أبو بكر العزاوي، يعمل أستاذا للتعليم العالي في كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة مولاي سليمان في بني ملال، شارك في ندوات وألقى محاضرات في بعض الدول العربية والإسلامية والأوروبية، ويترأس الجمعية المغربية لتكامل العلوم في الدار البيضاء، ويعمل مستشارا علميا في بعض شركات النشر والتوزيع.
استفاد الباحث من أستاذه أوزفالد ديكرو، الذي يعد «أحد كبار علماء الدلالة والتداوليات في أوروبا، والذي خصص جزءا كبيرا من مشروعه العلمي لدراسة الحروف والروابط والأدوات لمدة تقرب من أربعين سنة…».
تخصص العزاوي في نظرية الحجاج اللغوي بعد تحضيره لأطروحة الدكتوراه بعنوان: «بعض الروابط التداولية في اللغة العربية: مقاربة حجاجية أصواتية»، بإشراف أستاذه أوزفالد ديكرو، سنة 1989-1990 في معهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية في فرنسا، كما أنجز أطروحة أخرى لنيل شهادة دكتوراه الدولة حول «الحجاج في اللغة العربية»، بإشراف الدكتور محمد مفتاح، سنة 2000-2001.
يعد أبو بكر العزاوي رائدا للحجاج اللغوي في المغرب، بل في العالم العربي؛ فهو أول باحث مغربي وأستاذ جامعي أدرج نظرية الحجاج اللغوي ضمن المقررات الدراسية في شعبة اللغة العربية في كلية الآداب. يطمح على الدوام إلى تحقيق مشروعه الكبير في تطوير نظرية الحجاج اللغوي، المتمثلة حاليا في كتاباته ومؤلفاته. تمَكنَ بفضل اجتهاده ومثابرته في البحث، من تحقيق مشروعه الكبير في نظرية الحجاج اللغوي الذي يتجلى في مؤلفاته الآتية:
اللغة والحجاج.
الخطاب والحجاج.
حوار حول الحجاج.
اللغة والمنطق: مدخل نظري.
خصص الباحث كتابه الأول: «اللغة والحجاج» لدراسة الحجاج اللغوي في اللغة العربية، وقد وضح في الفصل الأول بعض المفاهيم ؛ كمفهوم الحجاج، والسلم الحجاجي، والروابط والعوامل الحجاجية… والمعنى الحجاجي والمعنى الإخباري، ودرس في الفصل الثاني بعض الروابط الحجاجية في اللغة العربية مثل: (بل) و(لكن) و(حتَّى)، وقارن بين (حَتَّى) و(بل)، ودرس في الفصل الثالث الاستعارة والمعنى الحجاجي، وخصص الفصل الرابع لدراسة قوة الكلمات أو اللغة بين الإنجاز والحجاج.
ويعد كتابه الثاني «الخطاب والحجاج» دراسة مكملة لكتابه السابق «اللغة والحجاج» الذي نجد فيه تحليلا مفصلا لمختلف أنواع الخطابات، كالخطاب القرآني، والخطاب الشعري، والخطاب المَثَلِي، والخطاب الإشهاري.
وخصص كتابه الثالث «حوار حول الحجاج» لدراسة العلاقة الوطيدة بين المنطق واللغة، ودراسة خصائص اللغات الطبيعية واللغات الاصطناعية الصورية، ومفهوم المنطق الطبيعي ونماذجه. وسيتوسع هذا الحوار أكثر ليلقي الضوء على مجموعة من القضايا والإشكالات المرتبطة بالحجاج، كعلاقة الحجاج بالحوار والاختلاف والتربية على حقوق الإنسان، وعلاقة التواصل بالحجاج.
وتوخى الباحث في كتابه الرابع: «اللغة والمنطق: مدخل نظري» إبراز علاقة المنطق باللغة وكذا مقارنة الظواهر اللغوية بالظواهر المنطقية.
وتجدر الإشارة إلى أن كل أعمال الباحث في نظرية الحجاج اللغوي مكتوبة باللغة العربية، باستثناء كتابه الأخير الذي صدر مؤخرا بعنوان: «الحجاج والتلفظ»، حرره الباحث باللغة الفرنسية، ووضع له جان بليز غريز مقدمة مركزة وافية.
الحجاج والتلفظ
الكتاب الذي نقدمه إلى القراء هو أول كتاب للباحث أبي بكر العزاوي، كتبه باللغة الفرنسية كما ذكرنا سابقا. ويهدف من خلاله إلى التعريف بأهم نظريات الحجاج لدى روادها المشهورين، أمثال: أوزفالد ديكرو، وجان- بليز غريز، وشاييم بِرِلْمَانْ.
وفي هذا الكتاب عرض شامل ومفصل لنظرية الحجاج اللغوي، ويشتمل، بعد مقدمة لجان- بليز غريز، ومدخل للمؤلف، على ثلاثة فصول:
الفصل الأول: المنطق، اللغة والحجاج.
الفصل الثاني: الحجاج في اللغة.
الفصل الثالث: التلفظ وتعدد الأصوات.
ومن اللافت للنظر أن الباحث عمد في هذا الكتاب منذ البداية إلى توضيح العنوان الذي يتكون من مصطلحين هما: «الحجاج» و «التلفظ»، فلجأ إلى تعريفهما وتعريف المفاهيم التي اصطلح عليها اللغويون والبلاغيون. ولم يكتف الباحث بعرض هذه التعاريف فحسب، بل عمد إلى اجتهاده في وضع تعاريفه الشخصية لهذه المصطلحات والمفاهيم.
ولم يكن غرض الباحث يتجلى في تحديد مفهوم «الحجاج» و»التلفظ» فحسب، بل كان يسعى في بحثه إلى تناول مصطلحات ومفاهيم أخرى تنتمي إلى حقل الحجاج، كالاتفاق المسبق، والإقناع، والتأثير، والاستدلال المنطقي، والمنطق الطبيعي وتقنياته، وتعدد الأصوات عند أوزفالد ديكرو وميخائيل باختين.
ومن أهداف الباحث أيضا في هذا الكتاب وقوفه على بعض تقنيات الحجاج في اللغة المستقاة من أوزفالد ديكرو وجان- كلود آنسكومبر. إنه يحيل إلى علماء اللغة المختلفين، وأكثر من هذا، فهذا الكتاب يفيد اللسانيين وغير اللسانيين.
منهج الباحث في هذا الكتاب
قسم الباحث كتابه إلى ثلاثة فصول مذكرا في البداية ببعض النظريات الحجاجية التي تستند إلى البلاغة الكلاسيكية والبلاغة الجديدة عند أرسطو وبِيرِلْمَانْ، أو تستند إلى المنطق الطبيعي عند جان- بليز غريز.
يمتح مجال الحجاج ـ في نظر بِيرِلْمَانْ ـ من البلاغة بينما يمتح هذا المجال، في نظر جان بليز غريز- من المنطق. وحاول الباحث أن يوضح العلاقات القائمة بين المنطق واللغة، ويوضح في الوقت نفسه الفرق بين المنطق والحجاج.
وعلاوة على ذلك، قدم لنا بعض النظريات اللسانية التي تتعارض مع نظرية الحجاج، وقدم دراسة مفصلة حول نظرية الحجاج، وبصفة خاصة دراسته حول الحجاج اللغوي.
كما أشار إلى أن «نظرية الحجاج لم تتوقف قط عن التطور»، وبناء على ذلك كشف عن «أربعة مراحل في دراسة الحجاج: مرحلة التيار الوصفي الراديكالي، ومرحلة التيار الوصفي المعتدل، ومرحلة التيار الحجاجي المعتدل، ومرحلة التيار الحجاجي الراديكالي».
وفي الفصل الأخير من هذا الكتاب عَرْضٌ مُفَصَّلٌ لمفاهيم التداوليات المدمجة والتلفظ لدى أوزفالد ديكرو، وعرض لنظرية تعدد الأصوات: تعدد الأصوات عند باختين، وديكرو، وتَعْرِيفٌ بمراحلها، وإيجابياتها، وصعوباتها.
يتسم كتاب أبي بكر العَزَّاوي بالتكثيف والوضوح والدقة والشمولية، وهو- إضافة إلى هذه المميزات- ذو فائدة كبيرة، ونفع جدير بالتنويه. وتبرز أهميته في كفاءة الباحث وقدرته على تقديم عرض مفيد وواضح من دون أن يتخلى عن إضاءة عدد كبير من المصطلحات التي تنتمي إلى نظرية الحجاج في اللغة. وإذا كان الباحث قد حلل تحليلا جيدا بعض مقاطع ونصوص اللغويين والبلاغيين، إلا أنه ظل في الوقت نفسه حريصا على طرح وجهة نظره تجاه نظرياتهم.
لقد كان الباحث واعيا ـ كما أشار إلى ذلك في خاتمة كتابه ـ بأنه «طرح أسئلة كثيرة أكثر مما قدم أجوبة».
أما بالنسبة إلى لائحة المصادر والمراجع، فيمكن القول إنها غنية ومتنوعة، مما يدل على أن الباحث يسعى دائما إلى توسيع آفاقه في حقل الحجاج والنهل من النظريات الحجاجية.
إن هذا الكتاب له وزن على المستوى التحليلي والمنهجي؛ ولذلك فدراسته لم تكن أمرا هينا بل تطلبت قراءة متأنية فاحصة، حاولنا من خلالها أن نبرز قيمته ومكانة صاحبه العلمية التي تتجلى في كونه يمتلك مشروعا كبيرا في «الحجاج» وتطوير «نظرية الحجاج في اللغة».
كاتب مغربي
عبد الواحد التهامي العلمي