بعد أن تمكنت القوات العراقية بدعم التحالف الدولي من هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش» في الموصل العام الماضي، ظهرت مشكلة تعدد الجهات الأمنية داخل المدينة وانعكاسها المباشر على حياة الناس الاجتماعية، من خلال تضارب القرارات والأوامر وتداخل قواطع المسؤولية بين صنوف القوات المتواجدة داخل مركز المدينة ومحيطها، وهو الأمر الذي بات يشكل ظاهرة يتذمر منها السكان المحليون.
وامتد تأثير تعدد المرجعيات الأمنية في الموصل ليصل إلى الجوانب المعيشية البسيطة، كنقل أثاث المنازل، مما يذكرنا بتعقيدات وتداخل أجهزة المخابرات في سوريا، التي تتدخل فيها المخابرات الجوية في تصريحات محلات البقالة.
المواطن هيثم صالح الذي يريد نقل أثاث بيته من الجانب الأيسر إلى الجانب الأيمن وتحديدا إلى منطقة العكيدات، يقول ان كل شخص يريد نقل أثاث بيته بين جانبي مدينة الموصل أو حتى داخل أحيائها في الجانب نفسه، يتوجب عليه أخذ موافقات أمنية من كل من: 1- مديرية محافظة نينوى. 2-قيادة عمليات نينوى. 3-الحشد الشعبي. 4-الاستخبارات. 5-الأمن الوطني. ويضيف في حديثه لـ»القدس العربي» ان «كل ختم (موافقة) من الجهات المذكورة يحتاج إلى الوقوف في طابور لساعات طويلة وأحيانا تأجيل ليوم أو يومين لحين استكمال الإجراءات، ولا يقتصر الأمر على إنجاز المعاملة الخاصة بنقل الأثاث، بل يتطلب الأمر منك أحيانا الوقوف من الصباح حتى الظهر أو العصر، لعبور سيطرة تفتيش واحدة على الرغم من استصدارك كافة التصاريح الأمنية الخاصة بالنقل».
وحسب نشطاء تحدثت إليهم «القدس العربي» في الموصل، فان ما يعقد الإجراءات أكثر، هو ان «كل دائرة حكومية أو خدمية، لديها نظام (التدقيق الأمني) لمعرفة فيما إذا كان الشخص المراجع ذو سجل أمني نظيف أم لا، فمن يريد – مثلا- تجديد بطاقة الهوية الشخصية المسماة (هوية الأحوال المدنية) عليه أن يمر بأربع حاسبات تابعة لأربع جهات أمنية مختلفة لتدقيق اسمه أمنيا، وهذا يسبب تأخيرا في إنجاز معاملات الناس ووقوفهم في طوابير طويلة لاستصدار أي مستمسك ثبوتي يرومون تجديده».
وكان قائد عمليات نينوى اللواء نجم الجبوري وعد في تصريح لقناة «الموصلية» الفضائية قبل أشهر بما أسماه (توحيد الكمبيوترات) من أجل تسريع إنجاز معاملات المواطنين واختصار الوقت، لكن تلك الإجراءات والروتين لم يطرأ عليها أي تغير منذ تصريح المسؤول العراقي وإلى الآن حسب شهادات مواطنين من داخل المدينة.
تشابه الأسماء
ولعل أكثر مشكلة تُسببها اللامركزية الأمنية داخل مدينة الموصل هي مشكلة (تشابه الأسماء)، إذ تتشابه أسماء لأناس أبرياء مع أسماء من تصنفهم الحكومة العراقية كمطلوبين وفق المادة (4/إرهاب) بتهمة الانتماء لتنظيم «الدولة»، حيث يتعرض من له اسم متشابه للمساءلة وأحيانا الاعتقال من أكثر من جهة أمنية. ويروي أحد السجناء الذين خرجوا من سجن تابع لمركز شرطة «كوكجلي» أيسر الموصل، لـ»القدس العربي» أنه التقى بمعتقلين داخل مركز الاحتجاز بعضهم معتقل للمرة الثالثة من قبل جهات أمنية مختلفة بسبب تشابه اسمه مع اسم آخر مطلوب للحكومة العراقية، قائلا «اعتقلت للمرة الأولى في حي صدام من قبل الحشد ونقلوني إلى سجن تابع لهم في منطقة برطلة، وبقيت محتجزاً 47 يوما، ثم خرجت بعد أن دفعت مبلغ 15 ورقة (1500$)، ثم اعتقلت في المرة الثانية من قبل الشرطة الاتحادية في سيطرة منطقة الرشيدية، واستمر سجني لثلاثة أشهر، وهذه المرة الثالثة التي لا أعرف متى ستنتهي».
الجهات الأمنية من جانبها، تحاول حل هذه المشكلة عن طريق ما أطلقت علية إجراء (كف التحري) وهو استحصال كتاب من جميع الجهات الأمنية داخل الموصل (سوات، والجيش، والشرطة، والحشد، والأمن الوطني، والاستخبارات) لإثبات براءة حامل ذلك الكتاب، لكن هذا الأمر يتطلب دفع ما بين (3000 – 4000$) لمحامي يتم توكيله من قبل الشخص المعني لإتمام إجراءاته، وهو ما يجعل أغلب المواطنين يحجمون بسبب العجز المادي. ويقدر سامي الفيصل مدير إحدى المنظمات الإنسانية في الموصل أن ما يقارب 2500 شخص يعانون من ظاهرة تشابه الأسماء.
وكان النائب محمد إبراهيم البياتي المسؤول عن لجنة الأمن في مجلس محافظة نينوى، في تصريح لوسائل إعلام محلية طالب بالتوقف فوراً عن اعتقال الأشخاص استناداً إلى تشابه أسمائهم الثلاثية فقط، وطالب بوضع نظام يضمن عدم اعتقال أي شخص لمجرد تشابه الأسماء.
شجار يتطور إلى استخدام أسلحة
ولم تقتصر مشكلة اللامركزية الأمنية على المواطنين فقط، بل تتعدى إلى الأجهزة الأمنية فيما بينها، فمنطقة المجموعة الثقافية أيسر الموصل صار شائعا فيها حدوث الشجارات بين أفراد تابعين لجهات حكومية مختلفة. فقد أخبرنا صاحب إحدى المحلات التجارية في تلك المنطقة عن شجار حصل ثاني أيام عيد الفطر بين عناصر تابعين لحشد أثيل النجيفي المسمى «حرس نينوى» وبين كتائب العباس القتالية التابعة للحشد الشعبي، وأن الشجار تطور إلى استخدام الأسلحة وأنه سمع أصوات إطلاق عيارات نارية.
كما استغل البعض سواء من المنتمين للجهات الأمنية المختلفة أو ممن ينتحلون صفتهم، هذه الظاهرة وضعف إثبات تبعية كل فرد لأي جهة ليقوموا بابتزاز أصحاب المحلات التجارية وصياغ الذهب والقائمين على مولدات الكهرباء الخاصة لأخذ أتاوات منهم. وقام الناشط بتوثيق حالة أحد العاملين في مولدة كهرباء في حي التأميم (عمر 23عاماً)، إذ ذكر لـ»القدس العربي» أن مسلحين بزي الحشد وبسيارات مدنية طرقوا عليه باب مكان عمله في الحادية عشرة ليلا وطلبوا منه مبلغا ماليا، يقول: «فاتصلتُ على صاحب المولدة فأخبرته بالأمر، فاتفق معهم عن طريق الهاتف على إعطائهم 300$».
لأجل كل هذا يطالب السكان المحليون داخل الموصل، بتوحيد الجهات الأمنية وربطها بمرجعية واحدة وهي محافظ نينوى لكي لا يتكرر الوضع قبل عام 2014 الذي أدى إلى حصول شرخ كبير بين المواطن وعنصر الأمن، كانت نتائجه أن تمكن تنظيم «الدولة» من الاستفادة من ذلك الوضع.
تقاطع الأهداف والمهام
لكن مشاكل الأجهزة الأمنية في الموصل، ليست جديدة، فكما تنعكس الآن على حياة المواطنين في المدينة فيما يتعلق باحتياجاتهم المعيشية المباشرة، فان تعدد هذه الأجهزة وإشكالية تنظيم عملها داخل الموصل والتحديات الأمنية التي قد تواجهها بعد إبعاد تنظيم «الدولة» من المدينة، سبق وان أثار اهتمام الباحثين العراقيين، ومنهم اللواء الدكتور عماد علو، الذي نشر بحثا مطولا في المركز الأوروبي لمكافحة الإرهاب، يتحدث فيه عن المعضلات التي تواجه هذه الأجهزة، إذ اعتبر ان تعدد أجهزة الأمن في الموصل يقود إلى إرباك عمل هذه الأجهزة، معلقا في بحثه المنشور على مشكلة الهيكلية لهذه الأجهزة: «على الرغم من تعدد أجهزة الاستخبارات وجمع المعلومات في القوات الأمنية العراقية، إلا أنها تفتقر إلى التخصص والتنسيق الدقيق فيما بينها، بسبب عدم وجود قيادة أو جهة مركزية تنظيم أنشطتها وأعمالها. ولعل هذه المشكلة الهيكلية تعتبر أساسية لأنها ترتكز على مشكلة عدم تقاسم المعلومات بين الوكالات الوطنية، ناهيك عن التعاون فيما بينها في جوانب فنية وتنفيذية أخرى».
ويعتبر الباحث ان تعدد الجهات الأمنية وتداخل المهام وتشابهها وأحيانا تعدد مرجعياتها الإدارية، من شأنه المساهمة بضعف المنظومة الأمنية، ووضع العراقيل والمعوقات أمام تنفيذها لواجباتها ومهامها. ويعتقد اللواء علو، ان غياب أو فقدان التخصص في عمل ووظائف الأجهزة الأمنية والاستخبارية، قد يولد العديد من أشكال التداخل والتقاطع في الأهداف والمهام، الأمر الذي يؤدي إلى هدر في الجهود الاستخبارية.
ولضمان نجاح عملها، يدور الحديث عن تعزيز التعاون والتنسيق بين الأجهزة الأمنية والاستخبارية ومسؤولي الحكومة المحلية (المحافظة والقائمقامية) في نينوى، وذلك لضمان تأمين الدعم السياسي والاجتماعي لعمل الأجهزة الأمنية والاستخبارية والتركيز على وضع الشرطية بأمرة الحكومات المحلية، وهذا ما ينصح فيه اللواء علو مؤكدا على ضرورة تعزيز ثقة المواطنين في مدينة الموصل بالأجهزة الأمنية والتفاعل معه واشراكهم في حماية منطقته، وتنظيم مسح دقيق مع تجزئة وتفعيل دور المختارين والمعلومات المحلية، معتبرا ان تعزيز التظافر بين السكان المحليين وهذه الأجهزة هو الحل الأمثل لحل أزمة الثقة القائمة، ضاربا عدة أمثلة من دول غربية، مشددا على ضرورة الاسراع بتلافي النقص في الموارد البشرية «وذلك باستحداث وظائف وتطويع المزيد من أهالي محافظة نينوى للعمل في الأجهزة الأمنية! وهي مسألة ضرورية جدا إذا ما علمنا أن بعد تعرض الدول الأوروبية لهجمات إرهابية في العامين المنصرمين قامت الحكومة الفرنسية بفتح 8500 وظيفة جديدة في قطاعي الأمن والقضاء واستحداث خمسة آلاف وظيفة داخل جهاز الشرطة، وقامت الحكومة البلجيكية باستحداث 4600 منصب أمني، وستكون حصة الشرطة الاتحادية ثلاثة آلاف وظيفة».