‭ ‬تلك‭ ‬الحياة‭… ‬العظيمة‭ ‬البلهاء

حجم الخط
0

مرة‭ ‬واحدة‭ ‬التقيت‭ ‬بأسامة‭ ‬الدناصوري‭. ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬دار‭ ‬ميريت‭ ‬حيث‭ ‬الجلسة‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬قبل‭ ‬مجيئه‭. ‬تصافحنا،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬أذكر‭ ‬إن‭ ‬كنا‭ ‬تكلّمنا‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬الوقت‭. ‬فقط‭ ‬تلك‭ ‬الابتسامة‭ ‬المصاحَبة‭ ‬بالابتسام‭ ‬القليل،‭ ‬وهزة‭ ‬الرأس‭ ‬الخفيفة‭ ‬التي‭ ‬تعني‭ ‬أن‭ ‬لدى‭ ‬كل‭ ‬منا‭ ‬شيئا‭ ‬يقوله‭ ‬للآخر،‭ ‬وأنه‭ ‬يعرفه‭ ‬من‭ ‬كلام‭ ‬الأصدقاء‭. ‬هنا‭ ‬في‭ ‬مكتب‭ ‬الجريدة‭ ‬في‭ ‬بيروت‭ ‬كان‭ ‬هاني‭ ‬درويش،‭ ‬الحبيب‭ ‬المشعّ‭ ‬موهبة‭ ‬والذي‭ ‬رحل‭ ‬هو‭ ‬الآخر،‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يحكي‭ ‬عنه،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬جاءنا‭ ‬مرة‭ ‬بقصائد‭ ‬منه‭ ‬لنقرأها‭. ‬لكن‭ ‬الوقت‭ ‬انقضى‭ ‬ولم‭ ‬نتكلّم،‭ ‬ربما‭ ‬هو‭ ‬هكذا‭ ‬صامت‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬الساهرون‭ ‬كثيرين‭. ‬لكنني‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬متذكرا‭ ‬وجهه‭. ‬هو‭ ‬الوجه‭ ‬ذاته‭ ‬الذي‭ ‬أراه‭ ‬الآن‭ ‬على‭ ‬غلاف‭ ‬كتاب‭ ‬حمدي‭ ‬أبوجليّل‭ ‬الذي‭ ‬أصدره‭ ‬هذه‭ ‬السنة‭. ‬هنا،‭ ‬في‭ ‬الصورة،‭ ‬يظهر‭ ‬أسامة‭ ‬بابتسامة‭ ‬أعرض،‭ ‬وبنظرة‭ ‬ساخرة‭ ‬ملاعبة‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬تقوى‭ ‬على‭ ‬طيّ‭ ‬ما‭ ‬تركه‭ ‬موته،‭ ‬ومرضه‭ ‬قبل‭ ‬ذلك،‭ ‬من‭ ‬أسى‭ ‬بين‭ ‬أصدقائه‭. ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬الموت‭ ‬كان‭ ‬مفاجئا‭ ‬هذه‭ ‬المرة،‭ ‬إذ‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬متوقّعا‭ ‬وماثلا‭ ‬على‭ ‬الدوام‭. ‬ونحن،‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬نقرأ‭ ‬تلك‭ ‬الفصول‭ ‬الصغيرة‭ ‬من‭ ‬الكتاب،‭ ‬نروح‭ ‬نفكّر‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لمن‭ ‬يعرف‭ ‬كم‭ ‬بقي‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬الحياة،‭ ‬حاسبا‭ ‬الوقت‭ ‬على‭ ‬الدوام،‭ ‬الوقت‭ ‬الباقي‭ ‬والوقت‭ ‬الذي‭ ‬نقص،‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يتمكن‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬ويكتب‭. ‬

كتاب‭ ‬حمدي‭ ‬أبو‭ ‬جليّل‭ ‬أتى‭ ‬بعد‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬رحيل‭ ‬أسامة‭. ‬كان‭ ‬عليه‭ ‬لذلك‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مختلفا‭ ‬عن‭ ‬الرثاء‭ ‬الذي‭ ‬يكتب‭ ‬على‭ ‬إثر‭ ‬الرحيل،‭ ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬قد‭ ‬صار‭ ‬واحدا‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬الكتابة‭ ‬الأدبية‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭. ‬إنه،‭ ‬الكتاب،‭ ‬سيرة‭ ‬مشتركة‭ ‬لصديقين‭ ‬انقطعت‭ ‬بوفاة‭ ‬أحدهما‭. ‬وقد‭ ‬قصد‭ ‬أبو‭ ‬جليّل‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬الكتاب‭ ‬على‭ ‬نصّه‭ ‬وحده‭ ‬إذ‭ ‬أمدّه‭ ‬بنصوص‭ ‬عديدة،‭ ‬مما‭ ‬كان‭ ‬كتبه‭ ‬الدناصوري‭ ‬في‭ ‬روايته‭ ‬‮«‬كلبي‭ ‬الهرم‭ ‬كلبي‭ ‬الحبيب‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬بقصائد‭ ‬كان‭ ‬كتبها‭ ‬صديقه‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬مختلفة‭. ‬

وقد‭ ‬جرى‭ ‬الكتاب‭ ‬على‭ ‬نسق‭ ‬سردي‭ ‬واحد،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تداخل‭ ‬نصوص‭ ‬الكاتبين،‭ ‬فمرة‭ ‬نحن‭ ‬إزاء‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬كتبه‭ ‬أسامة‭ ‬ومرّة‭ ‬نقرأ‭ ‬لحمدي‭. ‬وقد‭ ‬جهدتُ‭ ‬في‭ ‬الفصول‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬أعرف‭ ‬كيف‭ ‬أميّز‭ ‬بين‭ ‬النصّين،‭ ‬وبماذا‭. ‬ربما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬اختلاف‭ ‬اللغة،‭ ‬كأن‭ ‬أعتبر‭ ‬مثلا‭ ‬أن‭ ‬النصوص‭ ‬التي‭ ‬تعود‭ ‬للأول‭ (‬الدناصوري‭) ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬المكتوبة‭ ‬بالعامية‭ ‬المصرية،‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬نصوص‭ ‬الثاني‭ ‬كتبت‭ ‬بالفصحى‭. ‬وهذه‭ ‬الأخيرة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬بعيدة‭ ‬عن‭ ‬سابقتها‭ ‬إذ‭ ‬سيتأخر‭ ‬قارئ‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ينتبه‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬إزاء‭ ‬لغتين‭ ‬اثنتين‭. ‬إنهما‭ ‬مندمجتان‭ ‬معا‭ ‬حيث‭ ‬لن‭ ‬يرتفع‭ ‬جدار‭ ‬بين‭ ‬كلمتين‭ ‬أو‭ ‬جملتين‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬لنا‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬حيث،‭ ‬بانتقالنا‭ ‬من‭ ‬الفصحى‭ ‬إلى‭ ‬عاميتنا،‭ ‬نكون‭ ‬ندخل‭ ‬في‭ ‬نظام‭ ‬لغوي‭ ‬وتعبيري‭ ‬آخر‭. ‬وسيكون‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نتهيّأ‭ ‬لذلك‭ ‬الانتقال،‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬إلى‭ ‬كلمة‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬جملة‭ ‬إلى‭ ‬جملة،‭ ‬فنضع‭ ‬مزدوجات‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬وتلك،‭ ‬أو‭ ‬فواصل‭. ‬وعلى‭ ‬أيّ‭ ‬حال‭ ‬فالتنقل‭ ‬بين‭ ‬اللغتين‭ ‬ميزة‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬أبو‭ ‬جليّل‭ ‬الذي‭ ‬سعى‭ ‬منها،‭ ‬في‭ ‬كتبه‭ ‬الأخرى،‭ ‬وبينها‭ ‬‮«‬الفاعل‮»‬‭ ‬و«لصوص‭ ‬متقاعدون‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬على‭ ‬أشد‭ ‬القرب‭ ‬من‭ ‬شخصياته‭ ‬وأبطاله‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬قصيدة‭ ‬‮«‬بصراحة‮»‬‭ ‬انتقل‭ ‬أسامة‭ ‬‮«‬من‭ ‬موقع‭ ‬الشاعر‭ ‬النبي،‭ ‬ضمير‭ ‬الأمة،‭ ‬إلى‭ ‬الشاعر‭ ‬الإنسان‭ ‬الفرد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬قوة‮»

هي‭ ‬سيرة‭ ‬للدناصوري‭ ‬اولا،‭ ‬تبدأ‭ ‬بتعريفنا‭ ‬بمكان‭ ‬ولادته‭ ‬في‭ ‬‮«‬محلة‭ ‬مالك‮»‬،‭ ‬ودراسته‭ ‬في‭ ‬‮«‬دسوق‮»‬‭ ‬وغرامياته‭ ‬الأولى‭ ‬هناك،‭ ‬ثم‭ ‬تعرج،‭ ‬مرّتين‭ ‬في‭ ‬الكتاب،‭ ‬على‭ ‬علاقته‭ ‬باسم‭ ‬عائلته‭ ‬الغريب‭ ‬مخصصا‭ ‬فصلا‭ ‬صغيرا‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬كتب‭ ‬حمل‭ ‬عنوان‭ ‬‮«‬إسمي‮»‬‭. ‬ثم‭ ‬سفَر‭ ‬أسامة‭ ‬إلى‭ ‬السعودية‭ ‬للعمل،‭ ‬وعودته‭ ‬منها‭. ‬ولم‭ ‬يغب‭ ‬أبدا‭ ‬مرضه‭ ‬المنذر‭ ‬بالموت‭ ‬والمتدخل‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬وكتابته‭ ‬معا،‭ ‬والمُلقي‭ ‬ظلا‭ ‬ثقيلا‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬لحظات‭ ‬السعادة‭ ‬والضحك‭. ‬ثم‭ ‬نقرأ‭ ‬ما‭ ‬يتركه‭ ‬المرض‭ ‬نفسه،‭ ‬وليس‭ ‬ظلّه‭ ‬فقط،‭ ‬من‭ ‬تقطّع‭ ‬لمسار‭ ‬الحياة،‭ ‬ومن‭ ‬تعطيل‭ ‬لرغباتها‭ ‬الأصلية،‭ ‬وليس‭ ‬تلك‭ ‬الرغبات‭ ‬العابرة‭. ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬مثلا‭ ‬دنوّ‭ ‬الموت‭ ‬عند‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الهاوية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬نهاية‭ ‬العمر‭ ‬الافتراضي‭ ‬للمصاب‭ ‬بفشل‭ ‬الكليتين‭ ‬عن‭ ‬العمل،‭ ‬ومنه‭ ‬أيضا‭ ‬إفصاح‭ ‬أسامة‭ ‬لصديقه‭ ‬أنه‭ ‬توقف‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬رغبته‭ ‬الجنسية،‭ ‬إلخ‭.‬

والكتاب‭ ‬أيضا‭ ‬سيرة‭ ‬كتابية‭ ‬لأسامة،‭ ‬بدءا‭ ‬من‭ ‬قصائده‭ ‬الأولى‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬روايته‭ ‬‮«‬كلبي‭ ‬الهرم‭ ‬كلبي‭ ‬الحبيب‮»‬‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬قصيدة‭ ‬‮«‬بصراحة‮»‬‭ ‬انتقل‭ ‬أسامة‭ ‬‮«‬من‭ ‬موقع‭ ‬الشاعر‭ ‬النبي،‭ ‬ضمير‭ ‬الأمة،‭ ‬إلى‭ ‬الشاعر‭ ‬الإنسان‭ ‬الفرد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬له‭ ‬ولا‭ ‬قوة‮»‬‭. ‬وكان‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬أشد‭ ‬ما‭ ‬آذى‭ ‬الشعر‭ ‬وعوّقه‭ ‬وغيّبه‭ ‬عن‭ ‬هموم‭ ‬الناس‭ ‬هو‭ ‬أوهام‭ ‬الحداثة‭ ‬وقضيتها‭ ‬الواهمة‮»‬،‭ ‬وكان‭ ‬يرى‭ ‬أيضا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الحداثة‭ ‬نتوء،‭ ‬خمسين‭ ‬عاما‭ ‬من‭ ‬الوهم‭ ‬يمكن‭ ‬كشطها‭ ‬بسهولة‭ ‬ليتصل‭ ‬ما‭ ‬كتبه‭ ‬نجيب‭ ‬محفوظ‭ ‬‮«‬بما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يُكتب‭ ‬الآن‭ ‬إلخ‭.‬

ربما‭ ‬رأى‭ ‬أسامة‭ ‬أنه‭ ‬تخطّى‭ ‬مرحلة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الخمسين‭ ‬عاما‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬كشطها‭ ‬وإزالتها‭ ‬من‭ ‬تاريخنا‭ ‬السياسي‭ ‬والأدبي‭. ‬أي‭ ‬أنه‭ ‬أول‭ ‬الناجين‭ ‬من‭ ‬العبث‭ ‬الحداثي،‭ ‬أو‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الناجين‭ ‬الأوائل‭. ‬كان‭ ‬قد‭ ‬‮«‬وصل‭ ‬إلى‭ ‬لغته‮»‬‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬كتب‭ ‬حمدي‭ ‬أبو‭ ‬جليّل،‭ ‬لكنه‭ ‬‮«‬ما‭ ‬أن‭ ‬وصل‭ ‬حتى‭ ‬مات‮»‬‭. ‬لم‭ ‬يمهله‭ ‬الوقت‭ ‬ليواصل‭ ‬سعيه‭ ‬وليرى،‭ ‬منكسرا،‭ ‬كيف‭ ‬أن‭ ‬ذاك‭ ‬الأمل‭ ‬بالوصول،‭ ‬أو‭ ‬الشعور‭ ‬بتحقّقه،‭ ‬قد‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬وأننا،‭ ‬في‭ ‬الأدب،‭ ‬لم‭ ‬نشعد‭ ‬نهاية‭ ‬مرحلة‭ ‬وابتداء‭ ‬أخرى‭.‬

٭‭ ‬كتاب‭ ‬حمدي‭ ‬أبو‭ ‬جليّل‭ ‬‮«‬الأيام‭ ‬العظيمة‭ ‬البلهاء‭ (‬طرف‭ ‬من‭ ‬خبر‭ ‬الدناصوري‭) ‬صدر‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬ميريت‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬في‭ ‬123‭ ‬صفحة‭- ‬2018‭.‬

٭‭ ‬روائي‭ ‬لبناني

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية