أجمل مدن الدنيا تحتضن الثقافة العربية

حجم الخط
11

سيرتا، ساريم باتيم، مدينة الجسور المعلقة ، كلها أسماء لعاصمة الشرق الجزائري قسنطينة العابرة للتاريخ، مدينة سلبت عقل كل من زارها لتفردها بجغرافيا لا مثيل لها على وجه الأرض، فقد بنيت على جبلين من الكلس القاسي ومدّ بين جبليها عبر العصور جسور أرضية ومعلقة ، تتوسطهما أخاديد وادي الرمال الخضراء ،ليخصها الباري بأروع لوحات الطبيعة، تعاقبت عليها جل حضارات البحر المتوسط، البونيقية والنوميدية حيث إتخذها الملك ماسينيسا عاصمة لمملكته ،والرومانية مرورا بالبيزنطية وصولا للحضارة الإسلامية، ما جعل منها إرثا حضاريا وثقافيا قلّ له مثيل .
صمدت قسنطينة في وجه الإستعمار الفرنسي بقيادة أحمد باي، الذي وحد وتحالف مع مختلف القبائل لأجل ردع الفرنسيين، ولم يخضع لإغراءاتهم له بالإبقاءعليه دايا لقسنطينة شريطة أن يستسلم، ولم تسقط حتى عام1848.
من زار أو سيزور قسنطينة الفاتنة سيرى عمرانا يعكس كل الحضارات التي مرت عليها سواء داخل المدينة كباب سيرتا الموجود بسوق» بومزو» بني 363م،أوحمامات القيصر والأقواس الرومانية ،و مساجد عتيقة كالمسجد الكبير الذي بني في عهد الدولة الزيرية، وقصرأحمد باي وإقامة الصالح الباي التي يمكن زيارتها والتمتع بهندستها الساحرة وهي غاية في الدقة.
ولن تجد مكانا يعكس عمق الحضارة الإسلامية والتشبث بإرث يأبى الإندثار مثل المدينة القديمة «السويقة» بدروبها الضيقة ، كل العمران فيها يحاكي تاريخ قسنطينة ويأبى إلا ان يضل صامدا في وجه الثقافة الدخيلة، ولا تزال الى الآن تحتفظ بأسواقها العتيقة بأسمائها المتخصصة كسوق الحدادين وسوق الغزالين وسوق الجزارين وسوق العطارين والنحاسين …
قسنطينة تسمى ببلد الدين والعلماء نشأ في كنفها علماء على مر التاريخ الإسلامي منذ بدايات الفتح ، ولا يسع مقال لعدهم جميعا ، لكن سأكتفي بعلم من أعلامها والأقرب في الذاكرة الجزائرية وهو عبد الحميد ابن باديس أحد أقطاب جمعية العلماء المسلمين التي قاومت تغريب المجتمع الجزائري بالعلم والفكر والفهم الصحيح للدين الإسلامي ايام الإحتلال الفرنسي .
كذلك الحال هو بالنسبة لمالك حداد وأحلام مستغانمي و المفكر الكبير مالك بن نبي الذي ترعرع فيها ، ويكفي أن تقرأ له كتابه مذكرات «شاهد للقرن» حتى تتعرف عن قرب على خصوصية المجتمع القسنطيني ومدى تحضره وتمسكه بثقافته الراقية .
تعرف قسنطينة أيضا بمدينة المالوف، وهو أحد أنواع موسيقى الطرب الأندلسي ،اي الموسيقى الكلاسيكية بالنسبة لسكان المغرب العربي ، والمالوف يعني «وفي للتقاليد»، يغنى بالفصحى ويعرف بـ «أب المحجوز» عرف في إشبيليا ويتفرع الى عدة طبوع منها العيساوة والتي تتغنى بمدح الرسول صلّى الله عليه وسلم، والفقيرات وهو طابع تؤديه النساء في الأفراح لطبيعة المجتمع القسنطيني المحافظة، وكذلك طابع الوصفان، ويحتوي المالوف القسنطيني على الحركات الخمس للنوبة وهي:المصدر، البطايحي،الدرج،الإنصراف،الخلاص.
مشايخ المالوف كثر لا يمكن عدّهم ، ونذكر عميدها الحاج محمد الطاهر الفرقاني الذي مثّل هذا الإرث الموسيقي أحسن تمثيل في جميع المحافل الموسيقية في العالم بموشحاته وقصائده العذبة كقصيدته الرائعة «مجروح».
كل هذا وغيره أهّل مدينة قسنطينة لتصبح عاصمة الثقافة العربية لعام2015، حيث إنطلقت فعاليات هذا العرس العربي في يوم عيد العلم الموافق لـ 16 نيسان/إبريل من كل سنة بحضور رسمي وشعبي، فإمتلأت شوارع المدينة الرئيسية بسكان المدينة المضيافة ورحبوا بكل الوفود العربية الـ 22 المشاركة على رأسهم ضيف الشرف فلسطين الشقيقة.
من بين الفعاليات التي ستشهدها المدينة تنظيم 17ملتقى وطنيا ودوليا ،108عروض مسرحية ،36 عرضا للباليه الوطني،180حفلا موسيقيا، نشر 1000كتاب ،12 معرضا دوليا لفن النحت وغيرها ،كذلك ستقام أمسية شعرية كل آخر يوم خميس من كل شهر بقصر أحمد باي يحييها 80 شاعرا.
كما إحتضنت قاعة الزينيت العملاقة التي تتسع لـ 3000 مشاهد فعاليات»ملحمة قسنطينة الكبرى» وهي عبارة عن عرض ضخم حاول فيه أساتذة التاريخ إيجاز ألفي سنة في خمس لوحات فنية عكست خمس حقبات من تاريخ قسنطينة، جسدها 400 فنان عبر عروض تمثيلية وراقصة مع إستعمال تقنيات تكنولوجية بصرية و بحضور رسمي مثله رئيس الحكومة عبد المالك سلال وأمين عام الجامعة العربية نبيل العربي مع تمثيل للسلك الدبلوماسي الموجود بالجزائر .
وبهذا حازت قسنطينة شرف إحتضان أكبر تظاهرة ثقافية عربية، نتمنى أن يستمتع كل الإخوة العرب الزائرين بكل ما فيها من زخم ثقافي، وأن نحقق حلم الوحدة على الأقل في شقها الثقافي، فمرحبا بكل العرب في مدينتهم الساحرة قسنطينة .

منى مقراني-الجزائر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية