■ من له أدنى إلمام بالمسارات التي شقها الإبداع الشعري في العصر العباسي، لا بد أن يلاحظ أن ما راكمه العقل العاطفي من نتاج شـــــعري قد سلك سبيلين؛ سبيل المحافظة بما هو لزوم ما لزمه القـــــدامى من دروب في القصيد الشعري، وسبيل التجديد بما هو استحداث لطرق غير مسبوقة في القول الشعري.
فالعصر العباسي كان عصر صراع الأجيال الشعرية، جيل يرى التقدم الشعري في الاتجاه إلى الماضي (البحتري نموذجا) وجيل يرى الازدهار الإبداعي في مسايرة طبائع العصر وإبدالات الحياة (أبو نواس نموذجا). واللافت للانتباه في شعر هذه المرحلة، أن أبا نواس منح للقصيدة أدوارا أخرى غير دارجة، ومن هذه الأدوار أن القصيدة النّواسية تضطلع بوظيفة النقد والتوجيه؛ نقد الأسماء الشعرية التي تعيد المكرور من قول القدامى، وتوجيه العقل الشعري إلى آفاق أخرى غير مرتادة. من هنا فأبو نواس يبزُّ في مداخل جمة من شعره بزّة الناقد، ولعل ذلك ما يتضح في نقده المعلل للقامات الشعرية التي تستهل قصائدها بافتتاحيات طللية، فرفض أبي نواس لهذا البروتوكول الشعري هو رفض للتقليد، رفض للسلفية الشعرية، ورفض ﻷن يكون العقل الشعري العباسي صدى لأصوات غابرة. وهو، كذلك، دعوة إلى الإبداع والخلق، أي استحداث افتتاحيات شعرية راهنية، وشعرنة أقاليم لم يدركها يراع أوائل الشعراء، كما يعكس هذا الرفض إيمان أبي نواس بأن الشعر جنس دائم التكوين، وأن الوقوف على الأطلال ما هو إلا مرحلة من مراحل نموه وليس علامة على كماله.
والجدير بالتقدير في رفض أبي نواس لهذا الهوس بالأطلال ومشتقاتها هو أنه ينثوي على دعوة إلى الصدق الفني أي أن تستحيل القصيدة ركحا تمور فيه أحاسيس راهنية ودفقات «أنا» الشاعر، وليست إلى مرتع تتفتق فيه مشاعر زائفة ودفقات مصطنعة يتقرب بها الشاعر إلى حُرّاس المُعلّقات في عصره، لكي يشهدوا له بالفحولة الشعرية. هكذا فأبو نواس هدّم بمطرقته الأطلال التي استحالت في عصره أصناما، ففي شعره «ماتت» الأطلال من أجل أن يكون الشاعر هو هو.
لننظر الآن في الاقتراح الذي طرحه أبو نواس بديلا للمقدمة الطللية، وهو المقدمة الخمرية. فهذا الاقتراح، وبعيدا عن الأحكام الذوقية والنقد الفقهي، يعكس وعيا غير مسبوق بأن المولود الشعري ينبغي أن يخرج من صُلب بيئته، كما يترجم إيمان أبي نواس بأن كل نص شعري لا يعبر عن واقعه الحضاري لا يعول عليه. وبناء على ذلك فالاستهلال الخمري في المدونة النواسية ينبغي ألا يفهم، وهذا للأسف ما ترسب في لاوعينا، أنه دعوة للخلاعة والرذيلة، بل ينبغي أن نرى فيه دعوة إلى أن يكون الفن عامة، والشعر خاصة صورة لمحيطه الاجتماعي ومرآة عاكسة، بشكل شعريّ، لخصوصيات عصر الشاعر وظواهره المائزة.
إن مأساة أدبنا اليوم هي في نُدْرة الخلق ورواج المكرور من القول وتقديس النصوص والقامات الأدبية القديمة، وكذا تكدُّس نصوص أدبية تنْشازُ عن واقع الناس، وفي ظل هذا الواقع تظهر حاجتنا إلى أبي نواس، أي إلى أدباء يرتادون آفاقا غير مطروقة، ونصوصا تفتضُّ عوالم بكرا، وفنا معبّرا عن واقعه وعابرا لكل طريق مستهلك. إننا بحاجة إلى وعي أبي نواس، وعيُهُ الذي قاده إلى رفض أدوات من مضى، ونقد العاطفة غير الصادقة، وكذا وعيُهُ بأن ملكة الإبداع لم يخصّ بها الله زمنا دون غيره. والحاصل أننا في أمس الحاجة إلى أدباء يمارسون طقوس النواسي في نزوعه إلى الابتداع ورفضه للاتباع لكي لا نقول ما جهر به زهير بن أبي سلمى ذات يوم (وبتحوير بسيط):
«ما أرانا نقرأُ إلا رجيـعاً ومعاداً من مكتوبكم مكرورا»
٭ كاتب مغربي
محمد الساهل