‮«‬تمبكتو‮»‬‭ ‬للموريتاني‭ ‬عبدالرحمن‭ ‬سيساكو‭:‬ رؤية‭ ‬راهنة‭ ‬وواقعية‭ ‬مفرطة‭ ‬في‭ ‬سرياليتها: الصراع‭ ‬على‭ ‬الله‭ ‬والماء‭ ‬والانسان‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬التسييس‭ ‬الديني

حجم الخط
2

كان – القدس العربي : الخميس 15 ايار ، اليوم الاول لمسابقة الافلام الرئيسية:

المجتمع المخملي وثقافته المخملية متجسدة في الاوبرا والباليه ومسارح الاوباريت… اللوحات التي تناسب مفروشات المنزل.. السيكار.. وربطة العنق «البابيون».. الشمبانيا الفاخرة التي تسفح على أرصفة المهرجان ويخوته الفاخرة.. الافلام التلفزيونية والسينمائية المشوقة»!!!!» الأكشن وقصص الحب والخيال ..العنف والمطاردة … قصص الاغنياء والسلالات والكوميديا التي تغمز وتلمز جانب السياسيين لتضحك وتهرج… الخ

كل هذا يبدو لك حاضرا في مهرجان «كان» وانت تصعد السجادة الحمراء وتتلفت حواليك بينما ألعاب الافتتاح النارية تشع في السماء فوق رأسك…. لكن:

ما أن يدخل المخرج والممثلون الى الصالة وتنطفئ الاضواء.. سرعان ما تشعر ان الفن والسينما والثقافة لا تزال سلاحا ثوريا فكريا انسانيا رغم كل المظاهر البراقة الفاحشة التي تحيطك… هنا الموريتاني المخضرم عبد الرحمن سيساكو «في الصورة مع بطلي الفيلم» ورائعته : تمبكتووووووووووو …

مالي تحت سيطرة اسلامي القاعدة في عاصمة الثقافة الاسلامية الافريقية تمبكتو… رؤية راهنة وواقعية مفرطة في سرياليتهااااا…

«الغزو الجهادي»

لافتة القاعدة «لا اله إلا الله» أول مشهد يظهر بعد مطاردة غزال صغير وأصوات طلقات وحوار يطالب بإنهاك الفريسة لتسهيل اصطيادها…. الاسلاميون الجهاديون ينتشرون في تمبوكتو بعمارتها المميزة التي جعلتها عاصمة للثقافة الاسلامية مرة ومدينة من التراث العالمي أبداً، مكبرات تصدح بتحريم الموسيقى والتدخين وفرض اللباس الشرعي والقفازات الخ….. الليل يهبط على المدينة مع وصول كتائب الجهاديين إليها لتتغير عادات المدينة وأهلها المسلمين المسالمين… هاهي بائعة السمك في السوق الشعبي تتمرد على لبس القفازات لاعاقتها في بيع السمك فتُعنف تلام وتعاقب من قبل الجهاديين الى ان تترك بيع السمك، قوتها اليومي… هاهو مغني الراب الأسود الشاب يحاول أن يسجل فيديو توبة خلف علم القاعدة يعلن فيه توبته عن الموسيقى الحرام والجهاد لرفع راية «الاسلام»… طبعا يفشل لانه يتحرك اثناء التصوير كمغني راب، بل يردد آيات الكتاب الجهادية بشكل غنائي.. ليفشل الشريط الدعائي دون ان يفشل الاسلاميون في تجنيده بين عناصرهم التي غزت المدينة… الغزوة تمتد الى خيام الرحل الطوارق الذين ينصبون مضاربهم على ضفاف نهر النيجر للماء والمرعى، لنرى من خلال قصة صراع على الماء يؤدي الى الموت، شظف الحياة ووعرة مسالكها.. قصة طفلين يفقدان الاب احدهم خلال الحرب الى جانب الاسلاميين والاخرى الطفلة الرائعة «في الصورة» تحت رصاص الجهاديين، لتصير يتيمة الاب والأم «امها تقتل بنفس الرصاص مع الاب» تحاكي الشاشة صورتها بالغزالة اللاهثة اول الفيلم..

«السريالية المفرطة في واقعيتها»

بعد أن يحرم لعب الكرة من قبل الإسلاميين في واحد من أروع المشاهد السينمائية التي رأيتها في حياتي : فريقين من أطفال سود وطوارق «أهل الصحراء» فقراء يلعبون على تخوم الصحراء الكبرى الفقيرة.. يلعبون كرة القدم…  دون  كرة،. خوفا من الاسلاميين…  كرة وهمية يشوطونها يمررونها في بينهم تمريات لاعبين محترفين  ويحاورون فيها ويتلاعبون، ويتصدى لها حارس المرمى بكلتا يديه، وهي كرة وهمية تشبه تماما وهم من حرمها… السيكارة التي يدخنها الامير الجهادي في السر بعد تحريم التدخين، يكشفه سائقه المترجم الليبي، يخبره انه ليس من الداعي ان يخفيها ويكذب بأن يريه لاقطة اوراق وجدها في جيبيه، هذا الامير!!، اثناء اختبائه للتدخين ويصارحه بأن الجميع يعرف انه يدخن واكثرهم يدخنون… النفاق والوهم … صراع الدخيل والأصيل، الدين اليومي والدين المسيس، المبستر، المعلب في حقن مخدرة، ليس هو وحده من يظهر في الشريط، طبعا وإلا كان الفيلم ساقطا فكريا…

«الاسلام الآخر ام الاسلام الحقيقي»

 شيخ جامع تمبكتو الرئيسي السمح المتدين الاصيل يقف في وجههم ويعنفهم منذ البداية، منذ أن دخلوا الجامع بأحذيتهم الثقيلة واسلحتهم… انه المعادل الفكري الموضوعي الذي حد الاسلاميين كثيرا من حضوره عبر محاكمهم الشرعية»!!!»  هذا الشيخ الحقيقي أنقذ المخرج من حقل الألغام الذي يخوض به، الارهاب والاسلاموفوبيا الغربية المرَضية والمعدية… وخصوصا أن فرنسا ومن ورائها الغرب وامريكا أنهت حربها ضد إسلاميي القاعدة منذ أشهر معدودة لتحرير شمال مالي من غزوة الجهاديين… السقوط في بربوغاندا سياسية لم تلوث هذا الفيلم كما لوثت عدة افلام هوليودية سخيفة خرجت بعد غزو العراق ترسم الحياة كشر وخير.. وكانت لصاقات لجرح اثلمه متهافت يدعى جورج بوش بمحاوره الخرافية الاستعمارية… سيساكو بروعته البصرية والفكرية نفذ بريشه «كما يقولون» من هذه التبريرية والتعميمية التسطيحية التي يعالج بها موضوع الاسلام والاسلاميين .. تحديدا في الفن السابع والهوليودي منه خاصة…

شريط فني صحراوي بامتياز دون سياحة صحراوية نراها هنا وهناك في أشرطة الربح السريع والاعلام الموجه.. يرسم لوحة ساحرة لونا وطبيعة واقعية بكل تناقضات الحداثة التي كسرت النمطية المنتشرة صورة وفكرة..

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية