يقاضون المقاومة ولكنهم لا يقاضون المحتلين

حجم الخط
0

خليل قانصو تتوالى الاحداث في الساحة اللبنانية وتتسارع وتيرتها، تتعدد اتجاهاتها احيانا، وتدور حول نفسها احيانا اخرى. فيكاد المحللون ان يتفقوا على انها تـمهـد لامر وشيك الوقوع. ولكن نبوءاتهم مختلفة، كأنها ابتدعت ليختار من بينها كل طرف من الاطراف المتصارعة، ما يلائم اهواءه ويلبي رغباته ويتركه في نعيم اوهامه. لقد عطـلت الحرب الاهلية التي اندلعت في سنة 1975، لغة العقل في لبنان. وتضاءل المشترك الوطني الى ادنى درجاته.

خذ مثلا على ذلك موضوع المحكمة الدولية التي شكلت للنظر في قضية اغتيال السيد رفيق الحريري، اذ ان وجود ادلة دامغة على دخول عناصر من المخابرات الاسرائيلية الى لبنان وسقوط ناشطين لبنانيين وفلسطينيين، قتلى على ايديهم، ليسا في نظر البعض برهانين على ضرورة البحث في فرضية ان تكون عناصر من هذه المخابرات وراء التفجير الذي اودى بحياة السيد الحريري. ولا يغيــّر هذا البعض في قناعاته قيد انملة، ولا يجعله يتزحزح عن مواقفه كون شاهد الزور المدعو زهير الصديق، استطاع المكوث وقتا من الزمن في فرنسا، قبل ان يجد ملجـأ في دولة الامارات، وكون عميد سابق في الجيش اللبناني يـُشتبه بأنه عميل للاسرائيليين، فرّ ايضا الى فرنسا في ظروف مثيرة للريبة، بحسب الروايات، لاسيما انه كان كما يبدو على مسرح الجريمة، قبل يوم من وقوعها، وبالاضافة الى هذا كله، يتناسى الجميع عن قصد او عن غير قصد، انه لا يعقل، ان يشكل مجلس الامن الدولي، محكمة يكون من ضمن صلاحياتها استجواب الاسرائيليين والتحقيق معهم. اي بكلام اوضح، هب ان الاسرائيليين دبّروا، بشكل من الاشكال، اغتيال السيد الحريري، وان الادلة على فعلتهم قاطعة ولا تقبل الجدل. رغم ذلك، فان المحكمة الدولية تظل مقيدة ضمن المجال السوري ـ اللبناني، ويبقى الاسرائيليون خارج دائرة الاتهام. بمعنى ان بامكانهم ان يقتلوا، وعلى المحكمة الدولية ان تجد ‘المتهمين’ و’المجرمين’ في سورية او في لبنان. وعندما تعلم ان الحكومة اللبنانية تتحمل جزءا كبيرا من الميزانية اللازمة لعمل هذه المحكمة، وان المملكة السعودية تقدم جزءا كبيرا اخر منها، فانك ترثي العقل العربي، الذي قتله الكيد او اعمته السذاجة، حتى انك تدهش الى حد الذهول، عندما يتناهى الى سمعك ان جلالة الملك يبذل قصارى جهده، من اجل ارجاء القرار الظني او تعديله على الاقل، الذي تعتزم اصداره المحكمة الدولية. وبانتظار ان يتكلل سعي جلالته بالنجاح، يصوم رئيس وزراء لبنان عن الكلام، او يكتفي بنطق القليل والمعسول منه على موائد الافطار التي يقيمها يوميا في قصره، من نعم الله عليه، لمئات المدعويين، ويسقط القتلى في ازقة بيروت ويقطع الاسرائيليون اشجار ‘العديسة’، وتتفاقم ازمة الكهرباء، وتصب المياه كلها في حدائق الاغنياء ومسابحهم، تصب مياه الضفة الغربية ايضا في حدائق ومسابح المستوطنيين الاسرائيليين، فأين الفرق؟

ومهما يكن، فالرأي عندي ان ذلك نتيجة من نتائج، التفاعلات التي اعقبت هزيمة انظمة الحكم العربية في الخامس من حزيران/يونيو 1967، اذ من المعلوم ان هذه الانظمة رفضت ان تتحمل مسؤولية الكارثة التي جلبتها على المصريين والسوريين والاردنيين والفلسطينيين واللبنانيين والعراقيين. واستخدمت جميع الوسائل والطرق وسخـّرت كافة الطاقات، من اجل ان تبقى ممسكة بالسلطة. ولازالت هذه التفاعلات مستمرة، حتى هذا الزمان، حيث لم يعد تمييز العدو من الصديق سهلا، وليس تمييز الذين ‘طبعوا’ فاقاموا علاقات طبيعية مع العدو من عملائه واعوانه مسألة بسيطة ايضا.

لا غلو في القول ان المجتمع في لبنان، متعدد الولاءات، او انه ‘متعدد الاقطاب’ اذا جاز التعبير. لقد بدأت هذه الحقيقة بالظهور شيئا فشيئا، بعد حرب حزيران/يونيو 1967، والتقاء تيارات الحركة الوطنية اللبنانية بحركة التحرير الفلسطينية، التي خرج مقاتلوها من مخيمات اللاجئين حاملين لواء الثورة العربية. انطلاقا من ان عودة اللاجئين الى ديارهم التي طردوا منها سنة 1948، مرهونة بهزيمة المشروع الاستعماري، ليس في فلسطين وحدها وانما في البلاد العربية ايضا، على يد القوى التقدمية، على قاعدة مشروع بديل يحقق الحرية والمساواة في اطار دولة فلسطينية ديمقراطية موحدة، الى جانب الدول العربية بعد ان تتخلص شعوبها من الرجعية والاستبداد. فتكون هذه الدولة الفلسطينية موطنا لجميع الذين يريدون العيش على ارضها، من دون تفرقة على اساس العرق والمعتقد الديني. ذاك كان المنطلق في نهاية سنوات الستين من القرن الماضي. ولكن الثورة لم تتفجر. فما جرى في لبنان هو ان الثوار تغيروا وتحولوا. وصارت منظمة التحرير الفلسطينية هي ‘الممثل الوحيد والشرعي للشعب الفلسطيني’، اي ان الفلسطينيين صاروا فئة في لبنان الى جانب الفئات الاخرى. اما النتيجة فمعروفة.. عجـز المقاتلين من الفصائل الفلسطينية عن التصدي للقوات الاسرائيلية التي غزت لبنان في حزيرن/يونيو 1982، فابحروا الى تونس على متن مراكب، تحت حماية البوارج الفرنسية، ولكن احدا لم يدافع عن اللاجئين الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا، فنفـذ الاسرائيليون كعادتهم، مجزرة جديدة كانت واحدة من اكثرمجازرهم شناعة.

ولا نجانب الصواب ايضا، اذا قلنا ان الاسرائيليين تمكنوا، منذ ان شغلت فصائل المقاومة الفلسطينية حيزا ملحوظا على الساحة اللبنانية، من زرع الكثير من العملاء المحليين الذين سهلوا مهمات جنودهم في الوصول الى اماكن وجود بعض القادة الفلسطينيين وتصفيتهم. وبتعبير اخر، فرض الاسرائيليون مبكرا على فصائل المقاومة الفلسطينية في لبنان معركة في لبنان نفسه او بالاحرى، نقلوا المواجهة بينهم وبين المقاومين الفلسطينيين الى الميدان اللبناني. وبالطبع ساعدتهم في ذلك خصوصيات المجتمع اللبناني. هذا لا يعني، ان سوسة الفساد التي بدأت تنخر في هيكلية منظمة التحرير الفلسطينية لم تسقط قدسية المبادئ، وتضعف قناعات الكثيرين من الفلسطينيين، فوقعوا في حبائل المخابرات الاسرائيلية، مباشرة، او بواسطة مخابرات دول اقليمية وغربية تتعاون معها.

وما أود، التأكيد عليه، هو ان المجتمع اللبناني مجتمع منقسم.. بمعنى ان المجتمع الوطني في هذا البلد لم يتشكل او لم يتكامل، او قل ان المحاولة اجهضت. لا شك ان هزيمة حزيران/يونيو 1967، عجـّلت هذا الاجهاض الى جانب عوامل اخرى بالتأكيد، وتأسيسا عليه يتوجب اخذ هذا المعطى بعين الاعتبار دائما، فهو مفتاح ضروري لفهم الغايات الحقيقية، من وراء المناورات التي ينساق اليها هذا الطرف حينا، وذاك الطرف حينا اخر، والتي يمكن تلخيصها بحرص كل طرف على تماسكه الفئوي وتعزيز مواقعه على حساب الاطراف الاخرى، بمختلف الوسائط والسـبل. ينجم عنه، ان الخطر الذي كان في الماضي يتهدد كل تيار سياسي او حركة حزبية، يمكن ان تنهض على الساحة اللبنانية، هو وقوعها في احضان فئة طائفية او مذهبية. هكذا كانت العقائد تفقد شيئا فشيئا سمة الشمولية الوطنية او القومية، وتتحول مع الوقت الى قالب تملؤه النزعة العصبية العربية المتمذهبة بالمذهب القبلي، رغم اختلاف العباءات التي تتستر بها، ولكن الشروخ العميقة التي خلفتها الحروب التي شارك فيها الى جانب اللبنانيين والفلسطينيين، الاسرائيليون الاعداء والعرب الاشقاء، اسكتت المفكرين ومنعت تأثيرهم، فصارت كل طائفة حزبان واذا استثنينا قلة قلية من اللبنانيين، خرجت على نظام الطوائف لتحاول بشجاعة المحافظة على الجسور بين مكونات المجتمع، جاز لنا، التوكيد والقطع بأن النهج الطائفي بات النهج الوحيد، الذي يمكن سلوكه بأمان في لبنان. علما انه يترتب على ذلك نتائج، لا يتسع المجال هنا للغوص في تفاصيلها.

ولا جدال في هذا السياق في ان المقاومة الاسلامية في جنوب لبنان، نبتت في تربة الطائفة الشيعية، وان هذه الطائفة هي الحاضنة لها. ولكن نسارع الى القول، بان هذه المقاومة، هي الوسيلة الوحيدة، التي استطاعت بواسطتها هذه الطائفة، انقاذ نفسها من تلاعب الاعداء والاشقاء، اذ كادت ان تـضـيع وجدانها في الجنوب، تحت تأثير غواية المستعمرين الاسرائيليين من جهة، وان تفقد هويتها العربية، عندما انقادت الى الدخول في ‘حرب المخيمات’ ضد اللاجئين الفلسطينيين من جهة ثانية. ومن غير المستبعد، ان يكون العقلاء الايرانيون قد لعبوا دورا كبيرا، في خلاص هذه الطائفة اللبنانية وفي اخراجها من الضلال الى النور. ومن البديهي ان الاسرائيليين لم يكونوا راضين عن هذا التحول، لاسيما ان هؤلاء المقاومين الشيعة ابلوا بلاء حسنا في القتال ضد المواقع التي كان يحتلها جيشهم في جنوب لبنان، حتى اجبروه على الانسحاب منها سنة 2000، من دون قيد او شرط. وكرروا ذلك في تموز/يوليو 2006، بصورة حاسمة، حيث كذبوا توقعات، عرب الاعتدال، ومن ضمنهم الحكومة اللبنانية. واغلب الظن انهم اظهروا انذاك، ان تنفيذ ‘المشروع الامريكي الصهيوني’ بقصد اعادة رسم خريطة الشرق الاوسط، تعترضها عقبات يصعب تجاوزها، لم تكن بحسبان صناع القرار الامريكي الاسرائيلي.

لست هنا، بصدد الاسباب التي ادت او ساهمت في نشوء المقاومة الاسلامية في جنوب لبنان. وانما انا في مجال تقديم قراءة من زاوية معينة، لما يجري على الساحة اللبنانية في الراهن، الذي يمثل من وجهة نظري، نوعا من الحرب لتصفية المقاومة الاسلامية، وما المحكمة الدولية الا سلاح من الاسلحة التي تـستخدم لبلوغ هذه الغاية، اذ لا يخفى على المراقب ان المقاومة تبدو غارقة في مواجهات عديدة، باستثناء الجبهة الجنوبية، حيث تفصل قوات اليونيفيل المجهزة بعتاد عسكري ثقيل، بينها وبين جيش المستعمرين الاسرائيليين. وبكلام اوضح انتقل الصراع ضد المقاومة، الى الداخل اللبناني. فالى جانب المحكمة الدولية، هناك معارك الازقة في بيروت وهناك الاحتجاجات ضد انقطاع الكهرباء والماء، وهذان المرفقان هما تحت اشراف وزراء حزب الله.

لا بد من الاعتراف بانه توجد معارضة، طائفية مسيحية ضد المقاومة، وهناك ايضا معارضة مذهبية سنية ضدها، اي ان الباعث على الاعتراض هو العصبية القبلية المتسترة بالطائفية والمذهبية. وهنا يلزم التذكير، منعا لالتباس المعنى، ان للمقاومة الاسلامية الشيعية انصارا ايضا، من المسيحيين من مختلف المذاهب، ومن المسلمين السنة بطبيعة الحال، وان المعارضين ليسوا بالتاكيد عملاء لحساب المخابرات الاسرائيلية. ان المقاومة الاسلامية في الجنوب، ليست خيارا، ولكنها ضرورة من اجل البقاء. اما الاشكالية فهي انه تصعب المقاومة في بلد من دون ان يتأثر جميع سكانه، خصوصا اذا كانوا يظنون ان العدو لا يستهدف الا فئة منهم.

ولعل اكبر دليل على انفراط عقد الجمع الوطني في لبنان، وعلى عبثية تلك الاشكالية، هو امتناع ناشطي حزب الله عن محاسبة عملاء اسرائيل الذين يقعون في قبضتهم، اذا كانوا من غير المسلمين الشيعة، وتسليمهم الى اجهزة الدولة.

وخلاصة القول في الختام، ان الوجود الجمعي، ينبني على الشراكة في مشروع وطني ثقافي وانمائي. ويتحول هذا المشروع الوطني الى مشروع مقاوم يتجند له الجميع، دفاعا عن الكيان والوجود، بوجه العدوان والغزو والاستعمار. ينجم عنه انه اذا غاب المشروع الوطني، يتفكك المجتمع ويرحل الذين يستطيعون الى ذلك سبيلا، افراد يبحثون عن وطن.’ كاتب لبناني[email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية