اربيل ـ «القدس العربي»:حضيت التطورات المتسارعة في إقليم كردستان العراق هذه الأيام باهتمام بارز سواء للشارع العراقي أو القوى السياسية التي تترقب عودة النواب والوزراء الكرد للمشاركة في تحريك جمود البرلمان والحكومة المعطلين وسط تطورات في ترتيب البيت الكردي المتأزم والمثقل بالمشاكل.
وقد جاءت زيارة رئيس الجمهورية فؤاد معصوم إلى إقليم كردستان ضمن محاولات تحريك مياه الحياة التشريعية الراكدة نتيجة انقسام البرلمان، حيث ركز في لقاءاته مع القادة في أربيل والسليمانية على اقناع النواب الكرد بالعودة والمشاركة في عقد جلسة شاملة للبرلمان ليمكن تمرير تشكيلة وزارة حيدر العبادي الموعودة الذي أصبح يعقد جلسات حكومته بنصف عدد وزرائها. ونظرا لأن الكتل الكردية تسعى لاغتنام الأزمة الحالية في فرض شروطها على البرلمان والحكومة، فقد جاء رد الأحزاب الكردية برفض العودة إلا بعد تلبية طلباتها وشروطها التي مضت سنين دون التوصل إلى حل بشأنها، وهو ما يعني ان الأزمة السياسية لن تجد لها حلا في القريب العاجل. وفي إطار إعادة ترتيب البيت الكردي لمواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة، شهدت السليمانية احتفالية متميزة بمشاركة دولية لتوقيع اتفاق لتوحيد العمل السياسي بين الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال الطالباني وحركة التغيير (كوران) بقيادة نوشيروان مصطفى لتوحيد عملهما السياسي في البرلمان والحكومة وفي الانتخابات المقبلة، وقد حضي الاتفاق بترحيب الكثير من الأحزاب الكردية والسياسية في بغداد، ولكنه أثار مخاوف لدى البعض وخاصة حزب الديمقراطي الكردستاني بقيادة مسعود البارزاني، الذي اعتبره موجها ضد سلطاته خاصة ما يتعلق بتأكيد بنوده على احياء البرلمان الكردي المعطل بقرار من أربيل وإعادة التحدث حول رئاسة الإقليم وإعادة النظر في العلاقة مع بغداد.
وقد أعربت قوى كردية لـ«القدس العربي» عن ترحيبها بالاتفاق كتحالف سياسي بين القوى الكردية، إلا انها لم تخفِ قلقا من ان يكون بداية تقسيم الإقليم بين جناح أربيل ودهوك الذي يقوده الحزب الديمقراطي من جانب وجناح السليمانية وحلبجة الذي يقوده الاتحاد الوطني وكوران من جانب آخر، حيث تنقسم باقي الأحزاب الكردية الآن على الطرفين.
ومعروف للمتابعين للشأن الكردي، ان تاريخ العلاقة بين الأحزاب الكردية كان حافلا بالكثير من المشاكل والأزمات في الفترات الماضية تتركز بعض أسبابها على تقاسم السلطة والنفوذ ويعود بعضها إلى تداخل العامل الداخلي والإقليمي والدولي في الشأن الكردي، ووصلت أحيانا إلى الصدام المسلح كما حصل عام 1995 عندما اندلع القتال بين البيشمركه العائدة للحزبين الرئيسيين الديمقراطي والاتحاد في أربيل والتي حسمها دخول الجيش العراقي آنذاك عندما أمر صدام حسين حرسه الجمهوري بدعم مسعود البارزاني وحماية أربيل من السقوط في يد جلال الطالباني. ورغم الاتفاقيات التي عقدت لاحقا بين الطرفين برعاية دولية إلا ان أجواء ضعف الثقة والتنافس ظلت تطل برأسها بين آونة وأخرى، وقد أطلت هذه الأيام بقوة في المشهد مع تزايد أزمات الإقليم السياسية والأمنية والاقتصادية.
وعندما وقعت أزمة التظاهرات المطالبة بالإصلاحات وإعادة الرواتب المقطوعة في تشرين الاول/اكتوبر 2015 اعتبر الحزب الديمقراطي، حركة كوران وراء تلك التظاهرات فعمد إلى منع قادتها من دخول أربيل ومنهم يوسف محمد رئيس البرلمان مع أربعة من وزرائها، مما أدى إلى تعطل البرلمان. ولكن الحزب الديمقراطي واصل الاتصالات مع الاتحاد الوطني على أمل استمالته في معركته ضد كوران، ويبدو ان استمرار تلك العلاقة لم يؤد إلى نتيجة مما دفع قيادتا الاتحاد الوطني والتغيير إلى عقد اتفاقهما الجديد. علما ان الحزبين كانا في الأساس تنظيما واحدا وانشق «التغيير» عنه.
وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع اهتمام ملحوظ من قبل القوى السياسية الكردية بالاحتفال بمناسبة مرور الذكرى المئوية لإتفاقية سايكس بيكو التي قسمت الوطن العربي ورسمت حدودا اعتبرها الكرد أضاعت عليهم فرصة قيام وطن قومي للكرد في المنطقة.
وشهدت ساحة قلعة أربيل وشوارعها، نشاطا متميزا هذا العام بمناسبة مئوية اتفاقية سايكس بيكو، من خلال تنظيم احتفالات وتظاهرات حاشدة، أعلن منظموها موت الاتفاقية مع نتائجها، وطالبوا علنا بالإنفصال عن بغداد واعلان الاستقلال وقيام الدولة الكردية التي تضم 36 مليون كردي في أربع دول، كحق مشروع للشعوب في تقرير المصير، مع التركيز على الرغبة في بقاء علاقات الجيرة الطيبة مع العرب، إنطلاقا من التاريخ والدين والمصالح المشتركة.
وقد قاد زعماء الحزب الديمقراطي حملة منظمة للتشكيك في جدوى استمرار العلاقة والإرتباط ببغداد وتوجيه الإتهامات إلى كل الحكومات العراقية منذ قيام الدولة العراقية الحديثة، باستغلال الكرد واضطهادهم وحرمانهم من حقوقهم، وهو ما أشار إليه رئيس الإقليم مسعود البارزاني لدى استقباله وفد الاتحاد الأوروبي مركزا على انه «لا يجوز الإصرار على إعادة ممارسة تجربة فاشلة» في إشارة إلى ربط الإقليم بالحكومة المركزية في بغداد، وكرر ذلك العديد من المسؤولين في حزب البارزاني، ومنهم القيادي الكردي ورئيس برلمان الإقليم السابق كمال كركوكي، عندما قال: إن «اتفاقية سايكس بيكو أثبتت فشلها، ونحن في إقليم كوردستان، نرى ما جرى لهذا الشعب خلال الـ100 عام الماضية، حيث تعرض لجرائم التطهير العرقي والإبادة الجماعية، وتخريب البيت الكوردي على مر السنين». وأكد ان «علينا جميعاً أن نكون واعين وحريصين على ألا نفسح المجال أن تتكرر المأساة لشعبنا في المستقبل، وعلينا جميعاً أن نكون حاضرين لإجراء الاستفتاء، حتى يوصل الشعب صوته للعالم».
وتبدو تطورات الأوضاع في إقليم كردستان، متجهة نحو مفترق طرق بآفاق مفتوحة يلخصها القيادي في الاتحاد الإسلامي الكردستاني خليلي ابراهيم الذي تحدث لـ«القدس العربي» : «اننا بصدد مواجهة مشاكل متراكمة ومتفاقمة في كردستان ولن يكون هناك مخرج إلا بتوافق وطني يتفق على برنامج لحل المشاكل ومنها إنهاء تجميد البرلمان وأزمة رئاسة الإقليم والأزمة المالية والأمنية».
مصطفى العبيدي