أبو القاسم الشابي يُهان في مدينته… ووزارة الثقافة غائبة

حجم الخط
0

تونس ـ «القدس العربي» عبدالدائم السلامي: هل كان الشاعر أبو القاسم الشابي (24 شباط/فبراير 1909 – 9 تشرين الاول/أكتوبر 1934)، ذاك الذي بنى أعمدة الشعر العربي في زمنه الرومانسيّ بيتًا فبيتًا، يعلَمُ أنْ سيأتي يومٌ تونسيٌّ يُهْدَمُ فيه بيتُه في مسقط رأسه بمدينة توزر؟ أيكون هذا الشاعرُ مُحقًّا عندما يئس من استكانة بني وطنه لواقع الاستعمار الفرنسيّ وسكوتهم عن المطالبة بحقّهم في الحياة وفي الحريّة فهجرهم إلى الغابِ، واتخذه بيتا تطمئنّ فيه روحُه إلى صدقِ الحياة وروعة تجدُّدها حيث قال: «بيْتٌ، بَنَتْه ليَ الحياةُ من الشذَى، والظلّ، والأَضْواءِ، والأنغامِ/ بيتٌ، من السِّحرِ الجميلِ، مشَيَدٌ للحبِّ، والأحلامِ، والإلهامِ»؟ أيكون يأسُه من شعبه إبّان الاستعمار الفرنسي إشارة ضمنيّة إلى ما سيكون من يأسه منه بعد ربيعه الثوريّ وذلك من جهة أنّ الشاعرَ جوّابٌ لآفاق الآتي، فهو -على رأي سقراط- لا يهتمّ بما حدث على غرار المؤرِّخ وإنما يهتمّ بما سيحدث؟
إنّ هدم بيت الشاعر أبي القاسم الشابي الكائن في منطقة «الشابية» في مدينة توزر (الجنوب الغربي التونسي) أمر يُحيل على استخفافنا بتراثنا الماديّ والرمزيّ، ذاك الذي تسعى الدول اللقيطة إلى تصنيعه بالوهم والتزييف لتخلق لها تاريخًا يمنحها شرعيّةَ وجودها، بل هو أمرٌ يُنبئُ بأنّنا نجيدُ إهانةَ مبدعينا وهم أحياء، ونستلذُّ تحقيرَهم وهم أمواتٌ.
لقد أثار هدم بيت الشابي ردود أفعال عديدة توزّعت في أغلبها على صنفيْن: صنف أوّل شمل ردود أفعال السُّلط المحلية والجهوية مُمَثَّلةً بالمندوب الجهوي للثقافة وبمحافظ توزر اللذيْن أعربا عن أنّ حكاية هدم بيت الشابي أمر قديم جديد، ولا يمكن للدولة التدخّل فيه باعتبار أن البيت ملك لورثة هذا الشاعر الذين هاجر أغلبهم خارج المدينة وفرّط من بقيَ منهم في هذا البيت بالبيع أو بالتحوُّز منذ سنوات عديدة، وهم أحرار في اتخاذ قراراتهم والتصرّف في ما يرثون. وقد صرّح المحافظ منير الحامدي لإحدى الإذاعات التونسية، بقوله إنّ نشر هذا الخبر في هذا الوقت ليس إلاّ أمرًا مُغرضًا ومغلوطًا، وأكّد أن الخبر في أصله عارٍ عن الصحة. وهو تصريح مألوف عند المسؤولين التونسيّين منذ زمن قرطاج، فكلّ شيء يحدث إنّما هو مؤامرة تقف وراءها أطراف سياسية لها مصلحة في تعكير الجوّ الصافي بالبلاد. وتضمّن الصنف الثاني من ردود الأفعال مواقف بعض المثقّفين التونسيّين والعرب، وهي مواقف هزيلة المضمون نَحَتْ جميعها صوب إدانة الأمر وشجبه ومطالبة الدولة بالتدخّل العاجل.
ولمزيد تبيّن تفاصيل واقعة هدم بيت الشابي اتصلت «القدس العربي» بعبدالله الشابي رئيس «جمعية الشابي للتنمية الثقافية والاجتماعية» الذي أفادها بقوله: «إنّ لوالد أبي القاسم الشابي (وهو محمد الشابي) بيتيْن: واحدا ولد فيه ابنه البكر «أبو القاسم» وكتب فيه أولى قصائده، وآخر كان يشغله هذا الوالد في الأعياد والمناسبات فضاءً للقاء بعض أصدقائه من الحقوقيين وخرّيجي جامع الزيتونة باعتباره كان يشتغل، بعد عودته من الأزهر، قاضيا في كثير من جهات تونس ولا يعود إلى مدينته توزر إلا نادرا. وقد هُدِم البيتان – بعد أن تحوّلا إلى مكانيْن لرمي الفضلات- رغم إعلام جمعيات المجتمع المدني وزارةَ الثقافة بهذا الأمر عبر مؤسّساتها الجهوية منذ ثمانينات القرن الماضي، فوعدت بترميم أحد البيوت وذهبت وعودها إلى حيث تذهب كلّ الوعود الوطنية. وأما ما يقال عن الورثة فإنّ جلّهم يسكنون في تونس العاصمة، والباقون منهم كانوا يسكنون هذيْن البيتيْن بالتحوّز، ثمّ تمّ التفريط فيهما بالبيع قطعة قطعة، وكان آخر المشترين قد أقدم على تسوية ما تبقى من البيت الأول بالأرض ليُقيم مكانه مبنى آخر، ولا يعلم هؤلاء الورثة عن أمر هدم البيت شيئًا، وهم الآن في ذهول مما يرون ويسمعون».
وأضاف عبدالله الشابي قوله: «إنّ هدم بيت الشاعر أبي القاسم الشابي أمر تتحمّل مسؤوليته الدولة التونسية، وعليها الآن أن تستعمل صلاحياتها القانونية (قانون المصلحة العامة) لإعادة بنائه بما يحافظ على إرثنا الماديّ والرمزيّ المكوّن لهويّتنا الثقافية، وإنّ جمعية الشابي للتنمية الثقافية والاجتماعية ستعمل مع مواطني مدينة توزر ومثقّفيها على ردّ الاعتبار لشاعر «إذا الشعب يوما أراد الحياة – فلا بد أن يستجيب القدر» ولن يسكتوا عن إهانته بهذا الشكل الشنيع، وسيُعيدون إذا تخلّت الدولة عن مهامها بناء بيت شاعرهم ليكون فضاء يضمّ متحفا لمخطوطاته ومكتبة يُعرَض فيها جلّ ما كُتب عنه من دراسات منشورة تجاوز عددها الخمس مئة إصدارٍ».
وبسؤاله عن مظاهر احتفاء وزارة الثقافة بالشاعر الشابي وتخصيصها له روضة لضريحه ومنحوتة له كبيرة قال عبدالله الشابي: «إنّ ما يقال عن احتفاء وزارة الثقافة بأبي القاسم الشابي لا يزيد عن كونه احتفاءً مناسباتيًّا تطغى عليه أجواء السياسة، فما إنْ تنتهي احتفالية ذكرى ميلاد الشابي حتى تُنسى روضتُه ويعمّ محتوياتِها الغُبارُ، وإنّ زائرَها اليوم سيلحظ دون عناء مدى الإهمال الذي أصابها».
يُذكر أن وزارة الثقافة فضّلت الصمت، ولم يصدر عن وزيرها الجديد أيّ موقف توضيحيّ في هذا الشأن.

أبو القاسم الشابي يُهان في مدينته… ووزارة الثقافة غائبة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية