د. علي الص
كر(يوميات عام سيء) احدث روايات ج. م. كوتسي (كاتب من جنوب افريقيا، حاصل على الجنسية الاسترالية في 2006 وفائز بنوبل الأدب لعام 2003). نشرت الرواية عام 2007 و ترجمت إلى العربية ضمن سلسلة الجوائز الصادرة عن الهيئة المصرية العامة للكتاب 2009 من قبل المترجم د. احمد هلال يس. سبق للهيئة المصرية العامة للكتاب ان ترجمت للكاتب نفسه (العار 1999 والرجل البطيء 2005). كوتسي (المولود عام 1940) يقدم في هذه الرواية بنية سردية جديدة تعد مغامرة جريئة في السرد الروائي تستحق التأمل والوقوف عندها مليا ومراجعة بديهيات النقاد السابقة التي تقرن التجريب والمغامرات الشكلية بسن الشباب لدى المبدعين. لكن القالب السردي الجديد الذي يقدمه كوتسي في هذه الرواية ـ التي كتبها في السبعينيات من عمره ـ ليس مجرد مغامرة في الشكل أو رغبة في التمرد والخروج عن تقنيات السرد التقليدية بل هي بنية سردية محكمة من ثلاثة مستويات متباينة للكتابة تبدو ـ في الظاهر ـ مختلفة لكنها تسير باتساق متقن ويؤدي أحدها للآخر عبر مسارات سردية غير مرئية لكنها شديدة السطوع في الوقت ذاته. تطالعنا الصفحات الأولى وقد شطرت نصفين بخط أفقي. يحتوي الجزء العلوي على مقالات يكتبها السيد (ك) بطل الرواية- وهو روائي عجوز مشهور يعيش وحيدا في شقة في مبنى سكني كبير في مدينة سيدني – وهي مقالات في الفكر والسياسة والأدب واللغة يتناول فيها شتى مواضيع الساعة مثل: نشاة الدولة والأرهاب والديمقراطية وتنظيم القاعدة وانفلونزا الطيور وشخصية توني بلير…… يسرد الراوي في الجزء الثاني من الصفحة تفاصيل حكايته مع جارته الشابة الحسناء آنيا التي يراها أول مرة في حجرة الغسيل في العمارة فيجذبه جمالها الفائق ورشاقتها فيتعرف عليها ويعرض عليها العمل لديه كسكرتيرة تكتب له مقالاته و تنضدها على الكومبيوتر لآن بصره قد ضعف ويداه لم تعودا قادرتين على الكتابة. الشابة الحسناء آنيا (عاطلة عن العمل وتعيش مع صديقها آلن) توافق على العمل مع العجوز ومنذ ذلك واعتبارا من الصفحة 59 يظهر جزء ثالث في الصفحة ترويه آنيا نفسها عن تجربتها في العمل مع الروائي المشهور الثري الوحيد. تبدو آنيا في البداية فتاة ساذجة شبه أمية تؤمن تماما بتفوق صديقها آلن وثقافته وآرائه في العمل والحياة وتسخر في نفسها من مقالات العجوز التي لا تفقه منها شيئا ولا تدري لمن ولماذا يكتبها. لكنها تتطور تدريجيا وتبدأ بفهم أفكار العجوز ويتوسع إدراكها شيئا فشيئا. تعاطف آنيا مع العجوز واقترابها منه يصحبه ابتعاد تدريجي عن صديقها الذي يحذرها من أن العجوز يريد الاستحواذ عليها ومغازلتها. يسود التناغم والانسجام على الجزأين السرديين اللذين يرويهما العجوز والسكرتيرة الحسناء، هو يتحدث عنها ويصفها وهي تتعرف الى شخصيته المبدعة الحقيقية بالتدريج وتبدأ بفهم مقالاته وآرائه في الفكر والسياسة وتناقشها وتدافع عنها ضد سخرية صديقها الن. يبدأ الصراع الفكري عند آنيا. يحاول صديقها أن يقنعها بالتعاون معه للاستحواذ على ثروة العجوز الطائلة التي ستذهب للجمعيات الخيرية , تكتشف آنيا حقيقة صديقها الجشع الذي يتجسس على حياة العجوز الخاصة ورصيده المالي وتعجب كيف أنها آمنت به وعاشرته طوال سنوات، فتهجره وتغادر سدني للعيش مع أمها في مدينة أخرى. ينتهي الجزء السردي المخصص للعجوز عند رسالة الوداع التي ترسلها له آنيا في الصفحة 308. واعتبارا من الصفحة التالية يبقى وسط الصفحة فارغا تماما. تنتهي المقالات الفكرية في الصفحة 316 لتبقى الصفحات المتبقية خالية تماما الا من الجزء الثالث ـ أسفل الصفحة – الذي ترويه آنيا. تتصل آنيا بجارتها السابقة في المبنى السكني وتطلب منها أن تراقب العجوز عن كثب و تخبرها اذا ما تدهورت صحته ونقل إلى المستشفى: عندها (سوف أطير عائدة الى سدني وأبسط كفه المعروقة بين كفي واضغط عليها بحنو قائلة له: لا يسعني الذهاب معك فهو يتنافى و طبيعة الأمور. ولكني سأشبك ذراعي بذراعك وامضي بك حتى البوابة. ثم تتخلص من ذراعي برقة و أنت ترنو إلي بعينين باسمتين). تقنية كوتسي الجديدة تستحق أن يقف عندها المهتمون بدراسة السرد طويلا مثل ما يستحق الروائي نفسه المزيد من الدراسة والتعريف لدى القارئ العربي. كاتب عراقي مقيم في اليمن استاذ مساعد ادب انكليزي كلية الآداب جامعة تعزli _ [email protected]