لعل المقولة الشهيرة لتورجنيف «لقد أتينا جميعا من تحت معطف غوغول» تشي لنا بمقولة ترادفها وهي «أن السرد العراقي كله أتى من أنين رحى فطومة عبد الملك نوري» ومن يقرأ هذه القصة القصيرة فسيجد نفسه متعاطفا معها، مثلما يتعاطف مع صاحب «المعطف» وسبب التعاطف أنهما معا يجعلاننا ندرك أن لا عدالة إلا في السماء، لهذا رفعت فطومة ناظريها إلى السماء، بينما انتفضت روح صاحب المعطف صارخة «أنا أخوكم».
ومتابعة لقراءاتنا للقصص القصيرة التي لم تنل من النقد اهتماما وقت صدورها وتحتاج اليوم إلى إعادة تحليل بنيتها السردية، نظرا لغناها الفني، نقف عند «فطومة» التي هي قصة المغمورين، الذين سحقتهم الحياة تحت وطأة منظومة قيم مجتمعية تتسلط على رقابهم تاركة إياهم ضعفاء مستسلمين حالمين بلا أمل، وراضخين بلا مقاومة، وموالين من دون أي معارضة.
وقد تطور التعامل مع هذه الثيمة في سرديات ما بعد الحداثة، ليتخذ تمثيلات ثقافية متنوعة هي في مجموعها تمركز المهمشين، لتجعل منهم المحور الذي يدور حوله السرد، وهو ما مثلته تجريبية قصة «فطومة» ليكون القاص عبد الملك نوري سابقا الغربيين أنفسهم قبل ثلاثة أرباع قرن تقريبا، حين نشرت القصة في مجلة «الآداب» البيروتية عام 1948 وفيها يتوكد منحى جديد لم تكن القصة العربية القصيرة قد عرفته انذاك، ومن ذلك توظيف العالم النفسي الداخلي لينعكس على العالم الواقعي الخارجي، بما يتجاوز مجرد توظيف تيار الوعي الذي كان عبد الملك نوري رائدا فيه أيضا.
وتجريبية هذه القصة سيلمسها القارئ من أول مقطع فيها، فهي تبدأ هكذا «وتوقف أنين الرحى برهة» لنجد أن حرف العطف لا يسبقه معطوف عليه بما يعني أن هناك من قام بحذفه. وهو وحده العارف بطبيعة هذا المحذوف، فمن يا ترى الفاعل؟ أهو السارد العليم؟ أم الشخصية المسرودة؟
إذا افترضنا أن السارد العليم هو الذي حذف؛ فإن ذلك مستبعد والسبب أن هذا السارد عادة ما يكون حياديا ينقل وجهة نظر الشخصية بموضوعية، إلا في النادر القليل حين يتدخل عارضا وجهة نظره مقتحما السرد، وفي كل الأحوال فإن عمل أدوات الربط عنده سيكون مسخرا لأجل وصل الحدث السابق بآخر لاحق، أو الجمع بين وصف ووصف وهكذا، لكن أن يبدأ بلاحق ليس له سابق عليه، فذلك بتر مخل لا يتماشى مع غاية السارد العليم في التنسيق التتابعي، الذي به يُنتج حكاية ذات ملفوظات لغوية توطد النسيج السردي من جهة، وتحقق متانة المضمون وتماسكه من جهة أخرى.
وبناء على هذه الوظيفة البنائية التي يضطلع بها السارد العليم يكون القائم بالحذف في قصة «فطومة» هو سارد آخر، لكنه ليس الشخصية المسرودة فطومة لأنها لا تستطيع غلبة السارد العليم، أو التفوق عليه ما دامت هيمنته على سرد الأحداث تسير الشخصيات وفق إرادته مستعملا ضمير الغائب.
ولعل الحيرة في هذا الأمر ستتبدد إذا أدركنا التفاعل الدراماتيكي بين الموجودات الحية والجامدة من جهة، وأغوار فطومة الداخلية وأسرارها الخفية من جهة أخرى. فهذه الموجودات تتلون بحسب حالة الشخصية الشعورية، فالقمر أسود يرمق الدنيا بعين جامدة حين تكون فطومة واجمة تنتظر عودة الزوج منصور، بينما تتراقص أشعته خلل المنخل المعلق على الحائط حين تعلم أن منصورا قادم من غيبته عند شروق الشمس.
والرحى التي كانت تئن قبل عودة الزوج الغائب منصور توقف الآن أنينها «وتوقف أنين الرحى» مع انشراح نفس فطومة لتعود إلى «أحلام قلبها تنشرها في الظلام». وحين يبلغ بها الإحساس بالفراغ إلى الذروة يصبح الماء مشبعا لفراغها الذي يصوره القاص بديمومة زمانية في صيغة درامية تكشف لوعة شعورها الداخلي. وبهذا لا يكون واو العطف الذي استهلت به القصة زائدا، بل هو حافز بمفهوم توماشفسكي ليكون علامة دلالية تضفي تكثيفا مفيدا وتخفي معلومات تحتاج من القارئ تأملا كي يبلغ الدلالة.
هذا التوظيف الذي يعمق الإحساس الدرامي بالأشياء ويجعل أوصافها عاكسة للمشاعر، فالثوب ازرق راهل والرحى تئن والأرض سكرى والهواء راكد والسواقي مرتعشة والدوحة حانية فوق السقيفة.. يمارسه سارد هو أكثر من عليم يعمق تكثيف المحتوى بما يجعل التحبيك سردا من الدرجة الثانية، بحسب جيرار جينيت، وسنسمي هذا السارد السارد العلام، الذي بسبب معرفته المكثفة بالحدث السردي يتمكن من تصعيِّده تصعيدا محسوبا بدقة وبشكل عضوي يسع الماضي والحاضر والمستقبل فتتواتر الألوان وتتلاحق الأضواء وتتوالى الأصوات في تناغم عجيب ما بين الطبيعة والذات الأنثوية.
تتلون الموجودات بحسب حالة الشخصية الشعورية، فالقمر أسود يرمق الدنيا بعين جامدة حين تكون فطومة واجمة تنتظر عودة الزوج منصور، بينما تتراقص أشعته خلل المنخل المعلق على الحائط حين تعلم أن منصورا قادم من غيبته عند شروق الشمس.
ولكي نميز بين الساردين العليم والعلام؛ فإننا نقول إن الفارق ليس لغويا، وإنما هو فارق دلالي، فالاثنان صيغة مبالغة، بيد أن مفردة العليم تدل على الدوام والثبات، بينما تدل كلمة العلام على كثرة وقوع الحدث وتكراره، ولو عدنا إلى توظيف المفردتين في القرآن الكريم، لوجدنا أن التوظيف القرآني يورد عليم تارة صفة للخالق العارف بالغيب كقوله تعالى «وفوق كل ذي علم عليم» (سورة يوسف/76)، وتارة أخرى صفة بشرية للذات المطلعة والعارفة كقوله تعالى «اجعلني على خزائن الارض. إني حفيظ عليم» (سورة يوسف/55)، أما العلام فتأتي صفة للذات الإلهية التي هي وحدها العارفة بالغيب وأسرار النفس البشرية، علما أن صفة العلام لم تستخدم في القرآن الكريم إلا أربع مرات ومنها قوله تعالى «إنك أنت علام الغيوب» سورة (المائدة/109).
وبناء على هذين الفارقين يتأكد لنا الفرق الثالث وهو اصطلاحي، ليكون السارد في قصة «فطومة» علاما لا عليما وقد توحدت بروايته مظاهر الأشياء وبواطنها توحدا تاما متناغما مع كيان الشخصية «فطومة»، ومما يؤكد هذا التناغم الذي أداه السارد العلام ما يأتي:
1ـ إن وظيفة السارد العلام لا تقتصر على التنظيم الداخلي للخطاب السردي، كأن يربط ويستذكر ويستبق ويبرمج ويحبك الأحداث وحسب، بل يدمج العالمين الداخلي والخارجي في صياغة دلالية تنسق الملفوظات السردية بشكل مذهل، يتساند عبرها الفعــــل الماضي مع اسم الفاعل، وهذا التساند يجعل الفعلية الماضية مستمرة بما يقارب صيغة الفعل الماضي القريب أو المستمر في اللغة الإنكليزية. وهذا أمر لغوي لا يكترث له السارد العليم لأنه معني باسترجاع ما كان قد حدث ومضى عليه زمن باستعمال الفعل الماضي وليس اسم الفاعل.
2 ـ هذه التلازمية ما بين الماضي واسم الفاعل ستعززها تلازمية الماضي الذي تفتتح به القصة مع المضارع الذي ستختتم به «ترفع عينيها المخضلتين وتنظر إلى السماء» بما يحقق التنسيق في تتابع الحكي وبالشكل الذي يشعر القارئ أنه في دوامة زمنية مستمرة، تتصاعد تباعا لتصل إلى توظيف درامية المشهد السردي، وعادة ما يتوجه اهتمام السارد العليم إلى واحد من الفعليتين، كأن تبنى القصة على الفعل الماضي أو تبنى على الحاضر.
3 ـ تقسيم بنية السرد إلى بنية تحتية مغمورة تمثلها نفسية الأنثى /فطومة وبنية فوقية مهيمنة هي الواقع الخارجي تمثله مركزية الذكر/ منصور. وباندماج البنيتين يتمظهر لنا عالم فطومة واضحا منسابا، وقد تمسرحت الطبيعة بالحضارة بحسب شتراوس، فتصارع ما هو غريزي متمثلا بمشاعر الأمومة والأنوثة، بما هو مكتسب متمثلا بأبوية العادات والتقاليد والأوامر والنواهي. والسارد العلام لا يتحيز لبنية على حساب الأخرى كما يفعل السارد العليم.
4 ـ صحيح أن السارد العلام كالسارد العليم يضبط العلاقة بين زمن الحكاية الذي يقاس بالساعات والدقائق والثواني، وطول النص الذي يقاس بالأسطر والصفحات، بيد أن السارد العلام يتحلى بوظيفتين مزدوجتين، فهو في الوقت الذي ينظم تسارع عملية السرد بتلاحق صيغتي المضي والحضور، فإنه يصنع أيضا هياكل أسلوبية بقوالب صرفية أو تركيبية أو بلاغية، بما يحقق تنظيما دلاليا يسميه غريماس الأيديولوجيا.
5 ـ إذا كان السارد العليم ملما بما كان وما يكون، فإن السارد العلام تتعدى معرفته إلى أبعد من ذلك لأنها تغوص في داخل النفس، كاشفة ما هو متتابع ومتنافر، ولذلك نوه القاص بواو العطف إلى أن هذا السارد علام بخصوصيات فطومة في عالميها الخارجي والداخلي، ومن ثم تعامل مع الزمن بطريقة خاصة، فتارة سلسل الأحداث وتارة توقف ليرجع إلى الماضي ليتعرف على أزمات رافقت كل مرحلة من مراحل حياتها، في زواجها وما قبل زواجها وما بعده، باستعمال الصيغ الآتية «وتذكر خطّابا..»، «وتتعاقب أمام ناظريها صور من مآسي حياتها..»، «وتتذكر في الطريق ليلة زواجها..»، «وتنتقل فطومة من ذكرى إلى ذكرى». ومن هنا تمكن السارد العلام من جعل القصة نسوية تحكي معاناة الأم التي تنجب الإناث في مجتمع ذكوري وحكاية الزوجة التي تنتظر عودة الزوج خمسة عشر عاما، والحبيبة التي خانها حبيبها وقابل وفاءها بالغدر لتكون المفارقة صادمة، فالرجل يظل هو المتسيد رغم تنصله من مسؤولياته وتقصيره في واجباته وهو المبجل رغم استهانته بالمرأة.
بهذا كله يستطيع السارد العلام تحقيق توسيع دلالي، في الوقت الذي يمارس تكثيفا لفظيا بما يجعل الحبك معبّرا فنيا عن المغمور ومعاناته الإنسانية، لتكون فطومة نموذجا إنسانيا للضعف والظلم. وعلى الرغم من أن زمن القصة ليلة واحدة، إلا إن السارد العلام نجح في رسم انسحاق الإنسان تحت ظلم أخيه الإنسان على مستويي الدلالة والبناء ما جعل القصة بمقطوعاتها وحدة واحدة، تضفي على الحدث السردي امتدادا وآنية. وهذا ما يموضع القصة في نهج واقعي ذي سيرورة نفسية غير متقطعة، تتصارع فيها القوة والضعف والتسلط والرضوخ والوفاء بالعهد وخيانة الأمانة، جامعة العالمين الداخلي والخارجي في بوتقة بنائية فيها الطبيعتان الجامدة والحية، تعكسان بواطن الشخصية المكبوتة والمقموعة والمحرومة. وهو ما أتقن عبد الملك نوري تجسيده ببراعة عالية، وبذلك يكون العراق قد قدّم قاصا كبيرا يحق للسردية العراقية أن تفخر به وتخلد إنجازاته.
٭ أكاديمية عراقية