بيروت – رولا الحسين: لم تكن لعبة كرة القدم يوماً غريبة عني. في طفولتي مارسها صبيان قريتي في مساحات، قرروا انها ملاعب وان توسطها شجرة زيتون يلتفون حولها لتسديد تمريرات دون ان يعتبروا في هذا الأمر اخلالاً بقواعد اللعبة. نصبوا «حواجز محبة» لدفع ثمن الأحذية الرياضية والـ»يونيفورم» وتنظيم المباريات بين الأحياء. صمموا كأسها وصنعوه يدوياً من قنينة ماء بلاستيك.
حتى اني في مراهقتي شاركتهم اللعب احياناً، حين تخلت عني صبايا الحي لصالح «كزدورة» ما قبل آذان المغرب. شكلتُ فريقاً من الفتيات الأصغر سناً مني. كنت انا مدربة الفريق المتحمسة للعبة والجاهلة بمعظم قواعدها والمنتقمة من الصبايا ولصبيانيتي.
وفي مكان اقامتي الآخر في بيروت، شجع شبان الحي احدى اشهر فرق اللعبة المحلية «النجمة». انقسموا يومها في تشجيع الفرق العالمية وان كان حينها لفريق الأرجنتين وبطله مارادونا الحصة الأكبر، حسب ما تسعفني ذاكرتي.
كانت أول متابعة لي لبطولة كأس العالم في العام 1990. شجعت آنذاك فريق المانيا، لأن كل من كان حولي من متابعين شرسين، يشجعونه. ربح فريق المانيا في البطولة ،عندما تواجه في المباراة النهائية مع الأرجنتين. وتغيّر ولائي للفرق وفق ولاء الكبار من حولي. ثم لاحقا قررت ان اختار من اشجّع تبعاً لمن يعجبني لعبه اثناء المبارايات. ففي العام 1998 تابعت المباريات كما فعل كل من يحيطنا من جيران. راقبت مع ابي اداء الفرق. اخترنا تشجيع منتخب البرازيل بعد ان بهرتنا خفة حركات لاعبيه. عانيت من مرارة الخيبة عندما خسروا امام منتخب فرنسا في المباراة النهائية، واستمتعت بنشوة «نصرنا» عام 1994 عندما منينا منتخب ايطاليا بالخسارة.
بقيت مخلصة للبرازيل، من دون اي متابعة لأي مباراة اخرى لأي فريق او اي بطولة الا بطولات كأس العالم. فأًصبحت مشجعة مثابرة كل اربع سنوات. أرتدي الأخضر واطبع رقماً لأحد اللاعبين المفضلين ولا اذكر لماذا اخترت دوما الرقم 10. احفظ اسماً او اسمين، ومع مشاهدة كل مباراة اثناء البطولة اضيف اسم لاعب إلى ذاكرتي ثم انساهم كلهم بعد البطولة. إلى ان تخليت عنها، عام 2010 عندما خذلني اداء اللاعبين. وانتقلت إلى صفوف الإسبان وعرفت انني خائنة للعبة. ولست بأصالة صبيان الطفولة وشبان المراهقة. وانني عار على المشجعين. وعندما حانت بطولة العام 2014 قررت مع قدومها ان اتوقف عن تشجيع اي فريق لأني لست أهلا للقب «المشجعة».
ارى الصبيان الصغار منهم والكبار، ارى لهفتهم وعشقهم للعبة. احسد شغفهم وذكرياتهم وتعصبهم لفرقهم، اغير من حفظهم لكل تلك الأسماء ولتواريخ الفرق والبطولات المحلية والأوروبية والعالمية. فيما انا لا اعرف اسماء اللاعبين. لا اتابع الفرق اثناء بطولاتهم المحلية. لا اعرف اسماء هذه الفرق حتى اني لا اعرف من هي الفرق التي يجمعها خصومة تاريخية. لا اعرف تاريخ اللاعبين والفرق. اصاب بفصام عندما اكتشف ان لاعباً ما يلعب في صفوف منتخبه ضد من هم في فريقه خارج البطولة. فعلى اي اساس سأشجع اي منهم؟ ابدو تافهة جدا عند مقارنة متابعتي بمتابعة المشجعين الحقيقيين. اجدني ضيفة تقرر الإنضمام لفرق التشجيع للأسباب الخاطئة. انا مجرد دخيلة.
الا اني خلال البطولة الأوروبية الحالية التي بدأت في شهر يونيو/ تموز والتي لم اتابع الا مباريات منتخب آيسلندا الأخيرة بعد ان فاجأ العالم بوصوله إلى هذه المرحلة، وجدتني اختاره كفريقي المفضل ولأسباب واضحة انها غير رياضية وواضح اني لا ابالي بعدم تصنيفها بهذه الخانة. قررت انه يكفي ان يكون لدي سبب خاص كسعادة الإنتماء للمبتدئين، انا كمشجعة وهم كمنتخب، كي اصدق اني مشجعة واني جزء من هذه اللعبة وصبيانها.
قررت انه يكفيني ان اتابع اللعبة (حين اتابعها) حبا بالصبيان اللاعبين، والصبيان المشجعين. حبا بشغفهم وصبيانيتهم. حبا بعاطفتهم تجاه الكرة والتزامهم بحب هذه اللعبة.
سأحب كرة القدم دون ان اتمكن دائما من تمييز الـ o side. وسأحزن مع حزن الخاسرين من اللاعبين والمشجعين. وافرح كلما رأيت شباناً تركوا كل التزاماتهم، واستحموا وتعطروا وارتدوا «جيرسي» فريقهم وجهزوا باحتهم الخاصة وتسمروا امام شاشات عملاقة نصبوها خصيصاً لمتابعة كرة تركل من قدم إلى أخرى.