إسطنبول ـ «القدس العربي»: توج التفجير الانتحاري المزدوج في العاصمة التركية أنقرة مسلسل الدم الذي بدأ في البلاد بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في تركيا في السابع من يونيو/حزيران الماضي، ويتصاعد مع اقتراب جولة الإعادة في الأول من نوفمبر/تشرين الثاني المقبل، مخلفاً آلاف القتلى والجرحى، واتهامات متبادلة بين الأحزاب التي تحاول استغلال هذا الكم من الدماء لتحقيق مكاسب في الجولة المقبلة من الانتخابات التي لم يتبقى عليها سوى أقل من ثلاثة أسابيع.
ويحتدم الصراع الانتخابي في البلاد بين حزبي العدالة والتنمية الحاكم، وحزب الشعوب الديمقراطي ـ غالبية أعضائه من الأكراد ـ حيث تتصاعد الاتهامات المتبادلة بين الطرفين عن الجهة المسئولة عن تجدد الاشتباكات بين الجيش التركي ومسلحي حزب العمال الكردستاني «بي كا كا»، والتفجيرات التي استهدفت نشطاء أكراد وخلفت أعداد كبيرة من القتلى والجرحى.
وبحسب الإحصاءات الصادرة عن الجهات الأمنية الرسمية، قَتل الجيش التركي، منذ 22 تموز/يوليو في عملياته ضد «المنظمات الإرهابية» داخل تركيا وخارجها ـ الغارات على مواقع حزب العمال الكردستاني شمال العراق ـ 1464 مسلحاً، في حين قُتل 140 من الجيش والشرطة التركية في العمليات المسلحة لـ»بي كا كا»، فضلًا عن مقتل 36 مدنيًا، وإصابة 458 شخصاً.
وينقسم الشارع التركي في تحليل التطورات الأخيرة، بين من يرى أن حزب الشعوب الديمقراطي هو واجهة سياسية لمسلحي حزب العمال الكردستاني ومتهم بالتستر على العمليات الإرهابية في البلاد، وبين من يرى أن الحكومة التركية التي يقودها حزب العدالة والتنمية سعت لافتعال الأحداث الأخيرة لكسب مزيد من الأصوات في الانتخابات المقبلة.
وتعتبر الانتخابات المقبلة «حاسمة» بالنسبة للعديد من الأحزاب السياسية في البلاد، لا سيما العدالة والتنمية الذي ينفرد بحكم البلاد منذ 12 عاماً، لكنه خسر في الانتخابات الأخيرة الأغلبية البرلمانية، ويسعى إلى استعادتها في الانتخابات المبكرة التي أقرت عقب فشل الأحزاب بالتوافق على تشكيل ائتلاف حكومي.
واتهمت المعارضة التركية الرئيس رجب طيب أردوغان الذي ما زال يعتبر بمثابة «الزعيم الروحي» للحزب، بالضغط على العدالة والتنمية من أجل عدم تشكيل حكومة ائتلافية وافتعال الأحداث الأمنية الأخيرة في البلاد من أجل العودة إلى صناديق الانتخابات على أمل استعادة الأغلبية البرلمانية التي تمكنه من تشكيل حكومة بمفرده وربما القدرة على تغيير الدستور وتحويل نظام الحكم في البلاد إلى رئاسي.
كما يتهم حزب الشعوب الديمقراطي الحكومة التركية بالتقاعس في حماية الفعاليات الخاصة بالأكراد ويصل الأمر ببعض أنصار الحزب وأطراف من المعارضة لاتهام الحكومة بتدبير الهجمات الانتحارية الأخيرة في أنقرة وما سبقه من تفجير انتحاري في «سوروج» الذي اتهمت الحكومة تنظيم الدولة الإسلامية بالمسئولية عنه، وستصوت شريحة من الناخبين ضد العدالة والتنمية انطلاقاً من هذه القاعدة.
وفي مؤشر على تصاعد حدة الاحتقان في البلاد عقب التفجير، أطلقت الشرطة التركية النار في الهواء لتفريق مئات المتظاهرين الغاضبين الذين حاولوا مهاجمة الشرطة في موقع التفجير متهمينها بالتقصير في توفير الحماية لهم، ورددوا هتافات ضد الحكومة وأردوغان وعبارة «الشرطة قتلة». وفي تطور آخر، اتهم الرئيس المشارك لحزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين ديمرطاش الحكومة بالمسئولية عن التفجير، وقال: «إننا أمام دولة مجرمة تحولت إلى مافيا»، وكتب آلاف أنصار الحزب على مواقع التواصل الاجتماعي اتهامات للحكومة وأردوغان بـ«القتل».
في المقابل، يتهم قيادات وأنصار «العدالة والتنمية» حزب الشعوب الديمقراطي بالمسئولية عن إراقة الدماء في البلاد ومحاولة استعطاف الشارع التركي من خلال «الدم»، وتقول شريحة من الناخبين إنها ستصوت للحزب كي يعود الاستقرار إلى البلاد.
وفي تصريحاته عقب هجوم أنقرة، السبت، عاد أردوغان ليهاجم حزب الشعوب الديمقراطي، وقال: «من يتعاملون (دون أن يسميهم) بمعايير مزدوجة مع الأعمال والتنظيمات الإرهابية، هم أكثر من يقدمون الدعم للإرهاب»، مضيفاً: «لا فرق أبدًا بين الأعمال الإرهابية التي استهدفت جنودنا وشرطتنا وموظفينا ومواطنينا الأبرياء في السابق، وبين الهجوم الإرهابي، الذي استهدف مواطنينا المدنيين اليوم في محطة القطار بأنقرة».
كما أشار رئيس الوزراء أحمد داود أوغلو بأصابع الاتهام إلى ثلاث منظمات يمكن، برأيه، أن تكون نفذت تفجير أنقرة، وهي حزب العمال الكردستاني وتنظيم الدولة الإسلامية «داعش» والجبهة الثورية لتحرير الشعب اليسارية المتشددة.
وأعلن حزب العمال الكردستاني السبت تعليق عملياته، وقال بيان صادر عن منظومة المجتمع الكردستاني وهي الهيئة التي تشرف على حركات التمرد الكردي: «استجابة للنداءات التي أتت من تركيا والخارج فان حركتنا أعلنت وقف نشاط مجموعاتنا المقاتلة لفترة إلا إذا تعرض مقاتلونا وقواتنا لهجمات»، وهو الإعلان الذي لاقى تشكيكاً من قبل الحكومة وأنصارها، معتبرين أن «الشعوب الديمقراطي بالتعاون مع العمال الكردستاني يحاولان استغلال الأحداث لمكاسب انتخابية».
ويحتاج حزب العدالة والتنمية إلى 18 مقعداً إضافياً لكي يتمكن من تشكيل حكومة بمفرده أي ما يعادل قرابة ٪3 من الأصوات تضاف إلى ٪41 حصل عليها في الانتخابات الأخيرة، وترجح استطلاعات الرأي حصول الحزب على نسبة ٪42 في الانتخابات المقبلة بفارق بسيط عن السابق، لكن يبقى للتطورات التي ستشهدها البلاد خلال الأيام المقبلة دور مهم في حسم النتائج التي ستوضح شكل الخريطة السياسية في البلاد للسنوات المقبلة.
إسماعيل جمال