أبعاد ما بعد الحداثة تأسيس معرفي ضد هيمنة الغرب الاستعماري

حجم الخط
7

يرى مفكرو ما بعد الحداثة أن قيم التنوير الأساسية: العقل، الطبيعة، الحقوق، الصدق، الأخلاق، الحرية والتقدم؛ لا فائدة منها. فهي لا تعدو أن تكون أغلفة للإمبريالية الغربية، سعت من خلالها إلى السيطرة على العالم، لتكون محصلة أعمالهم تحررا قاسيا وحضارة قاسية. وقد رفض مفكرو ما بعد الحداثة أن يكون التنوير تحريرا للعقل ورفعه فوق الدين، وهناك من اعتبر التنوير بمثابة النظام القديم الذي مهّد للجديد، المتمرد عليه وهو فكر ما بعد الحداثة، الذي رأى أن العقل الحداثي مستبد ويجنح إلى التفكير الشمولي، وهناك من رآه حركة اجتماعية بجانب كونه حركة عقلية، ويمكن فهمه من خلال الفحص الدقيق لديناميات الطبقات والمؤسسات والعلاقات الاجتماعية والقوى المادية التي تضافرت لتدمير النظام القديم، تمهيدا للثورة الفرنسية.
وفي ضوء ذلك، يمكن أن نحدد اتجاهات وأبعادا لما بعد الحداثة، تعيننا في فهم هذه الحركة الفكرية، وإدراك أطرها، والتي هي مراجعة حقيقية لمفاهيم حداثية ارتبطت بالاستعلاء الاستعماري في العالم، وذلك في أبعاد متعددة:
أولها: البعد المعرفي: ويتمثّل في مجتمع المعلوماتية، حيث اكتسبت المعرفة مشروعية وسلطة وقوة في آن واحد؛ وصارت سلعة تباع وتشترى، وسلطة متحكمة، من امتلكها بات غنيا قويا. وترى ما بعد الحداثة أن المعرفة هي القوة الرئيسية للإنتاج، وهي بالتالي عنق الزجاجة للدول النامية، إلا أن المعرفة صارت سلعة وسلطة في آن، وهذا ما وضح من خلال نشوء الشركات متعددة القوميات (الجنسيات)، والتطور الهائل في صناعة البرمجيات ووسائل الاتصال، وتطور الاقتصاد من الزراعة والصناعة، إلى مجال المعلومات ذاته، وتحوّل العالم إلى سوق دولية، وهذا يواكب العولمة وثورة الاتصالات، حيث انفتحت الأسواق العالمية للشركات العملاقة، وازدهرت تجارة الخدمات والاتصالات والمعلومات، متخطية المجتمع الصناعي، مدشنة ما بعد الصناعي.
ثانيها: البعد الاجتماعي: ويبدو في تحوّل وظيفة الدولة، وصورة المجتمع، ويكفي القول إن وظائف الضبط وإعادة الإنتاج، تُسحَب من البشر، وتوكل إلى الآلات، ويكون السؤال المحوري: من سيكون له حق الوصول إلى المعلومات اللازمة لاتخاذ القرارات الصحيحة؟ والإجابة ستكون للخبراء والطبقة الحاكمة الآن، وهؤلاء سيظلون محتكرين لصناعة القرار، كما تغيرت الطبقة السياسية فباتت شريحة مركبة من رؤساء الشركات والمديرين رفيعي المستوى ورؤساء المنظمات المهنية والعمالية والسياسية والدينية، وتراجعت أقطاب الجذب القديمة في الدول القومية مثل قادة الأحزاب والطوائف والقبائل، في الوقت نفسه تراجعت الروابط العائلية والقبلية والعرقية، وانتشرت الأسر الصغرى وتعاظمت الفردية.
البعد الثالث: تحطيم الأنساق الفكرية القاهرة والمغلقة: والتي تأخذ عادة شكل الإيديولوجيات، على أساس أنها تقدّم تفسيرا كليا للظواهر، وقد ألغت في ذلك التنوّع الإنساني، وانطلقت من قناعة وهمية، تجعل العالم يدور في فلك ايديولوجيتها.
لذا؛ فإن مفكري ما بعد الحداثة يشددون على أهمية انفتاح أي نص/كتاب لقراءات متعددة، ويدّعون أن المؤلف قد مات بانتهاء إنشائه النص، ويبقى النص منفتحا على عشرات التفسيرات والتأويلات.
والبعد الرابع: يتمثل في تحطيم مفهوم الذات والموضوع الحداثي، فلا سلطة فكرية للمؤلف أو المفكر، هو فقط يبدع ويضع فكره، وعلى الجميع أن يقرأوا هذا الفكر، ولهم الحق في قبوله أو رفضه، دون هيمنة من المؤلف، لأن المؤلف ببساطة ليس سوى عنصر يخضع لوقع النسق الاقتصادي والسياسي والثقافي، فقد انتهى الزمن الذي كان يقوم فيه نسق فكري مغلق وحيد في صياغة أهداف المجتمع وغاياته. فحركة ما بعد الحداثة تنادي بتقليص دور النظرية، وتركز على ديناميات التفاعل في المجتمعات المحلية تلافيا لعملية التعميمات الجارفة التي تلجأ إليها النظريات، مما يؤدي إلى الاعتراف بالفروق النوعية، وصور التعددية الثقافية والاجتماعية والسياسية. فنحن نحيا في عصر التنوع والانفتاح، وقبول مختلف الثقافات المحلية والعالمية، وبالتالي لا مجال لحصر فكر أو إلغاء هذا الفكر بحجة الاستقرار.
إن مختلف الإيديولوجيات التي سادت العقل الحداثي، إنما انتشرت وتدعمت بإرادة السلطة، فلابد من تشخيص الواقع كما هو، وليس كما يتخيله العقل، فالواقع المسجل من قبل، لا يعدو أن يكون صدى لانهيار العقل الكلاسيكي.
أما البعد الخامس فيبدو في دراسة تأثيرات الجمالي: ويعني أن الأطر الجمالية التي تقدّم لنا الشخصيات والمثل والقيم، تخدع الجماهير، وتزيف وعيهم، حيث يعاد بناء الشخصية ـ وإن ضعفت قدراتها ـ في وسائل الإعلام، ويتم تعليبها وتصديرها والترويج لها، فهي خداع على خداع، أي اللعب بتقنيات السوق في الترويج لما هو فكري وسياسي واجتماعي، دون النظر إلى الرسالة الثقافية التي تسطح العقول، وتجعل الفضاء الاجتماعي متشبعا تماما بثقافة الصورة أو ما يسمى بتسليع الفن، وإن تميزت ما بعد الحداثة بقبولها واستيعابها لجميع أشكال الفن الراقي والشعبي، ضمن اعترافها الإيجابي بالثقافات المختلفة، سواء كانت رسمية أم شعبية، أساسية أو هامشية .
لقد سعت المؤسسات الثقافية في الغرب عامة، والولايات المتحدة خاصة إلى إبعاد الثقافة والفن عن ميدان السياسة، لينحصر الفن في طرح ما هو جمالي، بعيدا عن مناقشة القضايا السياسية، خاصة قهر الشعوب الضعيفة، والحالة الواضحة لذلك تتمثل في تجاهل الفن الأمريكي ـ عدة سنوات ـ لمأساة فيتنام، وتورط الولايات المتحدة الأمريكية فيها بقتل مئات الآلاف من الفيتناميين، في الوقت الذي كانت تتغنى فيه بقيم الديمقراطية، حتى جاءت الشرارة من الإبداع المسرحي.

أبعاد ما بعد الحداثة تأسيس معرفي ضد هيمنة الغرب الاستعماري

د. مصطفى عطية جمعة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية