لا يمر يوم على العراق باقل من 10 قتلى وعشرات الجرحى والمعوقين، لا يمر باقل من رتل من السيارات المفخخة، وباقل من 50 عملية تهجير متقابلة، لا يمر باقل من 50 مليون دولار من المسروقات المنقولة وغير المنقولة، لا يمر يوم باقل من عشرات الولادات المشوهة والمعوقة والمسرطنة، لا يمر يوم من دون اعدامات ومن دون اعتقالات ومن دون انتزاع لاعترافات ملفقة، لا يمر يوم من دون ان تعطي الطغمة الحاكمة درسا جديدا يقول لكل عراقي بانه اولا واخيرا، إما شيعي او سني او كردي، وعليه فهي تقول له، لماذا البكاء على العراق مادام السني سيبقى موجودا وكذا الشيعي والكردي! معدلات التفجير والتفخيخ والقتل بكواتم الصوت والاعدامات وتسعير حمية الثارات، والخطف والاعتقال والتعذيب، والتجويع والفساد والتمييز والتمزيق، ارتفعت الى عنان سماء العراق، حتى صار الدخان الاسود يلبد غيومه الحبلى بمطر لا يقطر الا زيوتا ملوثة بكل انواع المبيدات، وغدا المستقبل مرهونا بدرجات التردي الجحيمي الراهن الذي اصبح عنوانا للمرحلة. بالامس عندما كانت فضائح القصف باليورانيوم المنضب والفسفور الابيض، واجتثاث العقيدة الوطنية من اطلال الدولة العراقية التي اقام عليها المحتلون كيانا مسخا، وبتذكرة لا تصل براكبها الا الى طريق التقسيم المتتالي الابعاد، كنا نقول انه المحتل وهذه افاعيله المبرهنة بسجن ابوغريب، ومذابح حديثة وساحة النسور وغيرها، واليوم ماذا سنقول عندما تجري الامور على نحو متمم لما شرعنه ذلك المحتل وباكثر شراسة واستماتة وبنفس اطول يتقمص الاسم العراقي ليس لتكريسه وانما لتكسيره؟ لم يكن السيد ابراهيم الجعفري، وهو احد اقطاب التحالف الشيعي الحاكم في العراق، مخطئا عندما قال اثناء توقيع ممثلي الرئاسات الثلاث والكتل السياسية المؤثرة في العملية السياسية القائمة، على اتفاقية ‘وثيقة الشرف والسلم الاجتماعي’، ان جميع المشتركين في العملية السياسية مسؤولون عما يجري في العراق، وبأنهم جميعا يتحملون وزر تحول الفساد الى ثقافة سائدة، وايضا لم يكن تساؤل السيد اياد السامرائي، وهو الرئيس الحالي للحزب الاسلامي العراقي، في غير محله، عندما قال في كلمته امام المؤتمرين، الى متى نبقى نبادر ونوقع على الاتفاقات ومواثيق الشرف، من دون نتيجة تذكر؟ نعم ليس المالكي وحزبه لوحدهما المسؤولين عما جرى ويجري في العراق من جحيم نوعي وكمي، ومن انحدار فوضوي نحو هاوية الخراب والقتل الجماعي واللصوصية والتشظي، التي ارتسمت صورته في ذهن المحتلين مبكرا، حتى ان وجدوا الفرصة السانحة لترجمته على ارض الواقع، فليس المالكي لوحده من اندمج بالمشروع الشيطاني الذي توافقت عليه امريكا وايران واسرائيل، لاسقاط الدولة العراقية واستبدالها بنظام كارتوني قابل للقسمة على نفسه وبمتواليات متوالدة حاضنتها التهتك الافقي والعمودي للهوية الوطنية ولحساب هويات بدائية، العشائرية والطائفية والاثنية والمناطقية، كل التكتلات والشخصيات والاحزاب المندمجة بالمشروع اياه مسؤولة عما جرى ويجري، كتلة اياد علاوي مسؤولة ايضا، وكذا الحال بالنسبة لكتلة بارزاني وطالباني، وكتلة الحكيم، وكتلة الحزب الاسلامي، حتى الحزب الشيوعي العراقي هو الاخر يتحمل تلك المسؤولية لانه هرول للمشروع الاحتلالي كمظلة يحتمي بها من الانقراض، بل حتى الذين اندمجوا بالمشروع متأخرا يتحملون قسطا وافرا من المسؤولية، اي حتى التيار الصدري وجماعة المطلك والنجيفي وكل من ركب قطار العملية السياسية لاحقا، قطار السكة الواحدة والتذكرة الواحدة التي لا تقطع الا ويقطع معها حلم العودة الى حضن الوطنية العراقية الجامعة. لكن من يتحمل المسؤولية الاولى من بين كل هؤلاء هو من يتربع على المقعد الاول في السلطة المتنفذة، المالكي وحزبه وتحالفه الطائفي يتحملون المسؤولية الاولى الى جانب كتلة بارزاني وطالباني، خاصة ان هناك فسحة ممكنة لتحجيم متواليات الجحيم الدائر، من خلال الحد من نزعة عسكرة المجتمع والانفكاك المتدرج من اسر النفوذين، الايراني والامريكي، والكف عن التهييج الطائفي والاثني، وتفعيل دور السلطات المفترض استقلالها بحسب الدستور ساري المفعول، كالسلطة القضائية ومؤسسات النزاهة والاعلام ومفوضية الانتخابات والبنك المركزي . القول بان ما يجري في سورية هو الباعث على الانحدار الشامل للاوضاع في العراق هو مغالطة سياسية غرضها براءة ذمة قائلها، لان الوضع العراقي منحدر اصلا ومن قبل احداث سورية، صحيح ان ما يجري في سورية يزيد من مخاوف ايران واتباعها في العراق، وبالتالي يجعلهم يحتاطون ويتدخلون ويستبقون الاحداث باحداث مضادة وبنفس طائفي يزيد الطين بلة، لما يرافقه من ردود فعل مضادة، لكن الانحدار اعمق، فالكل يعرف ان لكل دورة انتخابية في العراق دورة دموية اضافية تصب في ساقية المتنافسين وتتعاكس مع اتجاهات بعضهم بعضا، وتلك الدوامة على الابواب، فلا يفصلنا عن الانتخابات التي يريدها المالكي نصرا ساحقا له، ويريدها منافسوه مناسبة مؤاتية لازاحته، الا اشهر معدودة، وهم منشغلون بالتناحر على تفاصيلها التي يريدونها منسجمة مع مقاساتهم، قانون الانتخابات مسير لمصلحة الكتل المتنفذة، وهو مايزال يخضع للتداول، اما قانون الاحزاب فقد اجل لما بعد الانتخابات، وكل كتلة تريد مكاسب لها من اي توافق اضطراري، الفشل في عملية المصالحات السياسية مع القوى الرافضة للعملية السياسية مطبق قبل الازمة السورية وبعدها، وقد حلت محلها المصالحات بين القوى الداخلة في العملية السياسية، وحتى هذه الاخيرة غير حقيقية كما في حالة مبادرة نائب رئيس الجمهورية خضير الخزاعي، ميثاق الشرف، ومثلها تفاهمات بارزاني والمالكي، التي لم تكن سوى تأجيل متبادل للمواجهات المحتمة ! اعلن بارزاني مؤخرا ان الوضع العراقي معقد جدا ومشاكله لا تنتهي والحرب الاهلية مازالت احتمالا قائما، وهو من جانبه يجد ان مصلحة الاكراد تكمن بالمكاسب التي سيحققونها من الصراعات القائمة ولا مصلحة لهم بالانخراط بها، الا اذا كانت اطراف تلك الصراعات تريد النيل من مكاسبهم المحققة ! المالكي يتوعد بتصعيد عمليات، ثأر الشهداء، ولا يريد الاعتراف بالفشل، وهو يجاهر برفع وتيرة تنفيذ احكام الاعدام الصادرة اعتباطا ومن جهاز قضائي غير مؤهل، بحق المتهمين بالارهاب وتوابعه، وهذا التقييم بحسب منظمات حقوق الانسان الدولية ومنظمة العفو الدولية، حمامات الدم تتواصل باسم القانون تارة وباسم الطائفة تارة اخرى، مثلما تتواصل باقنعة الاجرام المنظم بكواتم الصوت والمفخخات والاحزمة الناسفة من جهات ارهابية فعلا او مخابراتية او ميليشياوية مدفوعة الثمن. يقول عزت الشابندر وهو احد المقربين من المالكي، ‘ان سبب تزايد التفجيرات في بغداد يعود لتحول مناطق حزام بغداد الى عدو للدولة، وذلك لانها تزج بالمئات من ابنائها في السجون’، وفي حديث اخر له يقول ان ‘اعتقال امام جامع ابي حنيفة الشيخ عبد الستار عبد الجبار واحد مساعديه لمجرد كسر شوكتهما ومن ثم تدخل النجيفي والمطلك لاطلاق سراحهما هو مؤشر اخر على هشاشة ورعونة وطائفية الحالة العامة في العراق وتحديدا في بغداد والمناطق المختلطة طائفيا’، وقد لمح الشابندر الى ان عمليات التهجير الطائفي التي تقوم بها جماعات مسلحة موالية لايران في مناطق البصرة والناصرية، كما حصل مع عشائر السعدون، هو مؤشر خطير على عجز الدولة لتكون راعية لجميع سكانها.