أبو توفيق حكاية حب مع البحر والحمام

حجم الخط
0

الناصرة ـ «القدس العربي»: «يا خوف عكا من هدير البحر» مثل شعبي فلسطيني يردده أهالي عكا داخل أراضي 48 لتأكيد عدم خوف مدينتهم المحصنة بالأسوار العالية من بحرها. والحمام البلدي المعشش في جنبات سور عكا التاريخية لا يخشى المارة والزائرين وربما بفضل العم أبو توفيق محمود قيس(77) الذي يدأب على إطعام الطيور يوميا منذ نحو عشر سنوات بكمية كبيرة من الحبوب حتى صار بالنسبة لها «الأم» الحنونة المطعمة. أبو توفيق المولود في عكا عام 1943 أوقفه مرض السكري عن العمل قبل أكثر من عقد فانضم لصديقه أبو خضر لنزهات يومية على ساحل البحر الأبيض المتوسط وخلالها انتقلت له أيضا «حمى» إطعام طيور الحمام كما قال لـ «القدس العربي». وشاء القدر أن رحل أبو خضر فواصل أبو توفيق نزهته اليومية وقيامه بإطعام الحمام لاسيما أنه يشعر بالسعادة لقيامه بفعل الخير عن روح صديقه الراحل. والفارق بينه وبين صديقه الراحل أنه يقوم اليوم بإطعام نحو 300 طير حمام بينما كان عددها لا يتعدى عشرات الطيور قبل رحيل صديقه حيث تكاثرت وتضاعفت وربما بفضل ضمان الطعام المنتظم والصحي. لكن أبو توفيق يبدي تواضعه ويقول إن الحمام قد زادت أعدادها لانضمام طيور جديدة للمجموعة، فالحمام يعشق ويحب الحياة ضمن جماعة. بين هذا وذاك صارت طيور الحمام بفعل التراتبية القائمة على إخلاصه ونشاطه تنتظره كل يوم الساعة الرابعة والنصف مساء حتى صارت تعرفه وتلحظه كلما جاء في الموعد. وعن ذلك يقول بلهجة تقطر دفئا وفرحا «لا أخل الميعاد، كل يوم أبدأ نزهتي المسائية بإطعام الحمام. أحمل كيسا من الحبوب وأصل نهاية السور في الجهة الشمالية وما أن أصل حتى تبدأ ترفرف طيور الحمام البلدي من حولي فرحة مرحبة بمن يأتيها بالمدد، بوجبة العشاء».
تكلف «وجبة عشاء» الحمام نحو مئة دولار كل شهر وهي بالنسبة لأبي توفيق ميزانية، فهو متقاعد يعتاش على مخصصات «التأمين الوطني» بقيمة نحو 800 دولار. ينفق هذه الميزانية الشهرية ولا يبالي لأنها مصدر سعادته بعدما أقعده مرض السكري بعد 38 عاما من العمل في البناء. ويتابع «هذا شعور لا يوصف وأنت تزور المكان كل يوم وتجد الحمام تنتظرني على أسطح سور عكا وما أن تلمحني حتى تحيط بي من كل الجهات فيسري بي شعور بالراحة والفرح وكأنني التقي بناتي العائدات من سفر بعيد».
ولا توقف حالة الطقس أبا توفيق، فهو يداوم على عادته صيف شتاء موضحا أن شخصا آخر يدعى أبو صالح يتولى مهمة تأمين «وجبة الفطور» حيث يواظب هو الآخر على إطعام الحمام في مكان قريب كل صباح.
ومع الأيام تحول أبو توفيق لجزء من المشهد الطبيعي والسياحي لأسوار عكا فما أن يصل مبتغاه يوميا لا يجد الحمامات فحسب بل بعض المارة والسائحين الوافدين لالتقاط صورة حلوة معه وهو يطعم الحمام. بل أن الكثير من العرسان يترددون على المكان وينتظرونه لالتقاط صورة مع الحمام كيف لا وهو رمز الحب والسلام والوئام، يقول متوددا ويواصل دس يده في كيس الحبوب وينثرها أرضا قبالة البحر والحمام الجائع يلتقطها بعد دقائق وكأنها ما كانت تغطي الأرضية.
بعد ما تنتهي وجبة العشاء تبدو رفوف الحمام مبتهجة برزقتها عند المساء وهي تراها تسبل جناحاتها محلقة فوق الساحل تتراقص على أنغام موجات البحر الهائج. وما أن تلبث طيور الحمام بألوانها المتعددة تعود كالسهم نحو الأسوار وتزقزق وكأنها تقدم التحية والشكر لمطعمها الوفيّ الشيخ أبو توفيق. ويقول أبو توفيق بلوعة معلقا على رقصات الحمام فوق بحر عكا إن المشهد يبعث فيه دوما حادي الثورة ومنشدها الراحل أبو عرب الذي غنى «يا طير خذني على الوطن وديني بكحل عيوني بتربة فلسطين.. سلم على الجليل وعكا وجنين ..».
ويخلص للقول إنه يعود كل يوم من ساحل البحر وقد امتلأ حبا وطاقة تاركا «كل همومي وما يتراكم من متاعب النهار لأبدأ اللقاء الموعود مع حماماتي من جديد باليوم التالي».
من حولنا باتت حياة البشر رخيصة ويتم تفجير المساجد والكنائس ويتواصل سفك دماء المدنيين بالجملة وأنت مصمم على إطعام الحمام؟
«بالنسبة لي هؤلاء أخطر أعداء الإسلام منذ بزغ فجره بل هم أشد وطأة من التتار، والإسلام الحقيقي تمثل عندما أمر الخلفاء بوضع أكوام من الحبوب على رؤوس الجبال في موسمي هجرة الطيور للشمال والجنوب».

أبو توفيق حكاية حب مع البحر والحمام

وديع عواودة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية