أبداً لن أعتذر عن الحب

حجم الخط
0

هكذا على حين غرة تظهر في وقت، أبدا لا يمكنك أن تتوقع فيه ظهورها.. دوما يتعبك انتظارها، حتى لو كنت محملا بـ«درس كاماسوترا في فن الانتظار»، بعد أن تكون قد حفظت هذا الدرس عن ظهر قلب، واسترجعت تفاصيله في خلواتك الأثيرة..
للحظات يتلاعب بك الضيق، واليأس من حضورها، يحفر ببطء في تربة ذاتك المتعبة، لكن ما إن تلوح إليك من بعيد، حتى تطيح بكل الغضب الذي تراكم في القلب والذهن، فتقول في نفسك «إنها حقا تستحق الانتظار»، وتسترخي ابتسامة جذلى عل شفتيك.
هيفاء تأتي، تتأبط عبيرها المتدفق، ذلك الذي لا يميز تدفقه ما بين الفصول، ثرا يكون ومنسابا ببهاء في كل الأزمنة. دوما تتقدمها وسامة تعلن عن نفسها، قوية وبلا أدنى تحفظ، حيرى تأتيك، مختالة في ما يشبه مشية الزمن المترنح، الثمل بأبديته المتجددة.
بنظرة نجلاء تطل من وراء الأفق البعيد، تتدفق منسابة من عينين تخونهما الألوان باستمرار، فتتسربلان في كل لحظة بلون مختلف، كل لون يورطك فيهما أكثر. وحين تحاول اكتناه سره مدفوعا برغبة مبهمة، يزداد عليك الأمر استغلاقا وغموضا.. بجسدها النحيف تقبل عليك ذات ظهيرة، وكأنها تبث إليك على عجل تباريح زمن، لم يعد من جدوى أن تخضع لسلطته القاهرة. تتحاشى النظر إليك، وكأنها تخشى أمرا وشيك الوقوع.. تستكين في ركن مكين، تعيد خلق الحكاية في قرارة نفسها من جديد، تحضنكما السيارة وتمضيان في اتجاه لا يعلمه غير الله.. في الطريق تتحصن بصمتها، تمتد يدها النحيلة نحو فيروز، تمرر أناملها الرفيعة على حنجرتها، فينطلق صوتها مغردا بأغنيتها الجميلة «أسامينا».. تستمر السيارة في سيرها محفزة بالصوت الملائكي الجميل، تنهب الطريق نهبا، فيخيل إليك وكأنها فقدت القدرة عن التوقف.. تشعرك بأنها تتواطأ مع رغبة دفينة، تطل على استحياء، ثم ما تلبث أن تتوارى مستترة في مكان خفي، تمتد يدك نحوها، تلمس يدا فقدت حيادها، يقشعر بدنك، تلجم نفسك، تعود القهقرى نحو ذاتك التائهة..
فيروز تعيد –في الخفاء بناء ما تهدم، تنطلق أغنية جديدة «أنا لحبيبي وحبيبي إلي»، تخوض بكما السيارة في أرض خلاء، فصل الربيع يفرش الأرض لكما بساطا أخضر جميلا، توشحه ألوان مختلفة الأشكال، ما بين العسجدي والأحمر القاني.. تتوقف السيارة على مشارف زرقة البحر، تسافر أعينكما في متاهة اللون الأزرق المتمدد إلى ما لا نهاية، يلفكما الصمت من جديد، تكسره بسبق إصرار تلكم المشاكسة بحوارية جميلة تستعيد شغب الطفولة وأحلامها اللذيذة، تمتد يد حالمة نحوها، تصدها بإصرار، تجتر خيبتك، تتماهى مع لحظتك المنفلتة من قسوة الزمن، تسترق النظر إلى عينيها، فتكتشف أن لون عينيها قد تغير ثانية، تكرر المحاولة.. أخيرا تستسلم يدها في راحتك، ثم ما تلبث أن تسحبها نحوك، تتمنع للحظات، لكن ما فتئ منطق الحب أن تغلب، تتملككما لحظته القوية، تتداخل الخطوط في ما بينها.. تتشابك.. يتوقف الزمن، يرتعش الوجود، تضاف إلى سخونة الأرض درجة واحدة على مقياس الحب، تفقد السماء توازنها، فتمطر غيماتها المرتبكة، تسترخي بتلات الزهور من حولكما و تصبح أكثر نضارة.. سحنة الهيفاء تتغير، يبدو عليها الخجل، خجل يترنح على ملامح لا تستقر على حال..
مصطنعة الغضب تغادر السيارة.. تلحق بها، ترى في ملامحها بقايا «غضب»، تحاول أن تسترضيها بكلمات تمتص نار غضبها، لكن في لحظة ما تشعر بأنك غير قادر على ذلك، فتخاطبها قائلا :
«أبدا لن أعتذر عن الحب».

٭ كاتب مغربي

أبداً لن أعتذر عن الحب

مصطفى لغتيري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية