فينيسيا ـ «القدس العربي»: قليلة هي الأفلام التي تستلبك تماما من عالمك وتستحوذ عليك كلية لتبقيك في عالمها لا تود أن تبرحه. «لا تشح بنظرك قط» للألماني فلوريان هنكل فون دونرسمارك، المشارك في المسابقة الرسمية لمهرجان فينيسيا السينمائي 2018 هو أحد هذه الجواهر السينمائية النادرة التي تبقى معنا طويلا والتي نتأملها مليا بعد مشاهدتها.
تعود بنا بداية الفيلم، وعنوانه الألماني الأصلي قبل الترجمة الإنكليزية «عمل بلا مؤلف» إلى ألمانيا عام 1933 في بدايات بزوغ الحزب النازي، حيث نرى الطفل الصغير كورت بصحبة عمته الشابة الجميلة إليزابيت (ساسكيا روزندال) في معرض للفن التشكيلي في مدينة درسدن لما أطلق عليه الحزب النازي «الفن المنحل».
يصاحب المعرض شرح يوضح تنافي هذه اللوحات مع قيم الحزب النازي، فكل ما يعبر عن النزعة الفردانية أو ما يعبر عن حرية الفكر أو الروح المنطلقة أو الخيال الجامح لا محل له في مجتمع ملتزم مؤدلج كالمجتمع النازي. وهكذا منذ الدقيقة الأولى في الفيلم، الممتد على مدى ثلاث ساعات وتسع دقائق، يأخذنا فون دونرسمارك إلى جوهر الفيلم ولب قضيته: القضاء على كل ما ينم عن الفردية والحرية الشخصية والروح المنطلقة في مجتمع استبدادي قامع، والقضاء على الفن والخيال بحجة أنه لا يخدم القضية أو يفسد القيم التي يضعها النظام الاستبدادي للمجتمع. الفيلم عن إمعان النظر في ما هو مؤلم وموجع وعدم إشاحة النظر عن جراح الماضي ومأساته، فهذا هو السبيل الوحيد لفهم الذات ولخلق فن أصيل يعبر حقا عن الذات.
يخرج كورت الصغير من المعرض مع عمته إليزابيث التي تطلب من سائقي الحافلات في مرآبهم أن يطلقوا زمور حافلاتهم مجتمعين حتى تتوحد مع صوت الحافلات وتتأمل الكون، والتي حين تعود للمنزل تتجرد من ثيابها لتطلق لجسدها وروحها العنان، وهي تعزف الموسيقى. إليزابيث هي الروح المنطلقة وهي الجمال وهي حب الفن والموسيقى، وهي أول إلهام لكورت الصغير. ولكن روح إليزابيث الحرة هي مأساتها في ظل النظام النازي الذي يرى في أي حرية سلوكية خللا يجب أن يجتث. تصنف إليزابيث وفقا لأطباء النازي على أنها مختلة عقليا، يجب تعقيمها قسريا لمنعها من إنجاب نسل يحمل صفاتها، بل يجب تصفيتها تماما في المحرقة. المفزع حقا في الفيلم هو تحول المرأة إلى مجرد وعاء للإنجاب في وجود نظام قمعي كالنازية، فالمرأة لا يجدر بها أن تفكر، أو أن تشعر، أو أن ترى شيئا يخالف رؤية النظام. وإن أعربت عن رأي صريح ينم عن روح حرة، اتهمت بالخلل العقلي وحرمت عنوة من حقها في أن تكون أما.
تمر أعوام الحرب، ويشب كورت (توم شيلينغ) ليدرس الفن والرسم في أكاديمية الفنون في درسدن، التي أصبحت جزءا من ألمانيا الشرقية بعد سقوط النازي. يسلط الفيلم الضوء على أن ثمة من ينتفع دوما مهما تغيرت الأنظمة، وثمة من يتلون دوما ليكتسي لون النظام الجديد، ومن بين هؤلاء الطبيب الشهير دكتور سيباند (سابستيان كوخ)، الذي كان من كبار المسؤولين الطبيين للنازي، الذين كانوا يصدرون قراراتهم بالقضاء على كل من يرونه من سلالة ضعيفة أو مريضة تضر بسلامة الجنس الآري، ثم أصبح بعد تحول البلاد للشيوعية من كبار أطبائها ومسؤوليها، واستبدل قناعة مصطنعة بقناعة مصطنعة أخرى.
في دراسته للفن في ظل النظام الشيوعي في درسدن يواجه كورت التضييق ذاته الذي رآه في معرض «الفن المنحل» في حقبة النازي. تغير النظام وحلت مبادئ سياسية محل أخرى، ولكن الهيمنة على الفن باسم الأيديولوجيا الحاكمة بقيت ولم تتغير. تبدلت المسميات، وبقي الفن والخيال مكبلا، بل صريعا باسم الأيديولوجيا. في الحقبة الشيوعية وجد كورت نفسه مجبرا على ألا يمعن النظر في ذاته أو خياله، وعلى ألا يخلق فنا يعبر عن ذاته حقا، بل وجد أن عليه أن يمجد العامل والبروليتاريا، وأن يمجد قادة الحزب الشيوعي في جداريات ضخمة لا تحمل شيئا من روحه بل تحمل أيديولوجيا الحاكم. ولا يقتصر هذا القمع والصراع الداخلي والإجبار القسري على الالتزام بمعتقدات الحاكم على الفنان ككورت فقط، بل إن كورت جزء من أزمة أكبر تواجه مجتمعا بأسره. والد كورت أُكره إكراها على الانضمام للحزب النازي حتى لا يفقد حياته ووظيفته، ثم لاحقا يُحمل حملا على التكفير عن ذنوب لم يقترفها، فلا يجد لنفسه ملاذا من المعاناة والألم سوى الانتحار. كورت يعاني فنيا ونفسيا ولا يقوى والده على الانقسامات والتحولات والقمع في بلاده التي لم يعد يفهمها، وما هما إلا فردان في مجتمع سقيم ويعاني في مجمله.
لا عجب إذن أن يشعر كورت بالاختناق كفنان وأن يضل طريقه للتعبير عن ذاته كمبدع وسط عالم تتحكم فيه الرؤية السياسية في الفن. حين يقع في الحب مع إيلي (باولا بيز) زميلته في الجامعة ويتزوجا، وحين يجد ألا سبيل له للتحقق فنيا في بلاده، يقرر الفرار مع زوجته إلى ألمانيا الغربية. لكن «لا تشح بنظرك قط» لا يعنيه كورت كفرد بعينه بقدر ما يعنيه التحول في ألمانيا، عبر حقبة مليئة بالتغيرات الفكرية والسياسية والتاريخية، وبقدر ما يعنيه تسليط الضوء على محنة الفن والفنان حين يصبحان سجينين لنسق فكري وسياسي قامع. يوضح فون دونرسمارك أن التغير السياسي في المجتمع من حركة سياسية قامعة لحركة سياسية قامعة أخرى، رغم اختلاف مبادئها لا يؤدي إلا إلى اختناق الفنان وتشتيت موهبته وفقدانه لكيانه الإبداعي.
على الرغم من بزوغ نجم كورت كرسام للحقبة الاشتراكية في ألمانيا الشرقية، ورغم ما يحققه من نجاح، إلا أن فراره للغرب مع زوجته في أوائل الستينيات قبيل إقامة حائط برلين جاء كمحاولة منه للعثور على ذاته الحقة كفنان وإنسان. حين يقبل في أكاديمية الفنون في دوسلدورف، تتقاذفه أمواج الفن الحديث بأفكاره وجموحه، ويجد نفسه بلا هوية فنية حقيقية، بل تتقاذفه أمواج التيارات المختلفة في الفن الحديث، ولكن حديثا من القلب مع أستاذه أنطونيوس فان فيرتن (أوليفر ماسوتشي)، الأكاديمي والفنان غريب الأطوار المعتمر لقبعته طوال الوقت، يفتح الطريق أمام كورت للوصول إلى ذاته الحقة كفنان.
علّ قلب الفيلم وجوهره هو تلك المحادثة بين كورت وأستاذه، الذي صوره فون دونرسمارك ليشبه جوهر شخصية الفنان التشكيلي والنحات والمثال الألماني يوزف بويز. يقول فان فيرتن لكورت أن يبحث عن جوهره وعما هو أصيل بداخله وعما يعرفه حقا. يروي له قصته التي حولته إلى الفنان الذي أصبحه والتي دعته للإبداع الفني بالمواد التي يستخدمها في أعماله وليس غيرها. إثر هذا يختلي كورت بذاته وبلوحته الخالية في محاولة للعثور على جوهره الفني الإبداعي الذي فقده بفعل الأيديولوجيا السياسية. كان الألم الناجم عن معاناته في الحرب الدافع وراء عثور فان فرتن على جوهره الإبداعي، وكان غوص كورت في ذاكرته إلى ذكرى عمته التي رآها تقتاد إلى المصحة العقلية بإيعاز من أطباء النازي، سببا في وصوله إلى جوهره كمبدع وفنان. رحلة كورت الداخلية للعثور على ذاته الحقة كشخص وفنان تقوده إلى الماضي، وإلى ذكرى من رحلوا وإلى تذكر من عذب وكان جلادا ومن تعذب وقضى ضحية للقهر والبطش. حين يشرع في مشروعه الفني الخاص، يصبح عمله شهادته على تاريخه الشخصي وتاريخ بلاده. تعلم كورت في رحلته كفنان وإنسان أنه حتى يصل إلى جوهره عليه ألا يشيح بصره قط، تلك النصيحة التي أسدتها له عمته وهم يقتادونها إلى المصحة، فإن يشخص بصره في ماضيه وماضي بلاده هو سبيله لفهم نفسه.