آخر الأحلام!

عندما يصبح دونالد ترامب رئيسا لأعظم دولة في العالم في انتخابات شفافة، وقبله يوشك جان ماري لوبان أن يصبح رئيسا لرابع أو خامس قوة اقتصادية في العالم في انتخابات شفافة، وبينهما تنتخب النمسا رئيسا يمينيا وينتشر المد اليميني الشعبوي كالنار في الهشيم في أوروبا.. مع كل هذا، هل سيبقى هناك معنى لنقاش حول «أخلاقية» منح أحد هؤلاء فرصة للترويج لأفكاره عبر تلفزيونات يمولها دافع الضرائب؟
وفي زمن الأخبار المتدفقة بلا انقطاع والعابرة للقارات بسرعة البرق، هل بقي معنى للاحتجاج على ظهور هذا أو ذاك متحدثا في محطة تلفزيونية لأنه يمثل أفكاراً غير مقبولة أخلاقيا (لكنها منتشرة بقوة في الواقع اليومي)؟ إنه ترف الكلام وحديث صالونات منقطعة عن الواقع أو تتجاهله. هذا الواقع الأوروبي الذي ما انفك يكشف عن مفاجآت مخيفة يبدو أنها في بداية الطريق. النخب السياسية والإعلامية البريطانية عاشت أمس الأول نقاشا من هذا النوع تسبب فيه بث هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) مقابلة تلفزيونية مسجلة أجراها الصحافي المخضرم أندرو مار، مع زعيمة اليمين المتطرف في فرنسا، مارين لوبان.
أجرت «بي بي سي» المقابلة يوم الخميس، على خلفية وفي ذروة الإرباك الأمريكي والعالمي الذي تسبب فيه فوز دونالد ترامب بانتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة.
كانت لوبان قد عبّرت عن ابتهاجها بفوز ترامب بالرئاسة في اللحظات التي أعقبت إعلان النتائج في أمريكا. لكن منحها فرصة للكلام طويلا في برنامج يحظى بشعبية كبرى في «بي بي سي» بدا وكأنه منح هذه السيدة منبراً لتحتفل وتتشفى في مَن تعتبرهم أعداءها. هناك نقطة واحدة غير لائقة في الموضوع كله، وهي بث المقابلة التلفزيونية متزامنة مع الاحتفالات بذكرى انتهاء الحرب العالمية الأولى، أو ما يعرف بـ«Remembrance Day» الذي تحتفل به بريطانيا ومجموعة الكومنولث (ودول أوروبية أخرى) سنويا في الحادي عشر من هذا الشهر. بث المقابلة مع لوبان في هذه الذكرى شكّل تجاوزا في حق ضحايا الحرب العالمية الأولى ومَن قاتلوا خلالها في سبيل إنقاذ أوروبا من الجنون والاستبداد.هذا هو الخلل الأخلاقي الوحيد في الموضوع كله، وما عداه ثرثرة بلا طائل، بل نفاق مكتمل الأركان.
أي معنى أن يجري هذا النوع من النقاش في بريطانيا التي شهدت الصيف الماضي استفتاء شعبيا حول مستقبلها في الاتحاد الأوروبي أفضى إلى زلزال لا يختلف عن زلزال ترامب في أمريكا؟ وهل كان النقاش حول منح لوبان فرصة الكلام أصلا، أم حول منحها تلك الفرصة في محطة تلفزيونية عريقة تصر على «تحقيق الموضوعية والتوازن ومحاربة التطرف والإقصاء»؟
على شكليته، يبدو تفصيل منح لوبان فرصة الحديث في «بي بي سي» أهم. أما المبدأ في حد ذاته فلم يعد هناك مبرر للتساؤل حوله، إذ لولا «بي بي سي» لكانت لوبان ستجد محطات أخرى تتسابق للظفر بمقابلة معها في هذه الظروف.
لو عكسنا الآية ومنحت مجموعة «تلفزيون فرنسا» (المكونة من قنوات عمومية عدة) فرصة لفاراج للحديث في برنامج رصين وجاد بإحدى قنواتها، من غير الوارد أن ذلك كان سيثير ردود الفعل التي أعقبت مقابلة لوبان مع أندرو مار.
لوبان في فرنسا تعادل زعيم حزب الاستقلال اليميني في بريطانيا، نايجل فاراج، الذي كان أحد أقطاب حملة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وبنى كل دعاياته وتضليله على الهجرة والمهاجرين و»القيم البريطانية». أثناء حملة استفتاء 23 حزيران (يونيو) حظي فاراج بفرصة كبيرة للبروز في التلفزيونات والصحف البريطانية والترويج لأفكاره اليمينية، بل العنصرية، عبرها. آنذاك لم يطرح أحد نقاشا حول أخلاقية أن يُمنَح الرجل وقادة حزبه فرصا كالتي مُنحت له.
أبعد من كل هذا: لوبان اليوم هي رمز قديم ليمين متطرف كان المجتمع الفرنسي يستحي منه في الثمانينيات ويعتبره عاراً عليه. اليوم كل السياسيين في فرنسا يمينيون، هناك اليميني والأكثر يمينية. الذين يعيشون في فرنسا أو يتابعون أخبارها السياسية يعرفون أن الرئيس السابق (المرشح المحتمل لانتخابات الرئاسة المقبلة) نيكولا ساركوزي لا يقل يمينية عن لوبان. ويعرفون أن اليسار ذاته بقيادة الرئيس فرانسوا اولاند وأقطابه الأخرى يتصرف كيمين ويحاول أن يحصد فتات اليمين.
هناك يقين مطلق اليوم يتمثل في أن تجاهل لوبان (وأشباهها) تلفزيونيا لن يمسحها من الوجود. فعلاوة على وسائل الإعلام البديلة والأكثر نجاعة، المنع يأتي بنتائج أقوى من غض الطرف. أما الحقيقة الأكثر وضوحا هي أن لوبان تعتزم الترشح لانتخابات الرئاسة في بلادها الربيع المقبل، واحتمال أن تُحدث في فرنسا ما أحدث ترامب في أمريكا وارد جدا.
يبدو أننا أمام آخر أحلام معسكر يمكن وصفه بـمعسكر الحالمين والمثاليين لإنقاذ ماء الوجه أمام عالم، في خطواته السريعة لهدم المؤسسات السياسية والثقافية والعقائدية التي بناها النظام العالمي خلال عقود ما بعد الحرب العالمية الثانية، يقضي على آخر الأحلام والمثاليات.

٭ كاتب صحافي جزائري

آخر الأحلام!

توفيق رباحي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية