أبو نواس: الإنسان هو الموقف نفسه

حجم الخط
4

«بلغنا، أن أبا نواس دُعي ذات يوم إلى مجلس الأمين (الخليفة العباسي)، وكان مجلسا عامرا بأهل الشعر والسياسة، وقد دعا الخليفة هذه اللمة ليستعرض مهاراته في الكلام الموزون، وما كاد يُقْفل نشيده الشعري حتى انثالت عليه التصفيقات وارتسمت إمارات الدهشة على وجوه الحاضرين، ولم يلفت انتباه الخليفة إلا أبو نواس الذي ظل جامدا في موقعه ووجهه يفترش الامتعاض وكثيرا من الازدراء، فأدرك الخليفة أن أبا نواس يهجس في سره: «الأمين ما عُلّم الشعر وما ينبغي له.. وهذا الكلام ما أشبهه بهذيان صبيان»، وقد أثار سلوك أبي نواس حفيظة الخليفة/ الذي أودعه الإسطبل عقابا له على استخفافه بملكته الشعرية، وبعد مرور زمن على هذه الواقعة حدث أن دعي أبو نواس مجددا إلى المجلس نفسه، وحدث، كذلك، أن أنشد الأمين مرة أخرى، وما كاد الأمين ينهي قوله الشعري حتى همّ أبو نواس بالنهوض، فاستفسره الخليفة عن وجهته، فردّ عليه أبو نواس بالقول: «إلى الأسطبل مولاي»، فضحك الأمين وصفح عنه».
لننظر الآن في هذه الواقعة التي تنطوي على فكرتين مركزيتين، تتمثل إحداهما في أن أبا نواس كان ناقدا يملك ذوقا رفيعا وكذا أدوات نقدية متطورة تسعفه في معايرة القول الشعري، وتمييز جيد الشعر من الرديء، ﻷن أهل الشعر أدرى بشعابه وأفقه الناس بالعُمْلة الشعرية الأصْليّة من الزائفة، فعدمُ تصفيق أبي نواس للخليفة حين قفل باب قصيده هو حكم نقدي غير منطوق بأن هذا النشيد الشعري رديء ولا يرقى ﻷن يُحوْقل في دائرة الشعر. وتتجلى الفكرة الأخرى في أن أبا نواس كان إنسانا صريحا لا يجامل «طفيليات الأدب» ولا يخشى، في خروجه عن صراط المتزلفين، غضب مراكز السلطة والقرار. وليس توجه أبي نواس إلى الإسطبل من تلقاء نفسه، حين اقترف الخليفة الشعر من جديد، إلا تأكيدا من النواسي على ثبات موقفه من «شعر» الأمين، الذي لن يغيره هول الوعيد ولا بريق الذهب. والإنصاف يقتضي منا أن ننوه بشجاعة أبي نواس في تغيير «المنكر» الذي يرتكب في حق الشعر، وهذه الشجاعة تعكس غيرة أبي نواس ودفاعه عن حرمة «المشاعر» الشعرية، كما تترجم تصدي أبي نواس «ﻷشباه الشعراء» الذين يستغلون حاجة الناس وجهلهم، لكي يرعبوا سكون العالم بضجيج شعري، ولكي يدنسوا تاريخ الشعر المجيد «بجرائم ضد الشعرية».
إن أبا نواس، كما تعلن عن ذلك هذه الواقعة، رجل مواقف، وليس يخفى على القارئ أن الإنسان هو الموقف نفسه، فقد ناصر أبو نواس الشعر وهو يتعرض لحملة تشويه من قبل دخلاء الشعر وأشباه الأدباء، وكأن بأبي نواس يقول في سره: «الشعر، حفظكم الله، لا ينال بالسلطة والجاه، الشعر لا يُعايره إلا الراسخون في الشعر».
إن تأملا عالما في واقعنا الثقافي لا بد أن يفضي إلى إدراك أزمتين تنخران جسمنا الثقافي، أزمة أشباه الأدباء وأزمة النقد المُجاملاتيّ، فاللافت للانتباه في السنون الأخيرة كثرة الأشخاص الذين يقترفون «جرائم أدبية»، إلى درجة يمكن الحديث عن أدباء مستبدين وميلشيا الأدب، هؤلاء ما علموا الأدب وما ينبغي لهم، تستهويهم أضواء اللقاء الثقافية وتصريحات ما بعد المهرجانات الأدبية فيتعلمون في «خمسة أيام لغة الأدب بدون معلم»، و«أعمالهم الأدبية» إما تلفيق من هنا وهناك، أو ديباجة ﻷلفاظ تتعالق في ما بينها بعلاقة اعتباطية وهُمْ في سرهم يقولون: «علينا أن نقول وما علينا إذا لم يفهم البقر». ونحن هنا لسنا نقسو على كل أدبائنا، ﻷن الأصيل منهم لا ينحجب على القارئ الخبير، وإنما مرادنا التنبيه إلى ما يتهدد «الكرة الأدبية» من أخطار بسبب كثرة «النفايات الأدبية» وأن نحذر من منتوجات أدبية مُقلّدة. ولكن الخطير على جسم الأدب هو استشراء النقد المجاملاتي، نقد يكيل المدائح ﻷشباه المبدعين، ويتجاوز عن سقطاتهم، ويقفز على خواء أعمالهم، فالأوراق النقدية التي تصاحب حفلات توقيع «الأعمال الأدبية» غالبا ما تستحيل لأوراق مدح وقراءات عاشقة ومقالات خارج النص، ولسنا هنا نجني على جميع نقادنا، فالأصيل منهم عادة ما يتحفنا بقراءات عميقة وجادة تنتقي نصوصا تستحق أن تسبر أغوارها، نظرا لغوْر رؤيتها وعمق بنائها وفتنة أسلوبها، وإنما المبتغى لفت الأنظار إلى أن النقد لا يدخله إلا الراسخون في الأدب والمحيطون بالمناهج النقدية الحديثة، وأن النقد ليس حرفة من لا حرفة له، أو مجلس مجاملات، وفي ظل هذا الواقع تظهر حاجتنا إلى أبي نواس، ففيه عبرة ﻷولي النقد الذين ينبغي أن يؤمنوا، كما آمن النواسي، بأن النقد ينبغي ألا يخضع للأهواء، وأن يجامل ويماحك، بل ينبغي أن يستحيل إلى فعل قصاص ينصف المظلومين من الأدباء، ويشي بلصوص «الأدب العام»، ويدفع عن حرمة الأدب كل محاولات التدنيس والتبخيس من أشباه المبدعين.

٭ كاتب مغربي

أبو نواس: الإنسان هو الموقف نفسه

محمد الساهل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية