ڤانسون جوڤ.. حينما تحرّك الشخصيات دواخلنا

سواء كانت الشخصيات الخيالية بالنسبة إلينا مضحكة أو مؤثرة، بطولية أو جبانة أو بغيضة، فإنها تستدر عاطفتنا في أغلب الأحيان، أكثر مما يفعله جيراننا. لكن لِمَ نتشبث بكائنات من ورق؟ وماذا نجنيه من هذه التجربة؟
كيف نفسر أننا قد نتعاطف مع كائنات غير موجودة؟ بل نتعاطف مع كائنات لا وجود لها، أكثر من تلك الموجودة أصلا؟ ومثلما لاحظ أمبرتو إيكو ذلك في ما مضى، فإننا قد نشفق على أعز صديق لدينا إن هجَرته حبيبته؛ لكن لم يسبق أبدا أن انتحر أحد لمَا علم بأن صديقا له تعرض للهجر. لكننا نعرف أن عددا معينا من قراء «آلام الفتى فيرتر» قتل نفسه عند علمه بأن بطله انتحر بسبب حبه الفاشل، بل إن علماء النفس أطلقوا على هذه الظاهرة اسم «أثر فيرتر». كيف يعقل أن نتأثر بما يقع لفيرتر، الشخصية الخيالية، أكثر منه بما يقع لأحد أصدقائنا الأحياء حقا؟
قبل فحص هذه المفارقة، فلنُذكر بداية بقانون نفسي مألوف: ما يتعلق بنا يكتسي درجة عليا من الأهمية مقارنة مع أي أمر آخر ـ يتم رد فعلنا في الحال عندما نسمع ذكر اسمنا في حديث ما. بيد أنني، بصفتي قارئا، أكون معنيا، ضرورة بما يقع في عالم النص، ما دمتُ لا أكتفي بالنظر إلى هذا العالم: أعِينه على الولادة، أجعله يحيا، مني يستمد مادته. تعد الشخصيات، باعتبارها عناصر أساسية في عالم الحكاية، تجسيدا تاما لهذه القاعدة. بالمعنى الدقيق للكلمة، ليس لها أدنى وجود. حينما يخبرنا نص عن إحداها بأنها حزينة أو مسرورة، وحتى يتخذ هذا الحزن أو ذلك السرور مقدارا من التماسك، يجب علينا، نحن القراء، أن نخلع الحزن أو السرور على ذلك الكائن من ورق، عبر التجربة. إن فهم سلوك شخصية ما يقتضي التظاهر بحالاتها الذهنية عبر الإسقاط القياسي، بعبارة أخرى، ينبغي أن نُعِيرها حياتنا الداخلية.

التقمص الجاف والتقمص النَّدي

هذا ما أبان عنه عالِما النفس دانييل كاهنمان وآموس تڤيرسكي، في اختبار معروف كثيرا. يُقتَرح على المشاركين السيناريو التالي: فردان اثنان، «أ» و«ب»، يقصدان المطار لركوب طائرة. يتأخران معا عن موعد الإقلاع، لكن «ب» تأخر بدقائق معدودة فحسب، بينما وصل «أ» إلى المطار بعد الإقلاع بمدة طويلة. وعن السؤال «من الذي شعر بأكبر قدر من الإحباط، «أ» أم «ب» ؟ رد 96 من المستجوَبين بكونه «ب». حسب كاهنمان وتڤيرسكي، إن الأشخاص الخاضعين للاختبار أجابوا كلهم بالاستناد إلى ما كان بمقدورهم الشعور به في الوضعية نفسها. وقد خلص الباحثان إلى أنه لا يسعنا منح معنى لسلوكات الآخرين ما لم نضع أنفسنا مكانهم، ذهنيا. إن قراءة حكاية تعني إبداء المعتقدات والرغبات التي تضخ الحياة في كائنات من خيال، استنادا إلى مؤشرات نصية.
هكذا فإن النص الأدبي، من حيث اشتغاله في حد ذاته، يُجبر القارئ على التقمص. إني أستعمل هنا مصطلح «تقمص» بمعناه المقيَّد أكثر: قدرتنا على الحلول مكان الغير، وعلى فهم مشاعره بدون تجريبها رغم ذلك. إلا أن بعض المؤلفين، شأن جاك هوشمان، يميّز بين «التقمص الجاف» و«التقمص النَّديّ». إذا كان «التقمص الجاف» يتميز بفهم يبقى على مبعدة، خلو من أي عاطفة، ففي التقمص النَّدي جرعة معينة من العدوى العاطفية، ويؤدي إلى تجربة مشاعر الغير جزئيا. وهذا التمييز مفيد جدا للتحليل الأدبي: أثناء القراءة، التقمص النَّديّ متغير وفق القرّاء (بعض المواقف قد تؤثر في هذا الفرد دون ذاك)؛ في حين أن التقمص الجاف (مادام ضروريا للفهم) يفرض نفسه على جميع القراء.
بالطبع أن علاقتنا بالكائنات الخيالية لا تقتصر على التقمص. في وسعنا كذلك أن نشعر بالتعاطف مع شخصية ما، بل والتماهي معها. في ما يخص هذا الإجراء الأخير، وجب التأكيد على أن هناك نوعين من التماهي، لا يمت أحدهما إلى ثانيهما بصلة تذكر: يمكن لي التماهي مع شخصية لأنها توافق ما أنا عليه أو بالعكس، لأنها تجسد ما أريد أن أكونه. إذا وافقني جوزيف كا، الشخصية الرئيسية في رواية كافكا «المحاكمة» لأنه يشبهني (يعيش حياة عادية، ليس لديه ملَكة أو موهبة خاصة، لا يفكر في أي مغامرة مُغرِبة)، فإني أستلذ الحلول في لاغاردير، البطل النزق في رواية المغامرات والفروسية لصاحبها پول فيڤال، تحديدا لأنه لا يشبهني، ولأن في إمكاني أن أعيش من خلاله حياة أشد إثارة، من المغامرات والبطولة والمبارزات بالسيف وركوب الخيل.

الأبعاد المكوّنة للشخصية النفسية

لكن تَعقُّد التماهي التخييلي لا يقف عند هذا الحد: بما أن الأنا متعدد، فإن ما أريد أن أكونه قد يتوزع بين ما يريد أن يكونه كل بعد من الأبعاد المكونة لشخصيتي، باختصار (إن نحن صدَّقنا التحليل النفسي) فإن أنَا كل منا الشقي تتناهبه دون كلل الضغوط المتناقضة للأنا الأعلى والهو (الأنا الأعلى أو المثل الأعلى للأنا) يحيل إلى اللوازم الأخلاقية، إلى المبادئ الأخلاقية عند الشخص. الـ»هو» «محل» النوازع، تحكمه الشهوة (اللبيدو): هدفه الأول هو الوصول إلى اللذة العاجلة. هكذا يمكننا استخراج أربع شخصيات نموذجية بمفهوم استثمار القارئ.
المندوبة هي من يمثلني في التخييل. القريبة جدا من أناي العادي، ليست هي الشخصية التي أريد أن أكونها، وإنما التي فيها أتعرَّف على نفسي. ينبني هذا التعرف على معايير ثقافية وشخصية (تتصرف الشخصية مثلما قد أتصرف في موقف مماثل) ولكن أيضا على معايير نصية؛ إنها الشخصية التي يقترب موقفها في العالم التخييلي من موقفي، أشد قربا؛ إنها ترى ما أرى وتعلم ما أعلم. سواء أحببت ذلك أم لا، عندما أقرأ «المحاكمة» فإن وجهة نظري حول القصة تمتزج حتما مع وجهة نظر جوزيف كا.
النموذج، إنها الشخصية التي أريد أن أكون عليها، لأنها تجسد القيم النبيلة التي أصبو إليها، لكن التي لا أفلح دوما في الوفاء بها، إما لضعفٍ ذاتيّ، أو بسبب معيقات العالم. إنها الشخصية التي لها عموما وضع البطل، في الأدب الشعبي أو في الرواية المثالية. إنها إيڤانوي، جون ڤالجون، شخصية من شخصيات جول ڤيرن أو أوجين سّو. إنها تصنع ما أحب القيام به، لو كنت في الوضعية نفسها التي هي فيها، لكن لا شيء يؤكد أن لي القوة أو الشجاعة على فعل ذلك.
الدفع بعذر، إنها الشخصية التي أستلذ التماهي معها لأنها تسمح لي خياليا (بل بدون وعي مني) بتحقيق مَثل أسمى نرجسي، مَثل القوة القاهرة. إنه الراهب الماجن عند ساد Sade الذي يغتصب الشقية جوستين، إنه كونت مونتي كريستو الذي يستغل ثروته الهائلة لمعاقبة أعدائه. رامبو أو جيمس بوند الذي يطلق الرصاص على كل ما يتحرك بذريعة سيادة النظام والعدالة. إنها شخصية التنفيس التي تصنع ما لا نستطيع أخلاقيا (وعمليا) صنعه في الواقع.
المألوفة، وأخيرا، إنها الشخصية التي أستلطفها في الخيال لأني أعرفها معرفة حميمة، وتبعا لذلك أشعر بأنني معني بما يقع لها. إن العلاقة بالمألوف لا تصدر عن التماهي وإنما عن الارتباط العاطفي. مادمت أعرف تقريبا كل شيء عنهم، ففي إمكاني اعتبار دون كيشوت، والأب غوريو أو الفارس دي غريوه مألوفين لدي.

الأدب يشرع لنا أبواب الغيرية

في كل حكاية ثمة تفاعل دائم بين هذه الأنواع الأربعة، التي يمكن التوليف بينها وقد لا يمكن ذلك. في مدام بوڤاري مثلا، تبدو شخصية شارل في بادئ الأمر بمثابة مندوب (في بداية الرواية، يمر دخولي للحكاية عبر وجهة نظره وأكتشف إيما من خلال نظرته) لكنه يصير بسرعة مألوفا (ولن يطول بي المقام للتعرف عليه عن كثب). في حين لن يصير شارل نموذجا، أبدا (إنه لا يجسد ما أريد أن أكون عليه) ولا دفعا بعذر (لا أستطيع أن أحيا عبره أدنى إشباع نرجسي).
تتعقد الأمور أكثر كلما كان التماهي متحركا، قابلا للعودة، ويمكن أن يتبدل بين سطر وسطر. لنتأمل حدث إعدام ميلادي في «الفرسان الثلاثة». مكان القارئ غير واضح (أو بالأحرى لا يكف عن التغير) بسبب وجهة النظر الإدراكية المتبدلة: حينما يجعلني النص أتقاسم خوف وهلع المحكوم عليها بالإعدام (التي تستعد لضرب عنقها في الغابة ذات ليلة قمرها في تمامه)، أجعلني في مكانها وتكون بمثابة مندوبة. لكن عندما تضعني الحكاية في منظور الجلاد، فإن هذا الأخير يقوم مقام عذر، ويمكن لي الشعور باللذة لحضور مشهد القسوة الخالصة هذا، وبما أن كل الشخصيات الذكورية تدعي التصرف باسم الأخلاق، أو المِلك العام (باعتبار ما سبق) ألا تخلص الناس من قاتلة بالجملة؟)، فمن المكن أن نعتبر تلك بمثابة نماذج الشخصيات (وتلك بكل تأكيد حال عدد كبير من معاصري ألكسندر دوما).
إن للأدب إذن الفضل الأكبر في الرد على كل أنواع رغباتنا، مع آثار تطهيرية مرجحة (إن له دور المتنفِّس). لكن قدراته لا تقف عند هذا الحد. من جهة، إنه يضعنا أمام مختلف وجوه هويتنا، بجعلنا نحقق مجموعة من الأنوات الممكنة التي كانت، وسوف تظل، لولا هذا الغوص في عالم النص، في حالها الافتراضي على الأغلب. من جهة ثانية، بإجبارنا على أن نعيد ذهنيا إنتاج أفكار ومشاعر كل شخصية، فإنه يشرع لنا أبواب الغيرية. ها هنا، بلا شك، أحد آثاره الأشد عمقا: إغناء فهمنا للآخرين عبر الوعي بإنسانيتنا المشتركة.
العنوان الأصلي:
Quand les personnages vibrent en nous.
المصدر:
Sciences Humaines, n°321,Janvier 2020

٭ ناقد أدبي ومترجم من المغرب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية