أجيال عصر الاستقلال السلبي والتفرد بالآلام الفلسطينية

حجم الخط
0

تهدف هذه المقالة إلى لفت الانتباه لما أتصوره عاراً، ستُعيرنا به الأجيال القادمة للأسف الشديد، أقصد الاستقلال السلبي لعالمنا العربي، والاغتراب الثقافي للذات العربية، المحلية المُربكة. غير أنني سأسعى جاهدة لبلوغ هدفي عبر تشريح مأساة الشعوب العربية والفلسطينية، باعتبارها دليل إدانة لنا، نحن أجيال عصر الاستقلال السلبي، الذي تزامن ميلاده عبر الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، والفوضى العارمة التي تعم الوطن العربي.
فأنا كوني فلسطينية متألمة وتجربتي كوني عربية وسط الواقع العربي الذي يفوق الوصف ببشاعته وقسوته على الإنسانية، وتجربتي باعتباري ابنة للقرن المليء بالأخطاء والخيبات، وآمالي التي أطمح إليها وأحلم بها ولو لم أخضها بعد، كل هذا المزيج الشائك المعقد الصعب، يزيد في آلامي ويدفعني إلى المطالبة بالاستقرار والسلام لنضمن لأبنائنا وللأجيال القادمة حياة كريمة أفضل.
بصراحة مشكلتنا مع بعض العرب، أقصد النخب العربية الحاكمة ـ أسوأ مما هي مع إسرائيل.. ولقد خسرنا من خلال ضربات الأشقاء أضعاف ما خسرناه في مواجهتنا مع العدو الصهيوني.. كم أتمنى أن يكون شعار تحرير فلسطين حقيقيا وليس سلعة للمناورة والتجارة. ألا يكفى أنهم يمنعوننا من الموت فوق أرضنا.. وصرنا نعانى أسوأ مشكلة عرفها البشر في تاريخهم. الفلسطيني صار يفتش حتى عن قبر ليدفن فيه، وكم من جثمان ينتقل من بلد إلى آخر.. نعيش بلا أرض.. وبلا قبر.. أليست هي المأساة؟ أليست هي الكارثة، أن بعض الجنود العرب يحمى حدود العدو ويستميت في الدفاع عنها، أكثر من الجندي الإسرائيلي نفسه؟ حين تصبح الكرامة أهم من النظام، حين يصبح الحق المسلوب أهم من الكرسي، نكون قد بدأنا فعلاً مسيرة تحرير فلسطين.
الأمر الثاني الذى أود التنبيه إليه، هو إمكانية تفسير الاحترام الغربي للشعب اليهودي، في وقت تفتقد أمتنا العربية مثل هذا الاحترام. أغلب الظن أن الاحترام الغربي للشعب اليهودي مرجعه محاكاة الآخرية اليهودية للآخرية الغربية، في عدم متاجرتها بأبناء ثقافتها! في وقت تستعر فيه نيران متاجرة الآخريتين، اليهودية والغربية، بأبناء ثقافات أخرى! لاشك أن أبناء الحضارات المختلفة لم يستفيدوا بالمقدار نفسه من الزمن الماضي الذي كان لبعضهم ـ ومنهم أبناء ثقافتنا العربية، لأنه زمن ضائع، وكان لبعضهم الآخر زمن حافل بالتطور المعرفي. وهكذا نصل إلى التمييز بين نوعين من التاريخ: تاريخ تقدمي اكتسابي، يجمع الفكر النقدي والتجربة التحررية ليبني صروحاً معرفية، وتاريخا آخر، ربما كان نشيطاً بالمقدار نفسه، وانما تعوزه التجربة التحررية! فكل إبداع بدلاً من أن يُضاف إلى الإبداعات السابقة ويُغنيها، يذوب في ميعان لا يقوى قط عن الاتجاه المناهض للفكر النقدي والتحررية!
الفضيلة والحكمة، ولدتا حرتين، ولكنهما مقيدتان بالسلاسل في كل مكان! بيد أن الفرصة تظل سانحة ـ عند كل لحظة في التاريخ، أمام الأحرار المحبين للحقيقة، للزود بشرف عن حرية العقول والقلوب!
صحيح أنه ليس أمام هؤلاء من شيء مادي يكسبونه لأنفسهم، غير أن الفرصة سانحة أمامهم لكسر أغلال الاستبداد! وتأكيد حق البشر جميعاً في نُشدان الحقيقة، على طريقتهم، احتراماً لطبيعتهم وكرامتهم الإنسانية، واحتراماً لما فيهم من ينابيع عقلية ووجدانية حية! فهنالك، بمعنى ما، حكمة في لجوء الإنسان إلى الجهل، إذا ما عنينا به جهل محبي الحقيقة، لا جهل من يرسفون في أغلال الاغتراب الثقافي المُهين!
ولشد ما تزداد قناعتي، يوماً بعد يوم، بأن الكبار والمؤثرين من واضعي النظريات ـ من أمثال أبي العلاء المعري وماركس وغاندي وإدوارد سعيد، لا يحققون أثرهم القوي بفضل التكامل المنطقي لنظرياتهم، وإنما لأنهم يملأون فراغاً يحس به الظامئون للحرية لاشعورياً، يملأونه بقوة عاطفتهم الأخلاقية وإلحاحها!
على أي حال، لنفترض أن الجنس البشري قُدر له أن يظل في ضيافة الأرض لأجيال أخرى قادمة، وأنه لن يفنى قريباً كما يُروج محترفو التبرير الديني وفلاسفة الضِرار، ولنتصور أن أحفادنا نحن معشر العرب بعد ثلاثة أو أربعة أجيال من الآن، قد أقاموا معرضاً باسم: «أجيال عصر الاستقلال السلبي»!
نعم.. مما لاشك فيه أنهم سيسموننا: «أجيال عصر الاستقلال السلبي»!
إن هذا المعرض الذي أتصوره الآن سيسخر منا، وسيعبر به أحفادنا عن حنقهم نحونا، نحن الأجيال التي تنازلت عن حقها في امتلاك الحرية وثقافة حرة ومتطورة، وتعمد في جرأة (مُستفزة) للتواطؤ مع الآخريتين العالمية والإقليمية! أبواق الآخرية العربية، خاصة في الدول العربية الملاصقة لفلسطين، دأبت على الصراخ والتباكي على الحصار والتجويع اليهودي الوحشي لأخوة لنا في أرض فلسطين! حتى أن أجيالاً يُعتد بها من الساسة والإعلاميين والمفكرين والفنانين وغيرهم، بنوا ريادتهم وصيتهم على هذا التباكي! المدهش هو أن أبناء ثقافتنا العربية لم يساورهم الشك يوماً، في مصداقية هؤلاء الرواد وصرخاتهم!
وتأكدت لي هذه القناعة بقوة، وأنا أشاهد على شاشة التلفزيون، مقدمي البرامج وضيوفهم المُتعارف عليهم في مثل هذه المناسبات، يتلعثمون ويرتجلون، في سعيهم المضحك والمبكي في الآن ذاته، لإقناعنا بسلامة موقف النخبة الحاكمة، في تعاطيها مع الحصار الخانق على غزة.. والغليان الحاصل في فلسطين الآن .ما يهمني هنا هو التأكيد على زيف دعاوى الخطاب المُعلن، وليس لجاهل أن يظن أنني أستثني النخبة الحاكمة في بلاده من حديثي، فالنخب في بعض البلدان العربية تقتل الفلسطيني أو تعتقله إن تسلل لحدودها.
والآن، أما وقد انتهيت من تشريح مأساة الاتجار بالذات الفلسطينية، باعتبارها دليل إدانة لنا، نحن أجيال عصر الاستقلال السلبي! أتمنى أن أكون قد أحرزت تقدماً، ولو ضئيلاً، على طريق لفت الانتباه لما أتصوره عاراً، ستُعيرنا به الأجيال القادمة، أقصد استقلالنا السلبي، والآخرية العربية، واغتراب الذات العربية ثقافياً!

فيحاء ستيتية*

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية