استدعى الكرملين وليد المعلم وزير خارجية ما تبقى من نظام آل الأسد في دمشق ووفد كبير معه إلى مباحثات لم يعلن الكرملين عن فحواها أو موجباتها، لكنه وخلال ظهور الوفد على التلفزة الروسية، طرح مشروعا لتحالف من السعودية وتركيا والأردن وبقايا هذا النظام لمحاربة الدولة الاسلامية، على اعتبارها، والقول عن الكرملين، «الخطر الأكبر على المنطقة الذي يتطلب قطع الدعم عن المجاميع الإرهابية في سوريا وعوضا عنه تمكين، أو حث، أو شيء من هذا القبيل، المعارضة السورية لأن تجتمع بالنظام وتحل مشاكلها معه ليكون الحل سوريا سوريا» ، الخ
والظاهر أن حداثة روسيا على الساحة الاستعمارية لم تؤهلها بعد لإستيعاب تجارب الاستعمار السابقة مثلما لا يبدو أن موسكو وعت بعد مستجدات الميادين. وهذا بدليل الفشل الإعلامي الملحوظ عند طرح المشروع.
فروسيا استدعت وفدا سوريا كبيرا للتباحث معه في أمر هام، لكنها طرحت المشروع بمعزل عنه، لتعكس أن نظام بشار في واد والكرملين في واد آخر. وكان الأجدى أن يطرح المشروع بعد الزيارة أو في بيانها الختامي ليبدو الأمر وكأنه متفق عليه مع بقايا النظام السوري ذاته. ما بالك ولم تكن للوفد من مهمة أخرى غير استعراض إعلامي لتقديم المشروع.
وعلى أي حال فقد خرج المعلم بتصريح غريب استنكر به المشروع فأسقطه عمليا قبل أن يجف حبر كتابته.
الأمر الآخر الذي يميز المشاريع الروسية للمنطقة ولسوريا تحديدا، هو انقطاعها عن بعضها البعض. فموسكو سبق وجمعت النظام عدة مرات مع معارضته (التي على مقاساته) وطرحت لكل اجتماع أجندة، لو راجعت أجندة الاجتماع الذي سبقه لوجدتهما طبق الأصل. ما أعنيه أنها تنسى أنها سبق وجمعت النظام مع معارضته وسبق وتكلل كل اجتماع بالفشل. خصوصا وموسكو تأخذ بوجهة نظر النظام عن شكل المعارضة التي يريدها أن تجتمع مع وفوده. أي أنها معارضة تحب بشار ولا تريد إسقاطه بل تريد أن تهتف له ولكن باسم معارضة.
الأمر الثالث الذي يميز هذا الفشل أن روسيا عمليا لاعب ضمن عدة لاعبين في فريق واحد. وأي طرح روسي أو مشروع إن لم يأخذ بعين الاعتبار آراء ومصالح بقية الفريق سقط أو تعذر تطبيقه حتى لو كان على أعلى قدر من المعقولية.
وقد تكون روسيا فاتحت بقية اللاعبين في الفريق – أمريكا وبريطانيا والصين وفرنسا وإسرائيل ،الخ، لكن هذا لا يكفي. فأمريكا على سبيل المثال لن تقبل بمشروع لا يظهر إعلاميا وكأنه تم بمباركتها وصياغتها وإمرتها أيضا. مثلما قد تكون روسيا فاتحت السعودية والأردن وإيران أيضا، أو هي أصلا طرحت المشروع بموافقة هذه الدول؛ لكن هذا لا يكفي هو الآخر. فإيران والسعودية تحتربان في اليمن وقد بلغت العداوة مبلغها وانضمت قطر والإمارات والبحرين، التي لكل منها نظرتها بالنسبة للعلاقة مع إيران. ودول حلف (عاصفة الحزم) اجتمعت وبعد التي واللتيّا حين طوقتها إيران طائفيا وتبجحت بهذا الطوق وتوعدت جهارا نهارا. ولا يعتقد عاقل أن هذه الدول ستقامر وتلغي حلف عاصفة الحزم العامل على الأرض، لأجل تحالف سيضم إيران مجهول الطالع. وهذه الدول لم تنس بعد كيف جُرّت لتشارك بحلف محاربة «القاعدة» في العراق عام 2006 لتكتشف أنها إنما استغفلت وجعلت تساهم في القضاء على عدو إيران (القاعدة) لتستفرد إيران لاحقا بالمنطقة وتحتل أربع عواصم عربية.
ما أعنيه أن جر السعودية وتركيا إلى تحالف واحد مع إيران يصب في النهاية لمصلحة إيران، هو أمر شبه مستحيل، أو هكذا أفترض.
والأمر الرابع أن المشاريع الروسية غالبا ما تكون نتاج قناعة روسية مترتبة على نظرة منغلة. أو هي نظرة لم تتحرر بعد من تصور الكومسمولي الصغير الذي يجب أن يصدق ما يقوله مسؤوله الأكبر منه. فهي حتى اليوم تنظر إلى الوضع السوري وكأنه «تدخل من دول تكره بشار ولا تريد له أن يكون عنصرا في منظومة السلام بين الشعوب». ولم تنظر يوما إلى الثورة السورية كواقع موضوعي على الأرض جاء نتيجة قوانين الثورات الثلاثة وهي وجود الظلم وتنامي الإحساس به ووجود طليعة اجتماعية قادرة على قيادة الشعب عسكريا أو برلمانيا للثورة. وحتى اليوم تتصور روسيا أن بمجرد إقناع أمير قطر بشيء أو بمجرد تقديم دعم لأردوغان ستتوقف الثورة السورية آنيا. إن روسيا تنسى أن هذه الثورة تجاوزت عمليا حدود الانتصار على النظام إلى القصاص حتى ممن دعمه. فقد تعمق الثأر وسالت الدماء وتشرد الألوف ولم يعد بعد اليوم من مجال للعبة «أعرض على خصمك الموت ليقبل بالحمى». ووعود روسيا أو غيرها بتضميد جراح الشعب السوري مقابل أن يوقف القتال ضد بشار، هذه الوعود لم ولن يقبضها أحد بقرش عتيق.
أما إن كانت روسيا تفترض أنها بهكذا حلف ستنقذ بشار وتبقيه على كرسيه، فأمر به شيء من السذاجة. على الأقل فروسيا وإيران وأمريكا وإسرائيل والصين وفرنسا وبريطانيا قدمت مجتمعة كل ما بوسعها أن تقدمه لإنقاذ بشار خلال أربع سنين وفشلت. وحالة هذا النظام من انتكاسة إلى انتكاسة أخرى، حتى لقد نسي الشارع السوري شكل بشار من شدة تخفيه وتنقله هربا.
المفارقة أن روسيا، لا ترى أن التحالف الذي تدعو إليه قائم أصلا على الأرض، ولا حاجة بها لأن تتذاكى وتستدعي وفدا كبيرا بقيادة وليد الملعم تقديما لطرح مشروعه. بل إن التحالف الموجود على الأرض لا يتكون من 4 دول فقط، وإنما من 60 دولة ضمنها هذه الدول الاربع وإيران. وما يقدمه حلف من 60 دولة حتما أكبر بلا قياس مما تقدمة 4 دول مشغولة كبراها بحرب ضروس، ضد إيران – أعتى دول هذا الحلف.
وبعد هذا وذاك، فقد تغيرت الحال جذريا. وخصم بشار والفريق العامل معه اليوم لم يعد مجموعة فتيان مقاتلين متعصبين لإسقاطه وتظهر بعدة تشكيلات موضعية. إن عدو بشار اليوم هو دولة خلافة مساحتها الجغرافية ثلاثة أضعاف مساحة بريطانيا العظمى، ولها قادة محنكون إن اعتمدوا أسلوب قتال الدبابير، لدغة هنا اليوم ولدغة غدا هناك، فسيعودون عاجلا إلى قتال الاجتياحات كما فعلوا في الموصل وصلاح الدين والرقة. وسيكون هدفهم المقبل أما بغداد أو كربلاء. وهم فتية لا حول لأحد على قتالهم، ينشدون الموت أكبر بألف مرة مما ينشد خصمهم الحياة. ونحن لا ندري كيف وبأية قلوب يقاتلون، لكننا ندري أنهم إذا استهدفوا أحدا توسلهم عزرائيل أن يمنوا عليه فينتدبونه لتنفيذ المهمة أعجابا منه بابتكاراتهم الجميلة في أخذ أرواح الخصوم.
وعلى أي حال فلتجرب روسيا وتعقد حلفا من أية دول تشاء، وسترى أن حلفها ومشروعه سينسى بعد أسابيع إن ليس أياما. أما الحديث عن أن السياسة مصالح لا مواقف، وبالتالي على هذه الدول أن تنسى خلافاتها مع بشار وتتحد معه لمحاربة تنظيم الدولة، هذا التصور قاصر ويمكن رده على صاحبه بالمثل. كأن تنسى هذه الدول الأربع خلافاتها مع دولة الخلافة وتتحد معها بحلف «لا يفته المهر الأرن» كما قال زيد بن عدي للنعمان.
ولنتصور أن لدينا في المنطقة حلفا رأس حربته تنظيم «الدولة» ويجرؤ بعدها علج أو ملج ويفكر بالاعتداء أو حتى الاقتراب غازيا منها!
لكن السياسة ليست مصالح وإنما معادلات وقوانين ليست بينها المخاتلة.
فاخبروا عني روسيا أن تغير موقفها، حفاظا على ماء وجهها الاستعماري على الأقل.
د. نوري المرادي