فويرط ـ قطر ـ «القدس العربي»: طلاب مدارس من مختلف المراحل الدراسية، كانوا كلهم بهجة وغبطة أثناء الرحلة التي قادتهم من مقر النادي العلمي القطري الذي ينتمون إليه، في طريقهم نحو منطقة فويرط الساحلية في الطريق الشمالي الرئيسي الذي يعبر الدولة انطلاقا من عاصمتها الدوحة، عبر مسار يبلغ نحو 100 كلم.
الرحلة التي نظمها النادي الطلابي المعروف بنشاطاته وبرامجه التي تستهدف تحفيز أعضائه على استثمار أوقاتهم لتعزيز مداركهم في شتى نواحي الحياة، سعت إلى جانب طابعها العلمي إلى تحفيز المشاركين لاكتشاف تاريخ المنطقة التي كانوا بصدد زيارتها واستلهام أبعاد دورها في صنع مجد بلدهم.
فاطمة علي المهندي، مساعدة مدير النادي العلمي، شددت على أن الرحلة لم تكن الأولى من نوعها، هدفت إلى إثراء مدارك الطلاب بالجانب الجغرافي والتاريخي لمنطقة فويرط، ومساعدتهم على اكتساب المعرفة بطبيعة البيئة القطرية وما تحتويه من ثروات طبيعية، والتفكير العلمي على ما يحتويه المكان من أحافير وتهاجر إليها السلاحف وتتواجد فيها أصداف قد يراها بعضهم لأول مرة عن قرب.
المهندي اعتبرت أن منطقة فويرط التي تقع في الشمال الشرقي لدولة قطر وتبعد عن الدوحة بـ 85 كم، تمتاز بوجود جبل يتكون من الحجر الجيري ويبلغ ارتفاعه 64 قدما، وبوجود أحافير وهي عبارة عن أثر أو بقايا نبات أو حيوان كان يعيش منذ آلاف أو ملايين السنين، طمرت في الرسوبيات مثل الطين أو الرمل. وأكدت أن المنطقة تتميز أيضاً بوجود أصداف متنوعة ومنتشرة على الشاطئ بكثرة كما أن شهر نيسان/أبريل هو موسم تعشيش السلاحف.
وأشارت إلى أنه إضافة إلى المعلومات التاريخية القيمة التي حصل عليها الطلاب فقد كان الغرض العلمي من الرحلة جمع عينات من بعض الأصداف التي تكثر أعدادها هناك، والتعرف على الاسم العلمي لها، واكتشاف الأحافير الموجودة على الشاطئ، والعوامل التي ساعدت على نحت جبل فويرط والتشكلات الصخرية، ومعرفة أنواع السلاحف الموجودة في قطر.
عند الوصول إلى المنطقة الساحلية التي تتميز بشاطئها الرملي وقف الطلاب طويلا أمام العناصر الطبيعية التي تميز المكان مع وجود عدد من الجبال الحجرية والتي يبلغ ارتفاع أكبرها نحو 20 مترا مع أكوام صخرية منبسطة عند قمته وامتدادها لمسافات طويلة.
يمتاز هذا السطح بكثرة الأخوار والخلجان والأحواض والمنخفضات التي يطلق عليها (الرياض) والتي تعتبر بدورها من أخصب المواقع التي تكثر فيها النباتات الطبيعية.
عند سؤال بعض القطريين من أبناء المناطق الشمالية عن أصل تسمية فويرط ومعناها اللغوي والدلالي، انقسمت الآراء بشكل واضح وجلي وهذا وفق منظور كل واحد للرواية التي يعتبرها الأكثر دقة في تحديد التسمية.
في مختلف المواقع تعرف «فويرط» على أنها الجبل الصغير ومأخوذة من كلمة فارط وهي تعني الجبل. وحسب تعريف في موقع ويكبيديا فإن بلدة فويرط أسسها آل البوكوارة، وكانت لها مميزات استراتيجية، خاصة لأنها كانت مركزا لسفن الغوص، كما ولد فيها الشيخ محمد بن ثاني جد عائلة آل ثاني، حكام قطر.
منشأ مؤسس دولة قطر
وبالعودة لكتاب «التكاتف والولاء» الذي أصدرته المؤسسة القطرية للإعلام، بمناسبة احتفالات الدولة مؤخرا بعيدها الوطني، يكشف المؤلف أن مؤسس قطر، الشيخ جاسم بن محمد بن ثاني الذي ولد عام 1242هـ الموافق 1826م، نشأ في فويرط شمال شرق قطر، في كنف والده الشيخ محمد بن ثاني الزعيم الأشهر حين ذاك. ويسرد المؤلف الذي أشرف عليه عدد من الباحثين القطريين أن الشيخ جاسم تلقى تعليمه على أيدي رجال الدين في مسقط رأسه، أي فويرط التي كانت يومها منارة علم، وهناك تعلم القرآن وعلومه والفقه والشريعة، إلى جانب تعلم الفروسية والقنص والأدب، كما شارك والده في إدارة شؤون البلاد كافة.
ومن خلال المعلومات التاريخية عن المدينة التي كانت إلى وقت قريب عامرة تشير القرائن العلمية إلى أنها كانت تتميز بطابعها العمراني وموقعها الآمن والذي يحميها من أي هجمة من قبل القراصنة والأعداء في ظل الحركة التي كانت تشهدها مياه الخليج في تلك الفترة.
ويعكف خبراء وباحثو هيئة المتاحف الوطنية على تحديد العناصر التاريخية للمنطقة واستكشاف معالمها ومحاولة ترميم آثارها القديمة وحمايتها من مختلف العوامل التي ساهمت في طمس معظمها.
وأشارت الهيئة إلى أنها تعمل ضمن مشروع طموح وبعيد المدى يستهدف جمع أكبر قدر من المادة العلمية عن فويرط واكتشاف آثارها وتحديدها لحمايتها ومن ثم الشروع لاحقا في ترميمها لتظل شاهدة على عصور ولت وتقف عليها الأجيال المقبلة.
وأضافت أنه أُخْلِيت منذ زمن بعيد قرى ومستوطنات أخرى منتشرة على طول الخط الساحلي لدولة قطر وعلى المناطق الداخلية منها. ووُثّق البعض منها في انتظار من ينقب فيها بالكامل مثل فويرط والغارية، بينما كانت أخرى محور تركيز أكثر البحوث الحديثة مثل قرى الشمال: العريش، لجميل، عين محمد أو أم الحول، جنوب الوكرة.
حضارة تليدة تلاشت بعوامل الزمن
الباحث والمؤرخ والجغرافي البريطاني، والمهتم بتاريخ المنطقة جون غوردون لوريمر المعروف اختصارا بـ (ج.ج. لوريمر) أورد في مذكراته عن «دليل الخليج» في الجزء الثاني منها، أن فوريط تعتبر بلدة تقع على الشاطئ الشرقي لقطر من شرقي الجبل. وأضاف أنها محاطه بأبراج وسور من دون أبواب. وغاص المؤلف في رسم المدينة والحاضرة التي كانت وسط بيداء موحشة، بالحديث عن المنازل المبنية بالحجارة والطين والتي يتجاوز عددها المئات، وكان يسكنها في الغالب أفراد من قبيلة آل البوكوارة، جنبا مع منازل أفراد قبيلة الكبسة، ويفصل بينهم ساحة.
ارتباط وثيق بالبحر
سكان فويرط ومثل سائر أهل قطر، شكل البحر دوما سندهم، وارتبطوا به، وكان خلفية قراهم ومدنهم وحواضرهم التي عمروها على مر السنين لما لهم به من علاقة وثيقة في ضمان أمنهم وهم العارفون بخبايا أعماقه والملمين بمزاجه. وأجاد سكان المنطقة الأثرية سبر أغوار البحر، وكان رفيقهم في الليالي الموحشة ومؤنسهم ومصدر رزقهم من خلال رحلات الصيد التي برعوا فيها.
وكشف د. معين صادق أستاذ التاريخ والآثار في كلية الآداب والعلوم في جامعة قطر في دراسة تاريخية اجتماعية، وعلى ضوء الاكتشافات الأثرية التي تم تحقيقها، أن البحر كان بالنسبة لأهل المنطقة وسكان القرية المصدر الرئيسي للغذاء والتجارة، وكذلك التواصل مع حضارات العالم القديم.
واستند الباحث في دراسته إلى ما عرف به السكان، من خلال الجغرافيا والطوبوغرافيا، وكذلك من البقايا المعمارية والآثار المنقولة مثل الآنية والأدوات التي يتوالى اكتشافها في المواقع الأثرية القطرية منذ منتصف الخمسينيات حتى الآن.
واعتبر أنه ومن منطلق الأهمية الاستراتيجية لموقع قطر، وعلاقة سكانه بالبحر تتجسد أيضاً في مواقع المدن القديمة الهامة مثل فويرط، وغيرها التي أقيمت على امتداد سواحل شبه الجزيرة القطرية.
واستطرد أن ما يدل على أن أسباب نشأة هذه القرى الساحلية كان بدواعي ارتباطها بالبحر، للصيد والغذاء والغوص بحثاً عن اللؤلؤ، والتجارة، ولاعتدال مناخها مقارنة بالمناطق الداخلية، وأيضاً لتجفيف المياه لاستخراج الملح والمتاجرة به، حيث كان في مناطق الشرق القديم من السلع الغذائية الغالية الثمن حتى نهاية العصر المملوكي.
صناعة رائجة للسفن
الباحث اعتبر أن سكان البلد برعوا في ركوب البحر باستخدام سفن لا تختلف في طبيعتها وطريقة صناعتها عن تلك المستخدمة على امتداد سواحل الخليج، وذلك للتواصل مع الحضارات المختلفة، وللنقل والتجارة، لكنها تميزت في قطر بسرعتها وضخامتها، وهذا تؤكده نقوش السفن القديمة والكثيرة التي ما زالت منتشرة على التلال الشرقية لدولة قطر، وخصوصاً في المنطقة الممتدة من الجساسية إلى فويرط شمالاً والتي تعود إلى فترات بعيدة قبل الإسلام.
وفي استطراده في الحديث عن تاريخ المنطقة يعتبر أنه بتحليل نماذج من هذه السفن نجد أنها متعددة الأشكال، وهذا بحد ذاته دليل على الأهمية البحرية لموقع قطر، واهتمام سكانها بركوب البحر، بل نرى أنها كانت مصممة للوصول إلى مدن وحضارات قريبة وبعيدة على حد سواء، أما كثرة المجاديف التي يصل عددها إلى أكثر من عشرة على كل جانب من السفينة كما يظهر في نقوش تلال الجساسية وغيرها، فإنها تدل على أن بعض السفن كانت ضخمة، ومزودة بطاقم كبير يصل عدد أفراده إلى عشرين فرداً، وربما أكثر، ما يؤهلها للإبحار إلى أماكن بعيدة، وبالسرعة المناسبة التي تتناسب مع حجم الحمولة الضخم، وكذلك طول المسافة، وربما أيضاً للإبحار بسرعة فائقة لتجنب قراصنة البحر.
محمية طبيعية
منطقة فويرط إلى جانب قيمتها التاريخية وما تحفل به من آثار تعكف مختلف الجهات في الدولة على التنقيب عنها لصونها، تتميز بكونها أحد أبرز المعالم الطبيعية في قطر وهي وجهة مميزة للحياة الفطرية في شمال الدولة.
عند التجول في أرجاء المنطقة يذهل الوافد إليها بروعة المنظر الفريد الذي يجمع بين عناصر طبيعية متعددة، ومتنوعة، ومتميزة، تثري بعضها، وتضفي سحرا على المشهد برمته في أبعاده المختلفة.
رمال ذهبية تتلألأ مع أشعة الشمس التي تعكس نقاء وصفاء الأمواج اللازوردية، في حركة مدها وجزها، ويراقب الزائر سعيها الدؤوب لنحت تلك الجبال الكلسية وتفننها في رسم لوحات غاية في الجمال، تأسر الأعين برونقها قبل أن يستريح قليلا على تلك الصخور ويتابع شغفها بمعانقة مياه البرح النقية.
سلاحف تستوطن المنطقة
علي جاسم الكواري المشرف العام على برنامج حماية السلاحف البحرية في وزارة البلدية والبيئة يؤكد أن الدولة تولي اهتماماً خاصاً بحماية السلاحف البحرية الموجودة في منطقة شاطئ فويرط من أجل توفير الظروف المواتية لإنجاح موسم تعشيشها ولحماية هذا النوع من الزواحف المهدّدة بالانقراض وإتاحة الفرصة لدراستها بشكل كامل ومكثف ومعرفة التأثيرات البيئية عليها.
وهو يعتبر أن هذا العام شهد زيادة في أعداد السلاحف البحرية التي لجأت للخط الساحلي في فويرط في موسم التعشيش والذي يبدأ من شهر نيسان/أبريل وينتهي نهاية شهر حزيران/يوليو.
ويعتبر القطريون أن أعداد أعشاش السلاحف من النوعين، الخضراء، ومنقار الصقر، المهدّدتين بالإنقراض، بلغت نحو 28 عشاً، بزيادة 13 عشاً عن العام الماضي. وتم تحقيق هذا التوازن البيئي، نتيجة العناية الخاصة التي توليها الجهات المعنية، لتهيئة الظروف البيئية لاستقطاب السلاحف للساحل من خلال إغلاق شاطئ فويرط وإعلانه محمية طبيعية وتسوير الموقع بالكامل ومنع الصيد أو التخييم والتنزه فيه وذلك بهدف حماية السلاحف البحرية الموجودة في المنطقة.
وتعتبر السلاحف من الكائنات البحرية الموجودة في المياه الإقليمية القطرية وتوجد في المنطقة الشمالية الشرقية للدولة، وهي تعيش في الشعاب المرجانية حيث تتغذى على بعض أنواع اللافقاريات والإسفنجيات، وتم تصنيف هذه السلاحف ضمن الكائنات الحية المهدّدة بالانقراض بشكل كبير ووضعت على القائمة الحمراء للاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة.
وتشرف مراكز أبحاث بيئية على مشاريع بحثية لدراسة وحماية الحياة الفطرية في المنطقة وتعزيز كافة الجهود التي من شأنها إبراز فرادة المعلم الأثري الذي يؤرخ لمرحلة محورية من تاريخ الدولة.
مجالس عامرة تستعيد تاريخ الأجداد
عكف بعض القطريين من أبناء المنطقة إلى تشييد عدة مجالس في فويرط لتمضية عطل نهاية الأسبوع وجمع الأهل والأقارب وهي فرصة للزوار للوقوف على آثار المنطقة والحديث عن تاريخ أجدادهم وما خلفوه من ذكريات في منشئهم.
رجل الأعمال محمد بن طوار الكواري نائب رئيس غرفة تجارة وصناعة قطر، ابن فويرط يعد أحد النماذج للوجهاء الذين حاولوا تسليط الضوء على مخزون المنطقة ويحنون إليها وينظم في كل مرة جلسات فكرية لعدد من مقربيه والزوار في سبيل إبراز جوانب من تاريخ فويرط التي جمعت في جنباتها عدة قصص لا تزال تروى حتى الآن عن حقبة زمنية ما زالت حاضرة في أذهانهم يروونها بشغف لأبنائهم وأحفادهم.
سليمان حاج إبراهيم