‮«‬مدينة‭ ‬أولاد‭ ‬العم‮»‬‭: ‬رؤى‭ ‬جديدة‭ ‬عن‭ ‬الزواج‭ ‬والقرابة‭ ‬داخل‭ ‬مدن‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط

‭ ‬■‭ ‬تروجُ‭ ‬سردية‭ ‬نمطية؛‭ ‬أو‭ ‬لنقل‭ ‬سردية‭ ‬درامية‭ ‬حول‭ ‬الزواج‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط؛‭ ‬وتتمثل‭ ‬هذه‭ ‬السردية‭ ‬بأن‭ ‬مجتمعات‭ ‬هذه‭ ‬المنطقة‭ ‬قد‭ ‬عرفت‭ ‬زواج‭ ‬الأقارب‭ ‬بكثرة‭. ‬فابنة‭ ‬العم‭ ‬هي‭ ‬لابن‭ ‬عمها‭ ‬كما‭ ‬يُقال،‭ ‬ولا‭ ‬مكان‭ ‬للغريب‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الأُسر‭ ‬وممتلكاتها‭ ‬علاوة‭ ‬على‭ ‬بناتها‭. ‬وربما‭ ‬لعبت‭ ‬الصورة‭ ‬الدرامية‭ ‬والمسلسلات‭ ‬دورا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬هذه‭ ‬الصور‭ ‬داخل‭ ‬المخيال‭ ‬الشعبي‭ ‬في‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاهل‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬القبائل‭ ‬والمجتمعات‭ ‬الريفية،‭ ‬لوحظ‭ ‬فيها‭ ‬هذا‭ ‬النمط‭ ‬من‭ ‬الزواج‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية،‭ ‬وهو‭ ‬نمط‭ ‬من‭ ‬الزواج‭ ‬كان‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬رهين‭ ‬الظروف‭ ‬التاريخية،‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬جاء‭ ‬نتيجة،‭ ‬أو‭ ‬تبدلا‭ ‬في‭ ‬لغة‭ ‬هذه‭ ‬المجتمعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬مع‭ ‬المحيط‭ ‬والبيئة‭ ‬والجماعات‭ ‬المحلية‭ ‬التي‭ ‬تحيط‭ ‬بها‭.‬

فالزواج‭ ‬هو‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬أنواع‭ ‬اللغة‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬الأنثربولوجي‭ ‬الفرنسي‭ ‬كلودليفي‭ ‬شتراوس،‭ ‬ولذلك‭ ‬نجد‭ ‬مثلا‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬القبائل‭ ‬والعشائر‭ ‬السورية‭ ‬التي‭ ‬انتشر‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬متأخر‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وإلى‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬زواج‭ ‬ابناء‭ ‬العم،‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬مارست‭ ‬الزواج‭ ‬الداخلي‭ (‬الأقارب‭) ‬والزواج‭ ‬الخارجي‭ ‬مع‭ ‬القبائل‭ ‬المجاورة،‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬استقرارها؛‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬أن‭ ‬ترسخت‭ ‬أقدامها‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬حتى‭ ‬عادت‭ ‬هذه‭ ‬الجماعات‭ ‬لتمارس‭ ‬الزواج‭ ‬من‭ ‬بعضها‭ ‬تمتينا‭ ‬لوضعها‭ ‬الداخلي‭ ‬كوحدة‭ ‬سياسية‭.‬

كما‭ ‬أنه‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الصورة‭ ‬الدرامية،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬فترة‭ ‬الخمسينيات‭ ‬والستينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬شهدت‭ ‬اهتماما‭ ‬كبيرا‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الأنثروبولوجيين‭ ‬والمؤرخين‭ ‬بدراسات‭ ‬القرابة‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وكان‭ ‬لهذه‭ ‬الدراسات‭ ‬دور‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬أسطورة‭ ‬الزواج‭ ‬بابن‭ ‬العم،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يجري،‭ ‬وفقا‭ ‬لهذه‭ ‬الدراسات،‭ ‬للإبقاء‭ ‬على‭ ‬الملكية‭ ‬داخل‭ ‬العائلة،‭ ‬أو‭ ‬لضمان‭  ‬التحالفات‭ ‬السياسية‭ ‬والانسجام‭ ‬والألفة‭ ‬داخل‭ ‬العائلة‭. ‬ولعل‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأطروحات‭ ‬الأنثروبولوجية‭ ‬التي‭ ‬نالت‭ ‬رواجا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬أطروحة‭ ‬الأنثروبولوجية‭ ‬الفرنسية‭ ‬جيرمين‭ ‬تيلون‭ ‬‮«‬الحريم‭ ‬وأبناء‭ ‬العم‮»‬‭ ‬وهي‭ ‬ثمرة‭ ‬أبحاث‭ ‬أثنوغرافية‭ ‬أعدتها‭ ‬الباحثة‭ ‬في‭ ‬الخمسينيات‭ ‬والستينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين؛‭ ‬إذ‭ ‬لاحظت‭ ‬تيلون‭ ‬أن‭ ‬المناطق‭ ‬الحضرية‭  ‬شهدت‭ ‬تغيرا‭ ‬في‭ ‬أنماط‭ ‬الزواج،‭ ‬فالعديد‭ ‬من‭ ‬المثقفين‭ ‬المغاربة‭ ‬الذين‭ ‬التقتهم‭ ‬آنذاك‭ ‬كانوا‭ ‬يعبرون‭ ‬عن‭ ‬رفضهم‭ ‬للأفكار‭ ‬البالية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بزواج‭ ‬الأقارب،‭ ‬كما‭ ‬سُجِّلت‭ ‬نزاعات‭ ‬عائلية‭ ‬بين‭ ‬تقليد‭ ‬الزواج‭ ‬الداخلي‭ ‬والنزعة‭ ‬الفردية‭. ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬ترى‭ ‬تيلون‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬هي‭ ‬مواقف‭ ‬حديثة‭ ‬وتبقى‭ ‬استثنائية،‭ ‬فعند‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬العادية‭ ‬نجد،‭ ‬وفقا‭ ‬لها،‭ ‬أن‭ ‬الزواج‭ ‬النموذجي‭ ‬هو‭ ‬الزواج‭ ‬من‭ ‬بنت‭ ‬العم،‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بجميع‭ ‬فتيات‭ ‬العائلة‭ ‬لذكورها،‭ ‬وعدم‭ ‬التصاهر‭ ‬مع‭ ‬نسب‭ ‬خارجي‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬اقتضت‭ ‬الأمور‭ ‬ذلك‭. ‬وإذا‭ ‬جمعنا‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الدراسات‭  ‬والرؤى‭ ‬الدرامية‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬صورة‭ ‬عائلات‭ ‬المدن‭ ‬شرق‭ ‬الأوسطية‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الحداثة‭ ‬كانت‭ ‬مُتخيّلة‭ ‬كالتالي‭: ‬أب‭ ‬وإلى‭ ‬جانبه‭ ‬زوجة‭ ‬صغيرة‭ ‬وأخرى‭ ‬كبيرة‭ (‬بنت‭ ‬عمه‭ ‬في‭ ‬الأغلب‭)‬،‭ ‬وربما‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬يسرحون‭ ‬بالقرب‭ ‬منهم،‭ ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬يتراوح‭ ‬عددهم‭ ‬من‭ ‬7‭ ‬إلى‭ ‬10‭ ‬أطفال‭.‬

شهدت فترة الخمسينيات والستينيات اهتماما كبيرا من قبل الأنثروبولوجيين والمؤرخين بدراسات القرابة في الشرق الأوسط، وكان لهذه الدراسات دور كبير في نشر أسطورة الزواج بابن العم، الذي كان يجري ، للإبقاء على الملكية داخل العائلة، أو لضمان  التحالفات السياسية

إعادة‭ ‬تركيب‭ ‬صورة‭ ‬العائلة‭ ‬العثمانية

في‭ ‬مقابل‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية،‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬سائدة‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذه،‭ ‬أعاد‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الباحثين‭ ‬المهتمين‭ ‬بتاريخ‭ ‬المدن‭ ‬العثمانية‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الصورة،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬أعادوا‭ ‬تقميش‭ ‬المشهد‭ ‬من‭ ‬جديد؛‭ ‬ليكشفوا‭ ‬لنا‭ ‬عن‭ ‬مشهد‭ ‬تاريخي‭ ‬أكثر‭ ‬حيوية‭ ‬ومرونة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬أنماط‭ ‬الزواج‭ (‬داخليا‭/‬خارجيا‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬تعدد‭ ‬الزوجات،‭ ‬والأغرب‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬عدد‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬أُسرة‭.‬

وكمثال‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬القراءات‭ ‬الجديدة‭ ‬أشير‭ ‬إلى‭ ‬كتاب‭ ‬‮«‬القرابة‭ ‬الحقة‭: ‬العائلة‭ ‬والمجتمع‭ ‬في‭ ‬حلب‭ ‬العثمانية‭ ‬1770ـ1840‮»‬،‭ ‬ترجمه‭ ‬خالد‭ ‬الجبيلي،‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬عن‭ ‬دار‭ ‬شعاع‭ ‬الحلبية‭. ‬بيد‭ ‬أنه‭ ‬كحال‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الترجمات‭ ‬المهمة‭ ‬التي‭ ‬أصدرتها‭ ‬الدار،‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬النور‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬فترة‭ ‬قريبة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحصار‭ ‬الذي‭ ‬عاشه‭ ‬مع‭ ‬أهل‭ ‬المدينة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭. ‬لن‭ ‬أبالغ‭ ‬إن‭ ‬قلت،‭ ‬إن‭ ‬المؤرخة‭ ‬الأمريكية‭ ‬مارغريب‭ ‬ميريويذر،‭ ‬تعيد‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬قلب‭ ‬الصورة‭ ‬التقليدية‭ ‬للعائلة‭ ‬شرق‭ ‬الأوسطية،‭ ‬أو‭ ‬بالأحرى‭ ‬للعائلة‭ ‬المُتخيلة‭ ‬الدرامية‭. ‬إذ‭ ‬نكتشف‭ ‬معها‭ ‬أن‭ ‬العائلة‭ ‬الحلبية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬زواج‭ ‬أبناء‭ ‬العم‭ ‬بأعداد‭ ‬كبيرة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الرجال‭ ‬الحلبيين‭ ‬لم‭ ‬يتزوجوا‭ ‬بكثرة‭ ‬من‭ ‬زوجة‭ ‬ثانية،‭ ‬وأن‭ ‬عدد‭ ‬الأطفال‭ ‬داخل‭ ‬العائلات‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كبيرا‭.‬

‭ ‬

أسطورة‭ ‬الزواج‭ ‬من‭ ‬ابن‭ ‬العم‭:‬

وبالاعتماد‭ ‬على‭ ‬سجلات‭ ‬المحاكم‭ ‬الشرعية‭ ‬لمدينة‭ ‬حلب،‭ ‬فإن‭ ‬الزواج‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬العمومة‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬شائعا‭ ‬في‭ ‬الماضي‭. ‬فما‭ ‬تلاحظه‭ ‬المؤرخة‭ ‬أنه‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬665‭ ‬اختيارا‭ ‬زوجيا،‭ ‬كان‭ ‬24٪‭  ‬منها‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬العمومة‭. ‬وكان‭ ‬الأعيان‭ ‬الأكثر‭ ‬ممارسة‭ ‬له‭ (‬وهذه‭ ‬صورة‭ ‬مغايرة‭ ‬للصورة‭ ‬التي‭ ‬تربط‭ ‬بين‭ ‬زواج‭ ‬أبناء‭ ‬العم‭ ‬والفقراء‭ ‬أو‭ ‬العامة‭).  ‬ويلاحظ‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬الزواج‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬العمومة‭ ‬داخل‭ ‬عدد‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬عالية‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬70٪‭. ‬فكان‭ ‬في‭ ‬6‭ ‬عائلات‭ ‬خمس‭ ‬زيجات‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬العمومة‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭: ‬الجزماتي‭ ‬والميري‭ ‬وقرنة‭ ‬وأبري‭ ‬وطه‭ ‬ويكن،‭ ‬وهنا‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬أربع‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬العائلات‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أكبر‭ ‬عائلات‭ ‬التجار‭ ‬وأكثرها‭ ‬ثراء‭ ‬في‭ ‬المدينة‭. ‬كما‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬التي‭ ‬بلغت‭ ‬فيها‭ ‬نسبة‭ ‬الزواج‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬العمومة‭ ‬أعلاها‭ ‬هي‭ ‬عائلة‭ ‬آل‭ ‬طه،‭ ‬وهي‭ ‬عائلة‭ ‬علماء؛‭ ‬ومما‭ ‬تلاحظه‭ ‬المؤرخة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬العائلة‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬العائلات‭ ‬القديمة‭ ‬وتعود‭ ‬إلى‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر،‭ ‬ما‭ ‬يوحي‭ ‬بأن‭ ‬احتمال‭ ‬اختيار‭ ‬الزواج‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬العمومة‭ ‬كان‭ ‬أقوى‭ ‬بين‭ ‬العائلات‭ ‬الأقدم،‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬العائلات‭ ‬الصاعدة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬بسبب‭ ‬حاجاتها‭ ‬إلى‭ ‬إقامة‭ ‬تحالفات‭ ‬تلجأ‭ ‬إلى‭ ‬الزيجات‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬الأسرة‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬التوسع‭.‬

وماذا‭ ‬عن‭ ‬الزواج‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬امرأة؟

كان‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الرحالة‭ ‬الأجانب‭ ‬الذين‭ ‬زاروا‭ ‬سوريا‭ ‬أو‭ ‬استقروا‭ ‬فيها‭ ‬قد‭ ‬أشاروا،‭ ‬في‭ ‬القرنين‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬والتاسع‭ ‬عشر،‭ ‬إلى‭ ‬ندرة‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬تتعد‭ ‬فيها‭ ‬الزوجات‭. ‬فقد‭ ‬ذكر‭ ‬الكساندر‭ ‬وباتريك‭ ‬راسل‭ ‬في‭ ‬كتابهما‭ ‬‮«‬تاريخ‭ ‬حلب‭ ‬الطبيعي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‮»‬‭ ‬أنه‭ ‬رغم‭ ‬سماح‭ ‬الشرع‭ ‬بتعدد‭ ‬الزوجات،‭ ‬فإن‭ ‬عددا‭ ‬قليلا‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬في‭ ‬حلب‭ ‬كان‭ ‬متزوجا‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬زوجة‭ ‬واحدة،‭ ‬وعزى‭ ‬ذلك‭ ‬غالبا‭ ‬إلى‭ ‬النفقات‭ ‬المترتبة‭ ‬عنه‭. ‬وكان‭ ‬وجود‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الحريم‭ ‬عادة‭ ‬من‭ ‬ميزات‭ ‬الرجال‭ ‬الأكثر‭ ‬ثراء‭ ‬والأكبر‭ ‬سنا‭. ‬وفي‭ ‬سياق‭ ‬آخر‭ ‬كان‭ ‬المستشرق‭ ‬حاييم‭ ‬جيربر‭ ‬قد‭ ‬بيّن‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬دراسة‭ ‬عينة‭ ‬مؤلفة‭ ‬من‭ ‬ألفي‭ ‬رجل‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬بورصة‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر،‭ ‬أن‭ ‬عشرين‭ ‬رجلا‭ ‬فقط‭ (‬1٪‭) ‬كان‭ ‬متزوجا‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬زوجة‭ ‬واحدة‭ ‬عند‭ ‬وفاته‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬فتتوفر‭ ‬أدلة‭ ‬مفصلة‭ ‬وموثقة‭ ‬أكثر‭ ‬عن‭ ‬تعدد‭ ‬الزوجات‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬بيانات‭ ‬إحصائية‭ ‬عن‭ ‬السكان‭. ‬وعند‭ ‬تطبيق‭ ‬هذه‭ ‬البيانات‭ ‬على‭ ‬مصر‭ ‬وجد‭ ‬كينيث‭ ‬كونو‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬له‭ ‬بعنوان‭ ‬‮«‬أسر‭ ‬الأعيان‭ ‬الريفية‭ ‬المصرية‭ ‬1847ـ1868‮»‬‭ ‬أن‭ ‬10٪‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬فيها‭ ‬تعدد‭ ‬زوجات‭ ‬في‭ ‬قرية‭ ‬بدوي‭ ‬في‭ ‬الدلتا‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬إسطنبول‭ ‬فقد‭ ‬كشف‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المؤرخين‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬الأسر‭ ‬التركية‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬تعدد‭ ‬الزوجات‭ ‬في‭ ‬أسطنبول‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬كانت‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬3٪‭ ‬من‭ ‬مجموع‭ ‬الزيجات‭. 

كان تعدد الزوجات مُركّزا في عدد قليل من التجار الأغنياء وعدد من الرجال الطموحين، وفي المقابل نجد أن نسبة الطلاق  منخفضة .

وبالعودة‭ ‬إلى‭ ‬حلب،‭ ‬تُبين‭ ‬مؤلفة‭ ‬كتاب‭ ‬القرابة‭ ‬الحقّة‭ ‬أن‭ ‬البيانات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بتعدد‭ ‬الزوجات‭ ‬في‭ ‬حلب‭ ‬كانت‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬البيانات‭ ‬في‭ ‬بورصة‭ ‬وإسطنبول‭. ‬فمن‭ ‬بين‭ ‬عينة‭ ‬تضم‭ ‬270‭ ‬عائلة،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬6٪‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬الذكور‭ ‬كان‭ ‬لهم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬زوجة‭ ‬واحدة،‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬لدى‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬1٪‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬زوجتين،‭ ‬لكننا‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬بدقة‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬لديهم‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬زوجة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭. ‬وكان‭ ‬تعدد‭ ‬الزوجات‭ ‬مُركّزا‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬التجار‭ ‬الأغنياء‭ ‬وعدد‭ ‬من‭ ‬الرجال‭ ‬الطموحين،‭ ‬وفي‭ ‬المقابل‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬الطلاق‭ ‬كانت‭ ‬منخفضة‭ ‬كذلك‭.‬

وبالاعتماد‭ ‬أيضا‭ ‬على‭ ‬سجلات‭ ‬الميراث،‭ ‬تشير‭ ‬المؤرخة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬الأسرة‭ ‬بين‭ ‬مجموع‭ ‬السكان‭ ‬كان‭ ‬صغيرا‭. ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬يتجاوز‭ ‬متوسط‭ ‬عدد‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬الأسرة‭ ‬الزوجية‭ ‬3.3،‭ ‬وهو‭ ‬قريب‭ ‬من‭ ‬متوسط‭ ‬عدد‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬بورصة‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬السابع‭ ‬عشر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬بنحو‭ ‬2‭.‬15‭.‬

ولدعم‭ ‬فكرتها‭ ‬حول‭ ‬محدودية‭ ‬حجم‭ ‬الأسرة‭ ‬في‭ ‬حلب،‭ ‬تستعين‭ ‬بملاحظات‭ ‬القنصل‭ ‬الفرنسي‭ ‬في‭ ‬حلب،‭ ‬التي‭ ‬كتبها‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر،‭ ‬إذ‭ ‬أشار‭ ‬الأخير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأسرة‭ ‬المسلمة‭ ‬كانت‭ ‬صغيرة‭ ‬وتتألف‭ ‬عادة‭ ‬من‭ ‬الأب‭ ‬والأم‭ ‬وطفلين‭ ‬أو‭ ‬ثلاثة‭ ‬أطفال،‭ ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬كانت‭ ‬تقيم‭ ‬الأم‭ ‬أو‭ ‬الخالة‭ ‬أو‭ ‬أخت‭ ‬الزوج‭/‬الزوجة‭ ‬مع‭ ‬الأسرة‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬الباحثة‭ ‬لا‭ ‬تنفي‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬لبعض‭ ‬العائلات‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأطفال،‭ ‬كما‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬عائلة‭ ‬عبد‭ ‬الوهاب‭ ‬الشريف‭ ‬13‭ ‬طفلا،‭ ‬أو‭ ‬عائلة‭  ‬الحاج‭ ‬موسى‭ ‬أميري‭ ‬11‭ ‬طفلا،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬العائلات‭ ‬الكبيرة‭ ‬كانت‭ ‬نادرة‭. ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدل‭ ‬الوفيات‭ ‬يشكل‭ ‬العامل‭ ‬الأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬في‭ ‬تفسير‭ ‬هذا‭ ‬الحجم،‭ ‬بيد‭ ‬أنها‭ ‬تشير‭ ‬كذلك‭ ‬إلى‭ ‬عوامل‭ ‬أخرى‭ ‬كالقيود‭ ‬على‭ ‬الخصوبة؛‭ ‬فالمعرفة‭ ‬بوسائل‭ ‬منع‭ ‬الحمل‭ ‬واستخدامها‭ ‬كان‭ ‬شائعا،‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬عند‭ ‬بعض‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬المدن،‭ ‬وانخفاض‭ ‬متوسط‭ ‬العمر‭ ‬المتوقع،‭ ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الناس‭ ‬يموتون‭ ‬وهم‭ ‬في‭ ‬متوسط‭ ‬عمرهم‭ ‬الإنجابي،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬معدلات‭ ‬الخصوبة،‭ ‬ويؤدي‭ ‬إلى‭ ‬تشكل‭ ‬عائلات‭ ‬صغيرة،‭ ‬خلافا‭ ‬لتلك‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية‭ ‬التي‭ ‬تتحدث‭ ‬عن‭ ‬عشرة‭ ‬أطفال‭ ‬وأكثر‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عائلة‭.‬

٭‭ ‬كاتب‭ ‬سوري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية