ليس من السهل أبدا أن تكون أنت بوصفك آخر، أو أن تكون آخر بوصفك أنت، أو أن تكون أنت الآخر في الوقت نفسه في عالمٍ يحرص فيه الفعل النافذ الذي يتحكم في أساليب الحجاج ويملك أدوات تقويض نقيضه، على أن يتجاوز المقولة الفلسفية مباشرة بعد ميلادها، ويأتي على دعائمها بمجرد أن يتضح بناؤها النظري في أذهان من يحلو لهم المكوث الأبدي في هامش الوجود، شارحين ومفسرين ومختصين في إعادة إنتاج ما لم تقله المتون المسجلة بالأوراق الثبوتية داخل الأنساق المغلقة لمنظومات التفكير الغربية.
من المؤكد أن امتلاك ألف متر من الأرض، والحرص على امتلاك أدوات الدفاع عنها أهم كثيرا من الذوبان في عشرات الآلاف من النظريات المتشبثة بحلم المرور بالمكابدات اللامتناهية التي تحبذ بعض الثورات قطعها في مسارات هي أشبه بما حدث للشيوعية، وهي تختار الطريق الأطول للانتقال من الليبرالية إلى الليبرالية. وقد يتحول كارل ماركس، بناءً على هذا الأساس، إلى أكبر منظر لليبرالية، نظرا لما قدّمه لها من خدمات جليلة ليس أقلها تحذيرها المبكر مما يمكن أن يكون للجموع الحالمة بالثورات من خطر على مصير السوق المبنية على مبدأ دعه يعمل دعه يمرّ. ربما لم يذكر آدم سميث في مقولته المشهورة عبارة «دعه يفكر» التي هي أساس كل عمل عمدا، نظرا لقناعته أن العمل هو تفكير بالأساس لأن التفكير الذي لا يحمل قدرة تحوّله إلى عمل ملموس ليس تفكيرا، وأن العمل وحده كفيل بالخروج من الطوباويات والحصول على بطاقة المرور إلى واقعِ تحقيقِ الذاتِ بدون الحاجة إلى رهنها وديعة عند الآخر.
فما الجدوى إذن من أن يصل منجزُك الفكري أو النقدي إلى مئات الدارسين المهتمين بشرحه وتحليله وردمه بتراكم معرفيّ يتجاوزه بعشرات المرات، بما ينتجه من كتب وبحوث أكاديمية ورسائل جامعية، وكذلك إلى مئات الآلاف من الساعين من بني جلدتك إلى التعلق بك تعلّق الأهداب بالعين الرائية، نظرا لما أصبحتَ تمثلُه من إمكانيةِ تحقيقِ الذات عن طريق اختراق الجدران التي تمنعك من أن تكون الآخر، ما جدوى كلّ ذلك.. إذا كانت فكرتك عن الذات لا يمكن أن تتحقّق إلا بما يقدمه لك هذا الآخر من مساعدات مادية يجب أن تمرّ عن طريق (الأونوروا) لتذويب ما تبقى من نسغٍ مُضمر في عمق الذات، داخل فرن مقاربة الآخر المنهجية التي تتغذى من آبار بترول الذات الجمعية المتشظية وتُغذي شتاتها بالفتات؟
ربما أصبح نقد الاستشراق هو كذلك الطريقَ الأطول والأصعب للمرور من إدراك فكرة الاستلاب، بوصفها فعلا كولونياليا إلى إدراك فكرة الاستلاب بوصفه فعلا ما بعد كولونياليّ. وربما كان من الأجدر بالنسبة لهذه الحشود التي تحرص على أن تَثْقَفَ المنحى الفكري المابعد كولونيالي للاستشراق لو أن إدوارد سعيد، اختصارا للوقت والجهد، ورفعا لكلّ لبس معرفي ناتج عن تراكم الشروح وشروح الشروح، أن يكتب على لافتة كبيرة كلمة فلسطين بالبنط العريض، ويرفعها في وجه كلّ مواطنيه الأرضيين الذين التقاهم صدفةً أو عنوةً أو بمواعيد قسرية أو اختيارية، خلال رحلة حياته بين عالمين، لا يمكن أن نتصور نحن المتعلقين بفكره كما تتعلق الأهداب بالعين الرائية، مقدار تباعدهما عن بعضهما، ومقدار انغمار مسافة ذلك التباعد في عمق جرح الرجل العازف على البيانو. ربما كان من السهل بالنسبة له كذلك أن يصرخ باسم فلسطين في وجوه النخب المتكدسة داخل المسارات النظرية المؤدية إلى حلم غد أفضل، على أن يقطع عمرا كاملا في تشريح ظاهرة الاستشراق لتمكين هذه الحشود ونخبها من الانتقال من مرحلة الوعي بالهزيمة الراسخة في بنية الدويلات الوطنية العربية، إلى مرحلة الوعي بالوهم الناتج عن عمق الاستغراق في حلم الدولة المستقلّة.
ويبدو أن ثمة إشكالا جوهريا في أن تكون فلسطينيا وأمريكيا في الوقت نفسه، وأن تحمل معاناة تعمّدِ سوء الفهم المتأتية من الحذر الطبيعي الناجم عن النظر إليك بوصفك آخر- أي بوصفك أنت في منظومتك الطبيعية – وقلّة الفهم الناتجة عن اعتقاد من تدافع عن ذواتهم التي هي ذاتك، بانقذافك في جحيم الآخر، ذلك كفيل بتحقيق حلم الذات نظريا في الموسوعة الفلسفية الغربية. إشكالٌ جوهريٌّ يعبر عن فكرة الاستحالة بوصفها نقيضا لإمكانية التحقّق، خاصة إذا كان هذا التحقّق يمرّ حتما عبر المسارب التي يتحكم الآخر في رسم معالمها وتحديد مصائرها.
ولعلّه لهذا السبب ولغيره كذلك، لم تكن الحرب الناعمة التي خاضها المفكر الفلسطيني إدوارد سعيد طيلة حياته العلمية المثخنة بالجراح من أجل أن يفتك اعترافا افتراضيا بالوجود الفلسطيني، ضمن دائرة المعارف الأمريكية خاصة والغربية عامة، غير صرخة في وادٍ غير ذي زرع، لم يصل صدى نبراتها الحزينة حتى إلى مسامع أقرب المتعاطفين مع طروحاته المناصرة للقضية الفلسطينية من بني جلدتيه الفلسطينية والأمريكية.
كما لم يكن الجلوس على الكرسي الأكاديمي الغربي، والنظر إلى الجمهور بعينين شرقيتين حادتين كفيلين بإقناع المركزية الغربية إقناعا نهائيا بإمكانية تفكيك انغلاقاتها الفكرية برؤيتها العقلانية، وبمنهجها الصارم وبأدواتها الإجرائية النافذة، وتمرير ما كان يختلج في بطن المفكر المهووس بفهم الظاهرة الكولونيالية من توجّسات ومخاوف تمليها حقيقة وجود الغرب في الذات الشرقية، ﻻ بوصفه وجودا استشراقيا قابلا للتفكيك وحسب، ولكن بوصفه محنةً للذات الشرقية المعدومة وغير القابلة للاستنهاض كذلك. ولم تكن مأساة الدرس ما بعد الكولونيالي، التي تبلورت عند العديد من مفكري ما بعد الكولونيالية، والتي يمثلها عازف البيانو الحزين، غير هدية ثمينة يقدمها هؤﻻء، من موقع حلمهم بتجسيد الدولة الوطنية، أو من موقع تجسيدهم لها، على طبق من ذهب، إلى مفكري الغرب وهم يُعدّون العُدّة ﻹصدار نسخة جديدة ومنقحة، من برنامج إعادة تدجين المستعمرات من خلال إعادتها إلى وضعيتها الماقبل كولونيالية، وذلك بالدكّ المنهجي لكل ما استطاعت أحلام الدولة الوطنية أن تنتجه من وعي خارجٍ عن نطاق تغطية الديكتاتوريات المحلية، ومن ضمنه حلم الدرس المابعد كولونيالي، بتحقيق اختراق عقلاني في بنية الوعي الغربي المغلقة.
لقد أثبت واقع اﻷلفية الثالثة في العالم الشرقي أن النسخة الجديدة من برنامج اﻻستشراق، ذات الذاكرة والفاعلية القويتين، والقابلة للتحميل مجانا، ﻻ يمكنها ألاَّ تأخذ بعين اﻻعتبار تحييد القضية الفلسطينية وتفتيت الدويلات الوطنية وتكميم كل إمكانية لميلاد تفكير ينطلق من عمق الذات الشرقية، من خلال تقويضه من داخله بتكليف المستشرقين الجدد من بني الجلدة للدعوة العقلانية إلى الذوبان النهائي لما تبقى من معزوفة الشرق المنهك في سيمفونية وحدة الوجود.
كاتب جزائري
عبد القادر رابحي