يُحكي أن أعرابيا سمع رجلا يخوض في عيوب الآخرين فقال له «استدللت على عيوبك بكثرة ذكرك لعيوب الناس؛ لأن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها». وعدد ليس بالقليل من بين المتصدرين للمشهد السياسي والإعلامي والرياضي في مصر على شاكلة ذلك الرجل الذي استمع إليه الأعرابي؛ منفلتون، عدوانيون واستفزازيون؛ في واقع لا ينقصه شيء من ذلك.. وأحزاب الأنابيب تسمية نطلقها على أحزاب من تصنيع «أباطرة المال» لتكون لهم الهيمنة على دولاب الحياة السياسية. ومن المتوقع أن تكون مخلبا لنهش مصر.. وهو ما تراهن عليه واشنطن حاليا.. وهذه أحزاب لا تدخل ضمن التصنيف التاريخي والعلمي للحزب ووظيفته.. وينطبق عليها تعريف «الأحزاب الشخصية»؛ المملوكة والممولة من قبل شخص بعينه؛ تقوى بقوته وتضعف بضعفه وتموت بموته.
وأكبر أحزاب الأنابيب يعتنق «الليبرالية».. فهي تناسبه؛ كأيديولوجية فردية وانعزالية ومتماهية مع السياسة الغربية. ولهذا ركزنا عليها في الأسابيع الأخيرة بسبب الهالة والعصمة المزيفة المحيطة بها. ونستثني منها «حزب الوفد» لتراثه الوطني ودوره في ثورة 1919.. وبقي حزبا إصلاحيا؛ يحوز على الأغلبية.. ومع ذلك لم يُتِح له تحالف الاحتلال والقصر وكبار ملاك الأراضي؛ لم يتح له فرصة الحكم لأكثر من سبع سنوات، فيما بين 1924 وحتى 1952.. وهو حزب قديم وليس طارئا، ولا يحسب من أحزاب الأنابيب الجديدة بعد ثورة يناير، ولاحت خطورتها بعد ثورة يونيو بعد حصول أكبر أحزابها، وهو «حزب المصريين الأحرار» على 65 مقعدا نيابيا!!.
وتشبيه هذه الأحزاب بـ»أطفال الأنابيب»؛ لأنها علاج طبي للتغلب على العقم والعجز عن الإنجاب بالتلقيح الصناعي ونقل «نطفة ملقحة» إلى رحم الأم، فيتكون الجنين حتى يكتمل وليدا؛ وهذا التشبيه قد لا يكون دقيقا، وكان الأصح أن تكون هذه الأحزاب أشبه بـ»الأميبيا»، ذات الخلية الواحدة؛ شديدة الضرر. والمال في أحزاب الأنابيب هو هذه الخلية الواحدة التي لا تعالج العقم السياسي. وتحيا الأحزاب بالناس وبين الناس ومع الناس؛ بالعقل الراجح والوعي الوطني والفكر الثاقب والثقافة الخلاقة والجهد المبدع، والمصالح المشروعة، والأحزاب الحقيقية حواضن لها وتسعى دوما لتحقيقها..
وحزب مملوك لفرد؛ مهما كانت قوته المالية وسطوته الإعلامية.. يبقيه معلقا في الفراغ؛ فلا هو الذي استقر على أرض صلبة، ولا استطاع الارتقاء إلى فضاء رحب.. ولهذا فإن ما تخطط له هذه الأحزاب لشن «حرب ليبرالية»؛ لن تجد ظهيرا وعمقا في الشارع وبين الناس، وهذا ما قدمنا له في مقال السبت 11/ 12/ 2015، ومن يبدأ من فراغ ينتهي إلى فراغ.
وصاحب ومالك أكبر أحزاب الأنابيب توقفت معارفه عند آدم سميث أكثر اقتصادي الغرب انحيازا ودفاعا عن رجال الأعمال في القرن الثامن عشر، وهو القائل: «دع رجل الأعمال يحرر نفسه.. وسيحرر هو عندئذ البشرية».. وثبت أنه كي يقوم بذلك فلا بد له أن يسيطر على الدولة، ويجرد طبقات وقوى الشعب العاملة والمنتجة من كافة حقوقها الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية؛ فتعجز عن منافسته.. وأفضل الدول لديهم هي التي لا تتدخل، ولا تتجاوز حدودها؛ كي لا تقف عقبة أمامهم.. واستقر ذلك عقيدة ثابتة لدى «أباطرة المال» الرافضين لدور الدولة وأحيانا وجودها ذاته.
ومع ذلك فإن الدولة أداة هؤلاء «الأباطرة» في التدخل داخليا، وتستخدمها القوى الكبرى في فرض الإذعان بكل السبل على الشعوب الصغيرة والمتخلفة؛ بالحصار والغزو العسكري، ثم أخيرا بعسكرة «المعارضة» ومدها بالمال والسلاح، والهدف هو التدمير والمحو من الخريطة.. ودائما ما يعقب التدمير «إعمار» تتولاه شركات واحتكارات كبرى؛ «تدمر ثم تعمر»، وتمد بلادها بالطاقة والقوة الضامنة للبقاء والتفوق.
وبعد قرابة ثلاثة قرون يؤكد صاحب ومالك أكبر أحزاب الأنابيب ما قاله آدم سميث في القرن الثامن عشر: «المنظر العام في إدارة أمورنا هو هو.. لا جديد، ولا تغيير، ولا أي شكل من أشكال التفكير خارج الصندوق»!.. ورفضه الصريح للدعم، وهو يعلم أنه معمول به في أعتى الدول الرأسمالية.. ويقول: «فما زال الدعم موجودا وما زال الاستثمار الحكومي يتضخم مع شركات القطاع العام الخاسرة بل نجد أن هناك بعضا من أساتذة الجامعات المفترض فيهم أن يكونوا على مستوى وعي اقتصادي عال قد ساهموا مع بعض الصحافيين والإعلاميين في تحويل كلمة خصخصة إلى كلمة مريبة بل مرادفة لكلمات مثل السرقة والنهب، متجاهلين ما يعلمونه جيدا من أن أكبر اقتصاديات حديثة في العالم اليوم مثل الصين وروسيا وبقية الدول الشيوعية سابقا قد طبقت هذا النهج، وقد ترتب على ذلك وضعها الحالي المتقدم والمتميز في الاقتصاد العالمي».
وهذا غير دقيق، فالخصخصة في تلك البلاد لتبديد أصول الثروة، وفي مصر فإن الشعب، الذي دفع في هذه الأصول جهده وعرقه ودمه وجدها تتبدد وتذهب لمخربين وقطاع طرق، وعليه لم تكن كلمة الخصخصة مريبة كما قال صاحب الحزب ومالكه فحسب، بل هي جريمة مشينة وقذرة.. وأستغرب موقف من يجد سعادته في شقاء الآخرين ويتفاخر بإذلالهم واستغلالهم. ولو كانت السيدة مارغريت ثاتشر على قيد الحياة لردت وقالت أن المؤسسات والشركات البريطانية التي تخصخصت توزعت ملكيتها على أسهم، اشتراها مواطنون عاديون، وبين يوم وليلة أصبح هناك عشرة ملايين مواطن من حملة الأسهم، فعُرفت بـ»الرأسمالية الشعبية. وكانت تاتشر مضرب الأمثال في الجبروت والشدة.. وكنت أتمنى أن يحدث هذا مع المليارات التي دفعها المصريون طوعا لتمويل ازدواج قناة السويس في مشهد عظيم ضرب به المصريون المثل الأعلى.. فلم تمد الحكومة يدها للمرابين الدوليين، ثم كافأت الشعب بأن حولتها إلى «شهادات استثمار» بدلا من أن تكون أسهما يمتلك بها الشعب قناته ومشروعه.. والخصخصة في مصر كانت تمنح لـ»مستثمر رئيسي».. تموله المصارف من جيب الشعب، وسرقت ثروة الشعب بأمواله المودعة في المصارف.. وهذه السرقات المفضوحة لا تحدث إلا في مصر!!.
وفي المقابل حصد الشعب صاحب تلك الثروة المهدرة؛ حصد فقرا وجهلا ومرضا وموتا.. ولو لم تكن البنية الأساسية القوية والعدالة النسبية في توزيع الثروة ما كانت دولة مثل روسيا قد استردت عافيتها في سنوات قليلة، أما في مصر فقد استبيحت أرضها ومياهها وفضاؤها للمغامرين واللصوص ووكلاء الاحتكارات الأجنبية، واغتصبوا المصانع، التي يصفها بالخاسرة والأراضي «بتراب الفلوس» ومثل هذا الاستفزاز الزائد سيشعل مصر نارا لا تنطفئ.. فتأتي على الأخضر واليابس.. ما كل هذا الجشع والتوحش؟!
و«أحزاب الأنابيب» ظاهرة كاشفة لخطر «المال السياسي»، ليصل تأثيره إلى مجلس النواب؛ من أجل تشريعات ضامنة لاستمرار التدمير النهب المنظم لأصول وثروات مصر.. فهل يطمئن الشعب لمثل هذه الأحزاب.. هل يطمئن؟.. أتمنى ذلك!.
٭ كاتب من مصر يقيم في لندن
محمد عبد الحكم دياب