بدا سؤالنا المعلق من الأسبوع الماضي وكأنه مقدمة لتناول ما آلت إليه الأوضاع مؤخرا.. حين استرجعنا الرأي في ثورة يناير خلال أسبوعها الأول، وقلنا «إنها لحظة فاصلة في تاريخ الشعب؛ طالما انتظرها وتطلع إليها. ومن الواجب أن تتضافر الجهود وتتكامل المساعي من أجل أن تصل هذه اللحظة إلى غايتها، وهي النصر النهائي والتخلص من الاستبداد والفساد والتبعية والإفقار.. لماذا لم تصل تلك اللحظة إلى غايتها بعد؟».. ولو وصلت هذه اللحظة لغايتها ما تطورت الأحداث إلى الدرجة التي جرت عليها خلال الأيام القليلة الماضية بدمويتها وغدرها.. وما كان ذلك ليمتد لأكثر من أربع سنوات؛ اتسعت فيها المسافة وامتدت بين غياب الثورة بالآمال المعقودة عليها، وبقاء الدولة على حالها القديم.. ولو تم اللقاء بين الثورة والدولة ما واجهت مصر حربا بهذه الضراوة.
وأسمح لنفسي برواية قصة كانت بداية تعرفي على طريقة تفكير جماعات العنف المسلح المعروفة في أدبيات الإسلام السياسي بـ»الجماعات الجهادية».. والقصة مر عليها الآن أكثر من ثلاثين عاما.. وكان «المجلس الإسلامي الأوروبي» وقتها نشطا في التصدي لتداعيات زيارة السادات المشؤومة للقدس المحتلة.. وكان أمينه العام وقتها المرحوم سالم عزام دائم السعي إلى فتح قنوات، وإقامة جسور بين فرق وتنظيمات الإسلام السياسي وبين جماعات وأحزاب المعارضة الوطنية خارج مصر. وأقام جسرا قويا مع الراحل الكبير الفريق سعد الدين الشاذلي، بطل العبور والمنفي حينها في الجزائر؛ بسبب موقفه الرافض لسياسة السادات.. بجانب جسور أخرى مدها مع رموز وطنية مصرية مهاجرة أو منفية.. وفي سني ثمانينات القرن الماضي الأولى اتصل بي طالبا حضوري إلى مكتبه في حي بلغرافيا الراقي بلندن على عجل!.
وذهبت ووجدت بصحبته الشيخ عمر عبد الرحمن؛ مفتي «الجماعة الإسلامية».. ويقضي حاليا عقوبة السجن المؤبد بعد إقرار محكمة أمريكية ضلوعه في تفجيرات نيويورك 1993. وحين قرر الشيخ عبد الرحمن الإقامة في ولاية «نيوجرسي» الأمريكية، ذهب إلى هناك وأُلقي القبض عليه، وقُدم للمحاكمة، فأصدرت حكمها السابق. وما زال سجينا حتى الآن.. وقدمني المرحوم سالم عزام إلى الشيخ، ولم أكن قد قابلته من قبل، وتركنا نتبادل أطراف الحديث.. وتحركت فيّ نزعة الفضول ورغبة التعرف على شخصية أصبحت أنا وهي وجها لوجه.. وقلت بيني وبين نفسي أنا الآن في حضرة رجل متشدد «ملأ الدنيا وشغل الناس».. وهي فرصة أدير معه حوارا موسعا للنشر على الرأي العام في ذلك الوقت.
اخترت المدخل الذي تصورته مفيدا ومثيرا في وقت واحد، قلت: «يا شيخنا هل تسمح لي بالتعرف على رأيك في جدوى الاغتيالات السياسية؟».. ولم يدعني أكمل وهب مقاطعا؛ وصوته عال وقوي وحاد، ومن قوة الصوت وعلوه وحدته خفت أن يقوم سكان المباني المجاورة في ذلك الحي الهادئ بإبلاغ الشرطة.. وقال: «هذا جهاد في سبيل الله»!! وكررها أكثر من مرة.. وأمام هذا النبرة المفاجئة توقفت عن الاسترسال، وسلمت بعدم جدوى حوار بهذه الطريقة، وآثرت السلامة.. ولذت بالصمت لدقائق؛ ثم استأذنت بالانصراف. ومن يومها شعرت بأن التطرف لا علاقة له بالحوار والأخذ والعطاء، وقد أقام بنيانه على التحفيظ والتلقين، والتسليم بمبدأ السمع والطاعة.. وتبين لي يومها البون الشاسع بين اتزان وسلاسة المرحوم سالم عزام، واحترامه للكبير والصغير.. وانفعال الدكتور عمر عبد الرحمن.. وتواصلت علاقتي مع المرحوم عزام، وكثيرا ما دعاني إلى منزله القريب من حديقة «الهايد بارك» الشهيرة. وكانت تلك هي المرة الأولى والأخيرة التي ألتقيت فيها بالشيخ عبد الرحمن.
وأساس عدم وصول الثورة إلى غايتها يعود إلى رفض الدولة للثورة، والاستطراد هنا لا يستقيم دون الإشارة للفجوة التي اتسعت بين الاتجاهات الغالبة في الرأي العام المصري وكثير من كتابات ومتابعات كتاب وصحافيين عرب من بلدان ليست أفضل حالا من حال مصر.. بل على العكس.. ويكتبون ويتحدثون تشفيا وتحريضا وتوريطا.. دون كلمة أو صوت لحقن دماء أبنائهم وأشقائهم أولا، وبعدها يستديرون إلى مصر.. وهم يعتمدون في مراجعهم واستشهاداتهم على أقوال وادعاءات توفيق عكاشة وأحمد موسى.. وهمهم إشعال الحرائق.. والتباهي بإزهاق الأرواح.. والتطبيل والتزمير لـ «مهرجانات الدم والنار».. ومنهم من كان يرتدى رداء الباحث، وثوب المدقق وكاتب الرأي، وعباءة الشيخ وأحيانا حلة المفكر، وكلهم يصبون الزيت على نار الفتنة وفي أتون «التدمير الذاتي».
وعلي أن أتعرض هنا إلى القلق البادي من التطورات الأخيرة، ووجودي خارج مصر يزيد من درجة الإحساس بهذا القلق، وهو قلق لا يتناقض مع الانحياز للثورة وتأييد عودة الدولة واسترداد عافيتها ودورها؛ بشرط تغيير إداراتها وأجهزتها الفنية والتنظيمية وعلاجها من أمراض وأدران الفساد.. ومن الرشوة والمحسوبية والبلطجة، وفسخ الزواج الباطل بين سلطان السياسة وسطوة المال، وإبعاد أصحابه عن الحكم، ومحاسبتهم وتوقيع العقاب على المدانين منهم، وبغير ذلك تبقى أجهزة الدولة رديفا وسندا للإرهاب وعمقا له.. خاصة وهي مستمرة في إسناد وظائفها التنفيذية والإدارية لغير المؤهلين وللطابور الخامس، الذي يعمل على تدوير النظام القديم.. وخدمة المنظمات المالية الغربية؛ الأمريكية خصوصا.. وكلها تدفع في اتجاه هدم الدولة.. وتتفنن في حرمان المواطن من ثمار عرقه وجهده وإبداعه.. وتضغط في اتجاه الإجهاز على الطبقة الوسطى، واستئناف برنامج الخصخصة الجاهز للتنفيذ.
والقلق لا يتنافض مع الوقوف وراء القوات المسلحة؛ ضباطا وجنودا في معركتهم الباسلة ضد الإرهاب، وحين تابعت من لندن الاستعدادات لشن الحرب على العراق؛ شاركت في أول «مليونية» بريطانية ترفض الحرب. وفي اليوم التالي خرجت صحيفة «ديلي ميرور» وعلى كامل صفحتها الأولى صورة «المليونية»، وفي وسطها صورة صغيرة لتوني بلير رئيس الوزراء وقتها؛ يصم أذنيه بأصابعه، وكَتَبت تحتها: «هل أنت أصم مستر بلير؟!»، ولم يوجه كاتب أو صحافي بريطاني انتقادا لجندي أو ضابط واحد.. وكانت الانتقادات من نصيب السياسيين.. ولما بدأت الحرب توقف النقد تماما خوفا من تأثير ذلك على معنويات الجنود في ميادين القتال..
يرى أشقاء عرب معروفون بمواقفهم المساندة وتقديرهم لدور مصر وأهميته.. ويرون في عودتها واستئناف دورها مكسبا كبيرا لكل المنطقة في هذه المرحلة الحرجة، وهم أحوج ما يكونون له.. لكنهم يحذرون من خطر وقوع جيش مصر المتماسك والقوي في فخ «السيناريو السوري».
ونأتي إلى سوء الفهم الذي يحيط بثورة 25 يناير؛ نجده من أهم أسباب تردي أوضاع الأمنية في مصر.. وأخطر ما نتج عنه هو كثرة المعارك وتعدد الجبهات.. ولم يكن ضروريا في الظروف الراهنة ترك الحبل على الغارب لفلول عائلة مبارك وجماعات المصالح المرتبطة بها.. وتمكينها من التشهير والتنكيل بشباب الثورة، وإيداعهم السجون بينما يستمتع رموز الاستبداد والفساد والتبعية بحريتهم، وتتوالى التشريعات لصالحهم وتسوية أوضاعهم المالية والعقارية، والحكومة الحالية أول من شرعن لـ»غسيل الأموال» المنهوبة في تاريخ مصر الحديث في حدود علمي.. وحولتها من ثروات حرام إلى أصول مشروعة بأيدي مجرمين ومنحرفين ولصوص.. بجانب «تسامح مجَرّم» تمارسه دوائر قضائية لخدمة رموز النظام القديم، وهو ما جرى عكسه ضد شباب الثورة.. وكأن هذه الدوائر بأحكامها تسلم بالولاء للنظام القديم.
إذن لا بد من تغيير فلسفة التشريع؛ الآن وبعد إنتخابات مجلس النواب؛ لوضع قواعد «الحكم الرشيد»، على ألا يغيب عن ذهن المشرع أنه يشرع لدولة حديثة؛ لا تحرض، ولا تنتقم، ولا تثأر من أحد، بل تُسائِل، وتحاسِب، وتردع. وإذا ما واجهت حربا حقيقية؛ كالتي تخوضها حاليا ضد الإرهاب المحلي والإقليمي والعالمي، فالقانون يسمح لها بتغيير طابع الاقتصاد إلى «اقتصاد حرب»، ويمنحها حق إعلان حالة الطوارئ، وتطبيق الأحكام العرفية، وكفالة سرعة التقاضي في جرائم الإرهاب، ويبقى هذا أقل جدوى إذا ما استمر غياب العدالة الاجتماعية، وبقي الإنحياز للأثرياء على حساب الفقراء والطبقة الوسطى.. فتطبيق العدالة الاجتماعية يريح شهداءنا في قبورهم ويطمئنهم على ذويهم ومستقبل أبنائهم وبناتهم، ويخفف من حدة الاحتقان بين الأحياء.
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب