فاروق يوسف1غالبا ما لا تخلو معارض الفن الجديد الجماعية من غرفة أو أكثر تكون مخصصة لعرض أشياء صغيرة مستعارة من عالم الاستعمال اليومي. توضع تلك الأشياء على مناضد كما لو أنها لقى ثمينة، بطريقة تذكر بالمزادات وأسواق الانتيك. وليس سرا أن بعض الفنانين يستعير ( لقاه) تلك من أسواق الأشياء المستعملة. أحيانا تبدو اضافات الفنان واضحة على تلك الأشياء غير أن ذلك لا يمنع بعض الفنانين من أن يكونوا مجرد ناقلين لتلك الأشياء من مكان إلى آخر. من مكان كانت فيه مجرد أدوات لا تزال صالحة للاستعمال وإن عتقت أو أهملت وضعف الاهتمام بها بسبب ما تلاها من اختراعات جديدة، هي أفضل وأكثر كفاءة منها كما هو حال الالة الكاتبة والحاسبات اليدوية وسواها، إلى مكان جديد يضفي عليها هالة وحضورا هما ليسا منها. تلك الهالة وذلك الحضور هما من بداهات تكريس شيء ما باعتباره عملا فنيا. وإذا ما كان الفرنسي مارسيل دوشان قد بدأ هذا النوع من العروض باعتباره مزحة تنطوي على رغبة في النقد من خلال عمله ( النافورة) الذي هو عبارة عن مبولة رجالية في العقد الثاني من القرن العشرين فان ما صرنا نراه ( منذ حوالي عقد) في الكثير من المعارض يحضر متجهما وصارما كما لو أنه جزء من مقرر مدرسي ثقيل. وهو حكم يشمل الكثير من نصوص الفن المفاهيمي التي لا تقبل المزاح.2حين ارى تلك الأشياء وقد صفت على مناضد أنيقة أو وضعت في خزانات زجاجية أتذكر أن جزءاً من عالم العروض الفنية قد تحول الى ما يشبه الخردة منذ الالماني يوزف بويز. عالم عشوائي يرغب في ادانة ذلك العالم الذي كان يخدعنا تماسكه التصويري في الفن كما في الحياة بدرجات متفاوتة من القوة. كان بويز ( الذي توفي عام 1986) على يقين من أن هناك خطى كثيرة ستلقى على الدرب التي اختطها بعبقرية رعوية وستقوى على استعراض رؤاها العبثية بإيمان عميق بواقعيتها. نبوءته لم تتأخر. بعد اربع سنوات من وفاته صار الفن كله تجهيزا. لن نقوى على القول: لقد عمت الفوضى. غير مسموح بتداول جمل لم يعد لها تأثير في عالمنا المصاب بوباء الفوضى أصلا. أية لغة إذاً تلك التي تمكننا من استيعاب ما جرى وما يجري الان لنكون معه أو ضده؟ بالتأكيد غير مرغوب فيه أن ندافع عن فن قديم. لنقل عن الفن بصيغه القديمة. غير أن اختفاء الجمال صار يسبب أذى لكثير من أصحاب الذائقة الفنية الرفيعة. ولكن مهلا. علينا التساؤل أولا: هل يكنّ الفن الجديد احتراما لتلك المفردة القادمة من عالم الفن القديم، أقصد ( الذائقة)؟ لقد حلت مفردات جديدة محل المفردات القديمة مثلما حل فن جديد محل الفن القديم. ما نراه الآن من فن لا علاقة له بالقدرة على التذوق الجمالي. لقد صارت العين الخبيرة التي تحدث عنها الناقد الانكليزي هربرت ريد بإجلال جزءاً من الماضي. خبرة العين تبدو هامشية إلى درجة يمكن معها الاستغناء عنها. هناك اليوم تركيز على المقولات الذهنية وعلى ما يجاور تلك المقولات من حكايات، يتشكل نسيجها من الشخصي اليومي والبوح الموروث. حكايات هي نوع من الحيلة التي لا غنى عنها.3قبل سنوات اقام مركز جورج بومبيدو في باريس معرضا استعاديا كبيرا ليوزف بويز حمل عنوان( بويز في غياب بويز). عنوان المعرض بدا كما لو أنه من اختراع بويز نفسه لما يحمله من عناصر السخرية الجادة التي كان بويز يبلو بلاء حسنا في استعمالها في كل عرض من عروضه الفنية: احضر أرنبا ميتا ذات مرة ليلقي عليه محاضرة في النقد الفني. غطى وجهه بالشحم. في عرض آخر دخل مع ذئب في كيس وصارا يتصارعان. كان سلوك بويز المباشر واحدا من أهم الأسباب الداعمة لتحوله إلى ايقونة من وجهة نظر فناني ما بعد الحداثة. لكن هل يبقى بويز محافظا على ايقونيته تلك حين تحضر أعماله الفنية ( منحوتات ورسوم واشياء جاهزة) وحدها بعد موته؟ هذا هو السؤال الذي انطوى عليه بخبث عنوان معرضه الاستعادي في بومبيدو. لا يسعني سوى الاعتراف بأن ما يمكن أن يراه المرء في معرض من ذلك النوع انما يعبر عن حالة مختبرية. حالة تخص الفن في مغامرة تحولاته المصيرية أكثر مما تخص المشاهد الذي يتحول بفعل الصدمة إلى شاهد أبكم. كان بويز يؤمن بأن الحديث عن الفن يصنع فنا. وهو اعتقاد انتشر بين صفوف الفنانين الجدد بحيث صار ( جسد) العمل الفني يقف على هامش الانجاز. ألا يمكن اعتبار الكثير من أفلام الفيديو نوعا من الحوار من جهة واحدة مع مشاهد سلبي مجهول؟ وكما أرى فإن ما تحقق من تبدل مفاهيمي في تاريخ الفن يتجاوز حتى أعمال بويز التي أراد مركز بوبور أن يختبر قدرتها على الصمود أمام الزمن. لقد ولدت أجيال من الفنانين صارت تنظر إلى كل ما عرفناه من نحت ورسم على أنه نوع من العبودية التقنية التي لا تنتج إلا حرفيين. أما الابداع فإنه يقيم في مكان آخر. مكان يخلو من كل عاطفة.4يحزنني كثيرا أن أخرج من معرض فني من غير أي هياج عاطفي يجتاج جسدي. ذلك يعني أنه لن يكون في امكاني أن أقول لمن ألتقيه أنني قادم من مكان مختلف ومتخيل. صحيح أن الفكرة يمكن نقلها عن طريق الكلام وهو ما يطمح إليه الكثير من الفنانين الجدد غير أن العمل الفني باعتباره مصدر الهام عاطفي وذهني في آن معا لا يمكن الاستغناء عنه بمثل هذا اليسر. رؤية العمل الفني هي في حد ذاتها طقس لا يمكن أن يستعاد إلا عن طريق العودة إلى ذلك العمل ورؤيته من جديد. هناك اليوم جيل من الفنانين العرب يسعى إلى أن يلتحق بالراهن من تحولات الفن في العالم، وهو محق في ما يسعى إليه. ذلك لان واجبا أخلاقيا يجعلنا ننحاز إلى أية مبادرة من شأنها أن تتصدى لحالة التراجع التي يعيشها الفن العربي. غير أن وقوع الكثير من أفراد هذا الجيل في فخ الذهنية المحضة، سيكون من شأنه أن يضفي على أعمالهم غربة فقيرة وبائسة. فما نحتاجه فعلا في هذه المنطقة من الأرض أن يكون العالم جميلا. ما شبع منه الغرب وحوله إلى خردة هو بالنسبة لنا لا يزال في طور اكتماله. هي مفارقة تنتج كونا من الاسئلة التي لا تتعلق بالهوية بقدر ما تتعلق بالموقع الذي نقف عليه.