) أن ترافقني في رحلتي هذه، غير أنها خذلتني. دون شك خشيت أن تصادف متاعب قد لا تقدر على تحملها. نظرت إلى السماء فرأيتها أقل غيوما من الصباح. حينما استيقظت وأطللت من النافذة رأيت الدنيا كالحة والشارع مقفرا كأن المدينة كلها تتوقع هجوم أعداء قادمين من عوالم مجهولة. غادرت البيت دون أن أعبأ بشيء. ألفيت المقهى فارغاً، فقعدت ورحت أعد الزمن لحظة لحظة، وكأنني أعد نبضات قلبي واحدة واحدة. أخذ المقهى يمتلئ شيئا فشيئا حتى امتلأ بالكامل وكأن الناس خرجوا دفعة واحدة بعدما ظنوا أن الأعداء أجلوا الهجوم، ما عدا زهيرة ربما بقيت وحدها في بيتها ولم تبرحه. (2)خطوت خطواتي الأولى فرن الهاتف الذي أضعه عادة في عمق جيبي الداخلي خوفا من اللصوص، لذلك لزمني بعض الوقت كي أسحبه ثم أرد بصوت متلعثم:- آلو.. من معي؟

تلقيت صوتها وهي تجيب في رقة:- أعذرني يا صلاح.. أين أنت الآن؟

قلت من غير أن أنذهل لشيء: ‘ إنني قريب من المقهى، لم أبتعد عنها سوى خطوات قليلة.’ أحيانا لا أعرف من أين تأتيني القوة. كنت قويا بالفعل وأنا أصارحها بأنها خانتني وتركتني وحيدا في مواجهة عمل قد لا أقدر على إنجازه بمفردي. سمعتها تضحك ضحكة هادئة، ثم تقول نافية:- لا يا عزيزي.

ارتعبت فجأة وقلت:- أنا في حاجة إليك. كان عليك أن تدعميني في هذه المهمة الصعبة.- لا تضخم الأمور وتعطيها أكثر من قيمتها، أنا حينما أفقت في الصباح وجدت الشارع مهجورا. لم أصدق ما رأيت.. قاطعتها:- فعلا يا زهيرة، أنا أحسست كأننا في حرب.- يا عزيزي.. إننا فعلا في حرب، هل تشك في ذلك؟ لكن ليس هذا ما يهمني الآن.. صمتت وتابعت بعد برهة قصيرة:- أريد فقط أن أطمئنك أنني ركبت سيارتي وقصدت الحديقة التي ستنجز بها عملك. سأكون ببابها الرئيسي في انتظارك، وقد سمعت أن ناسا كثيرين ربما هم أيضا ينتظرونك. لقد علموا أنك ستزور الحديقة وتقوم بتصوير مشاهد نادرة ومثيرة بداخلها.

انقطع الخط، لكنني كنت قد سمعت كل شيء فسعدت وكدت أقفز وأهرول في الشارع من الابتهاج. لم أهتم بالقمامة الملقاة على الأرصفة ورحت أدوس كل شيء بقدمي قبل أن أستقل سيارة أجرة وأطلب منه أن يقلني بأقصى ما يمكن من سرعة.(3)كنت منزعجا وأنا أقطع الطريق المؤدي إلى الحديقة. لا بد من وقت طويل كي أصل. الممرات مكتظة بالسيارات والراجلين. سيارة الأجرة مهترئة لم تتوقف عن الارتجاج منذ انطلقت. امتلأ داخلها برائحة الدخان فضاقت أنفاسي وكدت أختنق. فتحت النافذة على يميني ولم يجدني ذلك نفعا. نظرت إلى السائق ورحت أكيل له الشتائم في نفسي دون أن أخبره أنني ذاهب لإنجاز عمل هام يتطلب مني أن أكون في تمام راحتي النفسية والجسدية. تعبت حتى أحسست أنني في حاجة إلى سيارة إسعاف كي أزور المشفى قبل أن أذهب إلى الحديقة. لعنت حظي وكابرت حتى وصلت. تطلعت إلى الباب الرئيسي فلم أر أحدا. أين زهيرة والناس الذين قالت إنهم بانتظاري؟ هل كذبت؟ أظن، لكن يجب ألا أتسرع وألا أنسى دائما أن الغائب حجته معه. ربما حدث لها مكروه في الطريق أو أنها تأخرت بسبب الازدحام. خشيت أن يكون الأعداء قد داهموا البيوت فعلا. تعكر مزاجي، لكن كي أتفادى إرهاق نفسي وأحافظ على توازني كما يجب سويت آلة التصوير فوق كتفي وتقدمت لأدخل الحديقة من بابها الواسع.(4)بالرغم مما بذلت من جهد كي أتماسك لم أكن على ما يرام. كنت مرتبكا مرعوبا كأن عدوا خفيا يتربص بي. لكنني في الوقت نفسه كنت واثقا أنني أملك من القوة ما يسعفني على إنجاز مهمتي على النحو الذي يرضيني ويرضي زهيرة أيضا. إنها تستحق، وأنا، بالتأكيد سأحصل على المال الذي كنت أحلم به، وأستعيد الثقة في عملي كمصور ولن أقول بعد اليوم إنني أمارس مهنة جلبت لي متاعب لم أكن لأعرفها لو أنني اشتغلت في التجارة كما فعل أخي. لابد إذن من أن أحترز. أطوف كل أركان الحديقة لأختار بدقة ما يستحق أن أصور من أوضاع لحيوانات قيل إنها ربما جنت وصارت تأتي سلوكا ادعت زهيرة أنها لم تسمع به من قبل وطلبت مني أن ألتقط حوالي مئة صورة لصالح شركة سياحية يوجد مقرها قريبا من العمارة التي نقطنها. ربما ستباع هذه الصور في كل أنحاء العالم.

لم أتهيب، لكنني لم أكن مطمئنا على النحو المطلوب. تخيلت أن هذا العمل هين، غير أنني ما إن اجتزت باب الحديقة حتى أصابني الدوار وبدأت أحس أن رأسي أخذ ينفصل عن جسدي. كنت أنهار. تراجعت إلى الخلف واتكأت على الحائط قرب الباب. نظرت يمينا وشمالا فلم أر غير الحارس الطويل العريض يرقبني في صمت دون أن يسألني عن شيء.(5 )كان عواء حاد يأتيني من بعيد. بدأ خافتا ثم ظل يعلو حتى صم أذني. شعرت بالغثيان. ربما كان هذا الصوت لابن آوى أو لحيوان آخر من فصيلته. أحسست أن علي أنا أيضا أن أرفع صوتي ليعرفوا أنني ضيف من بني آدم عندهم وأنني مكلف بمهمة لا شك لم أقدر صعوبتها. قمت من مكاني وسرت على مهل وأنا أتفحص ما حولي باهتمام. الكاميرا الصغيرة مشدودة إلى كتفي والحيوانات المختلفة تتطلع إلى وجهي وبعضها لا يتورع عن إطلاق أصوات هادرة. فجأة اهتزت كلها مثل جبال وهشمت الأسلاك التي تفصل بينها وأخذت تقفز على بعضها وتتدافع بقوة مستعملة قرونها وأطرافها وأنيابها الرهيبة. لم أتراجع من الخوف، بل أمسكت الكاميرا بين يدي ورحت ألتقط بثبات صورا لمشاهد من حرب لم أعرف إن كانت زهيرة على علم بها ولم تخبرني. لم تغادر الحيوانات الحواجز التي تفصل بينها وبين الزوار، ومع ذلك انتشر الرعب وخشي الناس أن ينتقل القتال إلى الممرات العامة.

لم يثنني شيء عن عملي. اعتبرت ما يجري مجرد لعبة ساهمت فيها كل أصناف الحيوان. لذا، أحسست بمتعة وأنا أمشي على قدمي وسط الغبار والعويل وألتقط مشاهد من كارثة لم أتوقع أن أكون شاهد إثبات فيها.

التقطت صورا كثيرة ( ربما فاقت المئة) قد لا تتوفر للمرء بسهولة فرصة الاستمتاع بها. لهذا سعدت، وتمنيت لو أن الوقت كان أطول لألتقط ما لا يحصى من مشاهد ضارية دامية.(6)- مساء الخير.

قالت باسمة فأجبتها:- مساء النور. لم تكوني في الموعد كما اتفقنا.

لم تفارق الابتسامة فمها:- لا يهم. كيف تمت المهمة؟- كما أردت لها أن تكون. ستروق للجميع. إن بها مشاهد لن يعثر عليها أحد ولو بحث الأرض طولا وعرضا. مشاهد مروعة لكنها بالألوان.

قالت بإعجاب:- رائع، يحق لك يا صلاح أن تفتخر.- نعم سيدتي، لقد قضيت يوما من أجمل أيام حياتي. كنت كما لو أنني في قتال تمنيت أن يطول لما فيه من متعة.

ثم واصلت باعتزاز:- لم أتوقع أبدا أنني سأحقق هذا النجاح في وقت وجيز وظروف صعبة للغاية. لكن أرجوك اخبريني لماذا أخفيت عني أنني سأقوم بتصوير الحيوانات وهي في نزاع؟- أو قل إنها في قتال.- بالفعل، قتال شرس مثل الذي نسمع عنه في الأساطير.- الخبراء قالوا لنا إن هذا اليوم ستقوم فيه معركة داخل الحديقة.

تساءلت باندهاش لا يخلو من غباء:- كيف عرفوا؟- لا أدري.- لقد كانت المعركة في منتهى الشراسة. الحيوانات يأكل بعضها البعض دونما شفقة.- وأنت كنت فنانا.- أشكرك، لقد اشتغلت بصدق وهذا من دون شك سيجلب لي المال أكثر مما تخيلت.. أليس كذلك؟

صمتت. تغير فجأة لون وجهها حتى اختفت ملامحه بالكامل فصرت كما لو أنني أمام امرأة أخرى. فاضت عيناها باحمرار غريب أشبه ما يكون بالدم، ولاح طرف لسانها من بين شفتيها فبدت مثل أفعى، ثم نفخت هواء لافحا ونزعت الكاميرا من بين يدي. ذهلت وأنا أراها تدفعني بقوة وتعدو باتجاه سيارة كبيرة على بعد بضعة أمتار منا. امتطتها بخفة ومضت دون أن تخبرني أو أعلم إلى أين اتجهت. هل تآمرت علي وخدعتني؟ أحسست بحرارة عالية تدب في جسدي. بدأت بطيئة من أخمص قدمي، لكنها انتشرت فجأة مثل نار حامية في كل أطرافي، حتى خيل إلي أن جلدي سيحترق فأغيره مثل ثعبان بري متوحش وأزحف لأخوض أنا أيضا حربا لا أعرف مداها.

استولى علي الفزع وقعدت أفكر قرب باب الحديقة دون أن أتحرك.* المغرب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية