أحزان عراقية

في سياق آخر، كانت معركة تحرير «الموصل» ستكون مختلفة، وكان بوسعها تخليق وطنية عراقية جديدة، هي أشد ما يحتاجه العراق المنكوب منذ الغزو والاحتلال الأمريكي.
ولا أحد يختلف على عظمة التضحيات التي قدمها العراقيون، وعلى بسالتهم النادرة في الحرب الصعبة مع أشرس تنظيم إرهابي، حتى لو كانت المعركة ليست من صنعهم وحدهم، ويشارك فيها آلاف من الجنود الأمريكيين والبريطانيين والفرنسيين في الخطوط الخلفية، وبدعم من غارات مركزة يقوم بها ما يسمى «التحالف الدولي»، فهذه كلها عناصر مساعدة، لكن العبء الرئيسي يظل على عاتق القوات العراقية بتشكيلاتها المتنوعة، وتقدم وحدها آلاف الشهداء في قوافل متتابعة إلى يوم التخلص من «داعش».
كل هذا صحيح ومقدر، لكنه لا يجلب الفرح الذي هو من طبع الانتصارات، فالمدن المستعادة لا تعود أبدا كما كانت، بل تعود كأطلال، وركام من الحجر يخلو من البشر، وكما جرى في «الرمادي» و»الفلوجة» و»بيجي» و»صلاح الدين» من قبل، تعود «الموصل» فارغة من ناسها، وقد تحتاج إلى وقت طويل ليعود إليها نبض الحياة الطبيعية، أو شبه الطبيعية، وتستلزم توفير عشرات المليارات من الدولارات لإعادة إعمارها، في وقت تبدو فيه الخزانة العراقية خاوية، وبغير تعويض من حماس دولي وعربي مفتقد لأداء المهمة الثقيلة.
وليت الأمر يتوقف عند الخراب وضرائبه العاجلة والآجلة، وعند تهجير مئات الآلاف الذين قد يعودون، فالموصل «المحررة» متنازع على مصيرها، وكل فئة حملت السلاح تريد اقتطاع نصيبها، فالقوات العراقية الرسمية يغلب عليها النفوذ الطائفي الشيعي، و»الحشد الشعبي» المساند شيعي في عمومه، أضف إليه القوات الكردية التي شاركت في معارك «سهل نينوى»، والكل يستعد لالتهام ما يستطيع من المدينة وجوارها بطابعه السنى العروبي الغالب، وبامتدادها إلى الغرب العراقي في «تلعفر» التي لم تبدأ معاركها الجدية بعد، وهي مدينة مختلطة من التركمان والعرب، ومن السنة والشيعة، ومن نفوذ تركى قديم، ونفوذ إيراني متجدد، وكلها عناصر صدام دموي وارد، قد يطمس معنى الفرح القليل بزوال حكم «داعش»، وقد تحل محله كومة هائلة من الأحزان، لا تجعل الناس يحسون بفارق في طعم المرارة، بين ما كان من طغيان دولة «داعش» وهمجيتها ووحشيتها، وبين طغيان تسلط طائفي مقبل، لا يفوز فيه سوى الكيان الكردي المنفصل، بقضم المزيد من الأراضي العراقية، بما يجعل عروبة العراق التكوينية في خبر كان واختلف.
وباختصار، فقد نكون بصدد تفكيك إضافي مرعب يعقب معركة تحرير الموصل، يضيف إلى أحزان العراقيين مآتم وقبورا جديدة، وجغرافيا عراقية قابلة لدورات جديدة من التمزق، واشتعال حروب الطوائف والأعراق، وربما خلق البيئة المناسبة لتكوين «داعش» جديد، قد يحمل اسما آخر، وقد يكون أكثر همجية، فمع كل معركة جديدة في العراق، تتخلق روح انتقام جديدة، ومن الطبيعة الطائفية الصرفة نفسها، وإن كانت مضادة في الاتجاه وشهوة القتل، فقد كان «داعش» صنيعة لشقاق طائفي، تزيد شروخه في التربة العراقية، ويكتسح ما تبقى من معنى الوطنية العراقية الجامعة، ويدمر عروبة العراق التي كانت النواة الصلبة في تكوينه، ودون أمل قريب في تغيير المعادلة و»المحاصصة» الطائفية المدمرة، التي توزع لحم العراق، كما توزع كراسي الحكم على الطائفيين، ومن وراء قناع أحزاب وجماعات دينية، ليس فيها من الدين شيء، ويدعى أصحابها أنهم يخافون الله، بينما هم يخافون من كل شيء إلا الله، ويطمعون في كل شيء إلا الطمع في رحمة الله ومغفرته، فقد حولوا الدين إلى سكين تذبح، وإلى عباءة تكالب و»تكويش» على مغانم السلطة وثروات العراق المنزوحة.
ولا حل في العراق بغير كنس ما أسمي بالعملية السياسية، وهي ملوثة منذ ولدت، ووضع أسسها بول بريمر حاكم الغزو العراقي، وبدستور مشوه، يلغي عراقية العراق، ويلغي عروبته من قبل عراقيته، ويحوله إلى شركة فيدرالية مساهمة، سرعان ما تنافرت الأجزاء فيها، وسعت إلى حروب إعادة القسمة، وتدبير مجازر الفرز والتهجير والتطهير السكاني، وخلق أحوزة طائفية وعرقية مسلحة، ودفع السنة العرب إلى الهامش وصحراء «الأنبار»، وإلى حد لا يجدون فيه نصيرا سوى جماعات التكفير والإرهاب، وهذه صيغة قاتلة، تقتات على ما تبقى من دم العراقيين، وعلى ما تبقى من أرضهم صالحا للعيش الآمن الكريم فيه، وتجعل اسم العراق تعبيرا رمزيا عن مآسي لا تنتهي، وليس عنوانا لدولة بالمعنى المفهوم.

الداء «الصدري» :
ما يجري في بغداد متواترا ليس ثورة، والسيد ـ بالوراثة ـ مقتدى الصدر ليس قائد ثورة، وقتلى التيار الصدري في المظاهرات هم ضحايا «بابوات» الدم، والشعارات لا بأس بها، فهي احتجاج في محله على الخراب والفساد وتوزيع تركة السلطة، وقد أرادت مظاهرات مماثلة قبل عام إلغاء «المحاصصة» في الحكومة، بينما المظاهرات هذه المرة تريد إلغاء «المحاصصة» في تكوين مفوضية الانتخابات، وكما لم يتحقق شيء في المرة التي سبقت، فلا يتوقع أحد أن يجرى تغيير جوهري على مفوضية الانتخابات، التي تتشكل من عشرات آلاف الموظفين، يتقاضى الواحد منهم راتب وكيل وزارة، ويتأخرون عادة في إعلان نتائج الانتخابات لثلاثة أسابيع، وبحسب قانون انتخابات يعطي الأولوية والفوز لمن يدفع.
وقد لا تكون القصة الأهم في مفوضية الانتخابات وعوارها، وفي سيطرة الأحزاب الطائفية عليها، فالانتخابات في العراق عمل صوري تماما، ونتائجها في كل مرة تشبه التي سبقتها، وتوازنات البرلمان الطائفية تبقى كما هي، والحكومات التي تتشكل متقاربة في جوهرها، من حكومات نورى المالكي زعيم حزب الدعوة الموالي لإيران، إلى حكومات حيدر العبادي القيادي في حزب المالكي، ولا شيء يتغير ويتطور في العراق سوى معدلات الفساد، التي جعلت العراق مع الصومال في مرتبة أكثر بقاع الدنيا فسادا، وسرقات لصوص بغداد مختلفة عن غيرها، فهي تجري جهارا نهارا، وبتريليونات الدولارات، وبغير رادع من نظام، فالبرلمان تتواطأ أقطابه، والنظام القضائي منهار تماما، و»هيئة النزاهة» وكر للفساد، و»مفوضية الانتخابات» لا دور لها غير التزوير المنتظم، وبحسب قانون القوة، الذي تمليه مافيات وميليشيات السلاح، التي تقتسم العوائد مع أمراء النهب والشفط، ولا يبقى من أمارات الدولة سوى بقايا جيش ومؤسسات أمنية، قامت بدورها على أساس «ميليشياوي» طائفي بحت.
محنة العراق أنه صار بلدا بلا دولة، منذ سقطت دولة صدام حسين بالغزو والاحتلال الأمريكي، وتم حل الجيش العراقي الذي كان مؤسسا على مبادئ التجنيد الوطني العام، ولم تقم بعدها دولة في العراق، ولا جرت عملية إعادة بناء دولة، بل أقيم هيكل من «الكارتون» المتسخ الممزق، وأقيم نظام صوري لا يعمل، إلا على طريقة إيفيه «إيه رأيك في النظام» في إحدى مسرحيات الفنان محمد صبحى، فلم تثبت أبدا فاعليته في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في حروب السلاح، فقد سقط ثلث العراق خلال ساعات بأيدي «داعش» أيام المالكي، ولم يعد من هم لحكومات العبادي سوى استعادة الثلث المفقود، وعلى صورة خرائب خالية من ناسها، وبمجازر دموية تفوق الخيال، وتتنافس فيها وحشية الحشود الشيعية مع وحشية «داعش»، وبرايات سوداء وحمراء وخضراء، تدعي وصلا بالنبي أو بالإمام علي أو بسيدنا الحسين، وتستحل ارتكاب كل المنكرات والموبقات والفظائع وقطع الرؤوس باسم الإسلام، تماما كما يفعل بارونات الفساد ولصوصه في العاصمة بغداد، يؤلفون الأحزاب الدينية الطائفية، ويجعلون منها بطاقات اعتماد وتمثيل في أوكازيونات النهب العام، ويكنزون الثروات الحرام، ويشكلون عصابات مسلحة تحميهم، ويتظاهرون بأداء العمل البرلماني أو العمل الحكومي، يفتتح الواحد منهم حديثه بالبسملة والصلاة على النبي وآل بيته، وتكاد تحسبه يخر ساجدا من فرط التقوى والورع، ثم لا تجد غير الذئاب التي ترتدي ثياب الحملان، والذقون الخفيفة المهذبة التي تتقاطر كأنها خارجة لتوها من مسجد، لا فرق في ذلك بين حبات المسبحة الشيعية وحبات المسبحة السنية، ولا بين حزب الدعوة الشيعى وحزب الإخوان المسلمين، ولا بين رئيس الوزراء الشيعي و»رئيس البرلمان» سليم الجبوري الذي هو أحد قادة الإخوان.
وفي أجواء العفن والتحلل، وتمزق العراق الذي كان عظيما وموحدا، والذي استحال حطاما وفقرا ودما وهوانا ببركة فساد الأحزاب الدينية الطائفية، فقد يصح فهم معنى ومغزى مظاهرات التيار الصدري الصاخبة المتكررة، فهي تعبر عن احتجاج مستحق على المصير الذي انتهى إليه العراق وأهله، لكن الاحتجاج الصدري يبقى أسيرا في هوامشه، وليس بوسعه أن يحول الاحتجاج إلى حركة تغيير، فقد يكون بوسع مقتدى الصدر أن يعبئ ويحشد، وأن يقذف إلى شوارع بغداد بعشرات الآلاف من الناس المحبطين، والعودة إلى بيوتهم بإشارة أصبع من القائد السيد الديني، ودون أن يتحقق شيء مما وعدوا به، فانصار مقتدى الصدر هم أيضا أسرى لجماعة دينية، وحزبه «كتلة الأحرار» حزب ديني، وهؤلاء لا يقدمون حلا، بل هم عرض للمرض ذاته، ولا تداوى جراح العراق بالتي كانت هي الداء الديني الطائفي.
كاتب مصري

أحزان عراقية

عبد الحليم قنديل

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية