تظللنا الآن أيامٌ مفترجة يتزامن فيها النصف الأخير من شعبان مؤذناً باقتراب شهر رمضان المبارك بمسلسلاته اللامنتهية ومباريات كأس العالم لكرة القدم بكل سخونتها ومتعتها… فإذا أضفنا إلى ذلك ما لحق بثورات «الربيع العربي» التي شاخت وقفزت إلى خريفٍ مبكر قبل نضج التين والعنب، وما يحدث في العراق بعد سوريا، فإن المواطن العربي (في غير الدولتين الأخيرتين) عاد إلى مقاعد المتفرجين يشاهد في غمرةٍ من الأحداث والإثارة، كما عادت بلاد العرب أوطانه إلى خانة المفعول به، خاصةً أن الغالبية العظمى (ولن أزعم أنني لست منهم) لم تعد تفهم بالضبط تلك الفوضى وذلك الالتباس من تداخل الأطراف ومن يلعب مع من ولصالح من، إلا أنها تحدس بأن العواقب وخيمة، وأن السماء ستتساقط كسفاً فوق رؤوسها، وسيخرج الغرب وإسرائيل بنصيب الأسد، ولعلها محقةٌ في ذلك! وفي ظل تلك التطورات والتحورات فقد آثر الكثيرون الانصراف عن توافه الأمور وما لا طائل من ورائه إلى ما يفيد، فأهملوا السياسة واتجهوا إلى مباريات كرة القدم، وهو عين العقل فالأطراف «المتصارعة» واضحة ومفهومة والنتيجة حاسمة ولا مجال للمؤامرات.
لكنني للأسف لست من عشاق الساحرة المستديرة، مريضٌ بداء السياسة ومحاولة الفهم، ومع ذلك فقد تعلمت من محبي كرة القدم ومشجعيها أنه يتعين على الواحد منا «تشجيع اللعبة الحلوة» حتى إن خسر فريقه أو من يتحمس له، وعلى ذلك فلا بد من الإقرار بأن النظام في مصر لعب لعبةً حلوة طيلة الثلاث سنوات الماضية، أثبت أنه الأكثر حرفيةً عن جدارة فنجح في استيعاب موجات الحراك الثوري، ترويض البعض وكسر البعض الآخر، على الأقل حتى الآن.. وقد دأبنا في الفترة الماضية على التساؤل متبرمين ومنددين:»أين مكاسب الثورة؟!» لكن لعله من الأنسب الآن أن نتحدث عن مكاسب الأنظمة التي أتت بالضرورة خصماً من المكاسب الشعبية التي كانت ممكنة ومأمولة.
لقد تصرف النظام، وعلى رأسه القوات المسلحة والمنظومة الأمنية – الاستخبارية بذكاءٍ وحنكة ومرونة، حين قرروا التضحية بمبارك والتخلص منه كورقةٍ عجوز مكلفة، للحفاظ على تماسك المنظومة وبقائها ثم استغل شتى الأوراق الممكنة، فقام بعقد تحالفات مناسبة في أوقات حاسمة ومفصلية، وبالأخص مع الإخوان المسلمين (اللاعب القديم والكبير على الساحة، الذي يملك خبرةً طويلة في التفاهم واللعب معه) ليحيدهم ريثما يتمكن من الاستفراد بالشباب الثائر في شتى الميادين وضربه بقسوة، كما حدث في محمد محمود وماسبيرو، على سبيل المثال لا الحصر، ومن ثم استغل فترة حكم الإخوان في ترميم هياكله وبناه بعد أن قام بتعميدها بأسامٍ جديدة كـ»جهاز الأمن الوطني» عوضاً عن أمن الدولة، وكله مما يصب في التغيير الشكلي بهدف طمس أسامٍ تحيل إلى مضامين وتستحضر ممارساتٍ قبيحة ووضيعة السمعة.
لكن اللعب الحقيقي جاء في صورة استراتيجيتين شديدتي الخطورة: الأولى تتمثل في إطلاق كل عناصر الفوضى وعدم الاستقرار على الشعب؛ لقد قررت أجهزة الدولة العميقة أن تعاقب الناس وتحرمهم من ثمار ذلك الحراك الثوري، وليت الأمر توقف عند هذا الحرمان، إنما تخطاه إلى إجراءات وسياسات عقابية من إطلاق البلطجية والانسحاب الفعلي من قبل الشرطة من الشوارع، وترك الناس نهباً لقانون الغاب ونواميس بدائية تحتم أن البقاء للأقوى، إلى أزمات الوقود والكهرباء وما يتبع كل ذلك من آثارٍ اقتصادية عبرت عن نفسها في معدلات البطالة المرتفعة وانقطاع الأرزاق. أما ثاني استراتيجية فتمثلت في إطلاق كل الأبواق الإعلامية، «الأمنجية» في حقيقة الأمر، لتشويه الثورة وشيطنتها ووصمها بالعمالة، متناسين أنها ثورة شعبٍ مفقر وليس مجرد مجموعة من الشباب والناشطين، ولها من صفاقة تلك المساعي والأقوال للتدليل دائماً وأبداً على كون الثورة لم تجلب سوى الفوضى ووقف الحال، وكم أصابت العرب حين قالت «رمتني بدائها وانسلت». للأسف، لا أجد مفراً من الاعتراف بأن تلك الحملة الإعلامية تمكنت من تشويه الحقائق والتدليس وخلط الأوراق، حتى تمكنت من خلق واقعٍ – خياليٍ مواز يصدقه عامة الجمهور ويصدرون عنه في آرائهم وتحليلاتهم وخياراتهم.
لقد سمح النظام من ثم للإخوان بحرق أنفسهم.. مد لهم الحبل حتى شنقوا أنفسهم..لا يعني ذلك أنه لم يلعب لزعزعة سلطتهم، إلا أنهم كانوا كفيلين بحرق أنفسهم، بما ارتكبوا من كمٍ مدهشٍ من الحماقات، قولاً وفعلاً، من عينة الاجتماع السري-المعلن عن سد النهضة، وأتبعت ذلك التطمينات الصريحة بأن الجيش وسائر القوى الأمنية لن تتدخل إذا تحرك الناس ونزلوا إلى الشوارع.. فنزلوا، والباقي معلوم.
الباقي كفرٌ من قبل قطاعاتٍ عديدة بالثورة، على الرغم من كونها ربما ساهمت بحرارة فيها واستدعاء للنظام والدولة ولعنف الدولة على وجه الخصوص، حيث باتت تطالَب بأن ترتمي على كل المعارضين و»الإرهابيين» خاصةً بكل ثقلها، بقضها وقضيضها، ولتعدم كما شاءت وشاء قضاؤها «الشامخ» ولتعتقل وفق قانون تظاهرٍ خارجٍ من عالم اللامعقول والغرائبي.. لم ينتخب الناس السيسي الشخص وإنما انتخبوا الدولة، تلك التي رممت شعبيتها قبل أجهزتها بعد امتحانٍ وجودي قاس ومزلزل.
لا شك أن الذي خطط وما زال لتلك التحركات ليس بالغبي، وإنما شخصٌ أو هيئةٌ أو جهازٌ محنك.. ذلك «الأخ الكبير» كما سماه أورويل أو «أبونا الذي في أجهزة الاستخبار»، الذي يمسك بالخيوط ويسرب المعلومات للمذيعين «الأمنجية» ويحرك أفراداً كالدمى ويعقد الصفقات في الخارج والداخل. قد يعترض عليّ أحدهم بأن الأنظمة (وعلى رأسها النظام السوري) ارتكبت حماقات عديدة، ولن أختلف معه، إلا أنها مع ذلك ظلت أكثر تماسكاً وأفضل تدريباً وأقل تشرذماً وأوضح اهدافاً (على انحطاط هذه الأهداف) وأطول نفساً من باقي الأطراف.. في النهاية الموضوع نسبي، ولا يعني ذلك أنني لا أرفضها، إنما هو مجرد تقرير واقع وتقييم أداء. النتيجة أن النظام المصري أثبت جدارته، تعرض لهزةٍ عنيفة فأثبت مرونة ومراساً واستمر، وإن كان جريحاً. لقد اشترت هذه الأنظمة وقتاً إضافياً، غير أن الزمن ليس في صالحها، فالوعي قد زاد والتوقعات عالية وما لم تحدث طفرة نوعية على المستوى الاجتماعي – الاقتصادي فستحفل السنوات المقبلة بالقلاقل، وربما ثورات. أما الآن، فلتستمتع الأنظمة والشامتون من ورائها ببقائها.. لقد سئم أغلب الناس وآثروا ما يعرفون على ترهله وقبحه على ما لا يعرفون من جنانٍ موعودة، و»الاستقرار» الكئيب على الفوضى .. ومن كان لديه ثمة شكٌ في ذلك فليُعِد تأمل «الرئيس» بوتفليقة بجاذبيته التي لا تقاوم وحيويته المتدفقة وهو يمضي في طريق فترةٍ رئاسيةٍ جديدة على كرسيه ذي العجلات…اللهم لا شماتة!
٭كاتب مصري
د. يحيى مصطفى كامل