أباطرة المال ينتصرون في موقعة «منيل شيحة»!

الحديث عن موقعة «منيل شيحة» يستوجب التعرف على الموقع الذي جرت فيه؛ هي قرية من أكبر قرى مركز «أبو النمرس»، وكانت في السابق تابعة لمركز الجيزة؛ وموقعها المتميز والفريد جعلها محط أنظار أثرياء الانفتاح والخصخصة والتطبيع والأمركة؛ وفي مطلع الشهر الجاري تصدرت الأخبار وعناوين الصحف وشاشات الفضائيات ووسائط التواصل الألكتروني.. فعلى أرضها أقيم قصر صلاح دياب؛ أحد أباطرة المال.. أشبه بقارون القرن الواحد والعشرين، وقد قبض عليه، وأفرج عنه سريعا.. وتحولت «منيل شيحة» على يد أباطرة المال إلى «مستوطنة»؛ تبعدهم عن الناس؛ يحدها من الشرق نهر النيل؛ على ضفته المقابلة لضاحية المعادي؛ جنوب القاهرة، ومن الغرب مدينة «أبو النمرس».. ولها ظهير واصل إلى «سقارة»، أهم مواقع الآثار القديمة، وفي شمالها يقع حي حنوب الجيزة، وتنتهي حدودها الجنوبية بقرية «المنوات».
وهذه القرية تعتبر عاصمة الأثرياء ولها حكومة ظل مشكلة من ممثلين لأولئك الأباطرة.. وقد اُتخذت موطنا مفضلا لـ «الاثرياء الجدد»، وهم من تضخمت ثرواتهم مجهولة المصدر أو المشبوهة.. وبها اغلى القصور والبيوت لشريحة يأتيها المال من غير حساب، وتفهم فقط في شراء وبيع أي شيء واستمدت قوتها من ضعف الدولة ورضوخها لابتزازهم، ومن التحول العكسي في منظومة القيم، وهو ما أدى إلى انهيار التعليم وضحالة الثقافة وإحلال الخرافة والشعوذة بديلا عن الدين والفلسفة والعلوم والفنون والآداب والفلك والتقانة.. وبؤس هذه الشريحة يمكن متابعته من عدوانها المستمر على النهر الخالد، استقطعوا منه ما استطاعوا وألحقوه بـ»مستوطناتهم».. ولم يرعوا له حرمة ولوثوه، ومنهم من جعل منه مكبا لمخلفاتهم الآدمية وغير الآدمية.
وقصر صلاح دياب واحد من قصور أقيمت على أرض تبرع بها الأمير ترك بن عبد العزيز، لبناء مستشفى عام (مجاني) لخدمة أهالي المنطقة. وأشارت «ويكيبيديا – الموسوعة الحرة» إلى اللافتة التي كانت معلقة ومكتوبا عليها: «تَبرُّع من الامير ترك بن عبد العزيز لبناء مستشفى عام».. وعلى أرضها أقيم قصران لمحمود واحمد دياب، وساعد على ذلك مسؤولون عن املاك الدولة؛ يعاونهم سماسرة القرية، واعضاء المجالس المحلية بالقرى والمراكز المجاورة، وذلك بمعرفة المحافظة واعضاء مجلسي الشعب والشورى فيما سبق؛ وبجهود ذلك الجيش الجرار من المسؤولين تم الاستيلاء على الأرض والاستحواذ عليها بأوراق «قانونية» مضروبة.. ولم تسعف بلاغات المتضررين إلى النائب العام أحدا.
وبقيت الوقائع المخفية أكثر من المعلومة.. وحلت المعلومات الناقصة محل الحقائق الدامغة.. واستطاع أباطرة المال جذب وشراء «إعلامين جدد».. وهم من أصروا على وصف المتهم بـ «مؤسس المصري اليوم»، وبدت وكأن التهم لها علاقة بقضايا الرأي؛ وأشرنا إلى ذلك في مقالنا الماضي، وحول الإعلاميين الجدد هذا المتهم تحديدا إلى «بقرة مقدسة» تُعبد وتُدلل ولا تحاسب.. وتجاهلوا أنه مركز من مراكز القوى الكبرى، وأقوى رموز «التطبيع الشامل»، إذا جاز التعبير؛ وشريك أكبر في الاحتكارات الصهيونية العاملة في مصر وخارج مصر؛ في الزراعة والغذاء والنفط والذهب والأراضي والمباني والمنتجعات والفنادق.. وسبق ونشرنا عنها قبل «الموقعة».
لم يكن صلاح دياب وحده المقبوض عليه؛ كان معه شريكه محمود الجمال؛ والد خديجة زوجة جمال مبارك؛ وكلاهما كانا ضمن مجموعة من سبعة عشر متهما.. ومثل هؤلاء يطلق عليهم الإنكليز «تايكونز»، أي ملوك المال، ومفردها «تايكون»..
وكان النائب العام نبيل صادق قد أمر، بالتحفظ على أموال صلاح دياب وزوجته وعدد من شركائه، وبينهم محمود الجمال.. وتم تنفيذ أمر النائب العام يوم الأحد 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2015.. والتهم التي وُجهت إليهم كانت عن الاستيلاء على أراضي الدولة، بجانب تهم أخرى، ودورهم في قضية فساد وزارة الزراعة، التي أقيل فيها وزير الزراعة وألقي القبض عليه فور إقالته.
وتمت عملية القبض دون حسابات دقيقة؛ تراعي حجم ووزن «عائلة صلاح دياب» لدى تل أبيب وشبكات مصالحها المتغلغلة في مصر والوطن العربي، وكما أن «الأخوة ساويرس» معروف عنهم أنهم واجهة للمصالح الأمريكية في مصر والوطن العربي، وهم أول من دخلوا العراق وأقاموا به أكبر شبكة اتصالات مع الغزو(!!).
صلاح دياب شريك محمود الجمال في شركة «صن ست هيلز للاستثمار» من سنة 1995، وحصلا معا على 750 فدانا (ثلاثة ملايين ومئة وخمسين ألف متر مربع) على طريق القاهرة – الاسكندرية الصحراوي، بغرض الاستصلاح والاستزراع، وبسعر 300 جنيه للفدان الواحد. ولم يزد سعر متر الأرض المربع وقتها عن 71 قرشا إلا قليلا.. وتحولت إلى منتجعات، بِيعَ المتر المربع فيها بآلاف الجنيهات.
ويبدو أن الموقعة وقعت بسبب عدم دقة حسابات أحد أصحاب القرار، وتصور أنه قادر على إلقاء القفاز في وجه الأخطبوط الأمريكي والتغلغل الصهيوني في ضربة واحدة؛ واستهدف محمود الجمال؛ بهواه الأمريكي وصلاح دياب بارتباطه الصهيوني.. ويبدو أن صاحب القرار هذا كان بإزاء توجيه ضربة مماثلة لضربة مصطفى أمين سنة 1965، وكان قد ضُبط متلبسا بفيللا بالإسكندرية مع «بروس أوديل» ضابط المخابرات المركزية في مصر، وصدر ضده حكم بالسجن 15 عاما.. وأفرج عنه السادات ضمن قائمة جواسيس صهاينة وأمريكيين؛ في عملية لتبادل الأسرى بين القاهرة وواشنطن وتل أبيب، وهذا ذكره الفريق محمد رفعت جبريل (المعروف في الأوساط المخابراتية بـ»الثعلب») للباحث عمار علي حسن ونُشر في «المصري اليوم».
وكانت أجهزة الصحافة الإعلام السعودية قد تولت تبييض صفحة الأخوين علي ومصطفى أمين، وهذا ما تولته أجهزة إعلام خاصة بالنسبة لصلاح دياب.. والمشكلة في تداعيات قرار القبض عليه.. حيث ارتد السهم إلى صدر من أطلقه، وغاب عنه أن الإدارة الأمريكية في ستينات القرن الماضي لم تكن بقادرة على التدخل أو الضغط على مصر، وعجزت حتى عن تخفيف حكم السجن لخمسة عشر عاما عنه. ولم يفرج عنه إلا بعد رحيل عبد الناصر، واتجاه بوصلة السياسة المصرية نحو واشنطن وتل أبيب..
لم يستجب مصطفى أمين لمناشدات من طالبوه برفع قضية رد اعتبار.. وهو الذي يعلم أن الوقائع والأدلة دامغة.. واطلع عليها الصحافيون فور وقوعها في نقابتهم.. وسجل الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل تفاصيل وقائعها في كتابه «بين الصحافة والسياسة».. وبه وثائق بخط يد مصطفى أمين.. ولم يرد على ما جاء بالكتاب، ولم يسع لمقاضاة هيكل.. وقنع بالإفراج الصحي، وهو لا يسقط الإدانة، وأعيد للصحافة، ففي 1974 أصدر «السادات» قرارا بتعيين شقيقه على أمين رئيسا لمجلس إدارة مؤسسة «أخبار اليوم»، وتعيينه رئيسا لتحريرها.
هزت موقعة «منيل شيحة» صورة الدولة، وبدت أعجز من الحد من الأخطبوط الأمريكي والتغلغل الصهيوني.. وحساباتها الخطأ أدت إلى أن رئيس الدولة ينتصر لصلاح دياب، تحت ضغط أباطرة واستنكارهم لطريقة القبض عليه.. وبدا قانون المال فوق كل قانون.. ونجح أباطرته في الحصول على تأكيد من الرئيس السيسي بـ»ثقته» فيهم(!!).
ورد صلاح دياب على «تحية الرئيس» بأحسن منها، وقال في «المصري اليوم»:
«أقدر هذا الرجل.. أحبه مثل ملايين المصريين المخلصين الذين خرجوا يوم أطلق نفير الاستنهاض الذي جعلنا ننتفض جميعًا من أجل الوطن، ويوم ذهبنا نعطيه أصواتنا بحب وصدق، وتحمل عبء، وأثقال حكمنا» وأضاف: «كرمني الرئيس لثقته في رجال الأعمال، وثقته في ما أحمله له من مشاعر»(!!).
غدا أو بعد غد إذا ما وقعت الواقعة، لا قدر الله. سنرى أولئك الأباطرة في صدارة المشهد؛ يطلبون بالتدخل الأجنبي، ولن يمانعوا في استقبال الغزاة وفتح الأبواب أمامهم. ويجعلون من أنفسهم أدلة ومرشدين، وهم يحملون معاول الهدم، ويؤلبون الناس على بعضهم البعض..
وأثبتت الإدارة المصرية طوال السنوات الخمس الماضية أنها أدنى من مستوى التحدي.. وإذا أرادت أن ترتقي إلى مستواه عليها الانتصار على النفس أولا والثقة في الشعب ثانيا.. ودون ذلك فلا نفع لمال أو بنين.. والمال وحده لا يصنع استقرارا وأباطرته لا يحققون تقدما.. والدولة التي لا ترى إلا الرهان على أباطرة المال تسقط الشعب من حسابها، وتلقيه على قارعة الطريق، وتسلم نفسها للخواء والعجز!!.

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية