من الأمور اللافتة التي يُغبط عليها الأشقاء في المغرب الأقصى تلك «الغيرية» التي تتبدى في إنكار الذات وإيثار الآخر في علاقات الكتاب والأدباء بعضهم ببعض. فهم لا يفتأون يقيمون الندوات حول عطاء الأدباء، إن كان الأمر في الشعر أو في القصة أو الرواية أو النقد الأدبي في مدن وعمالات متعددة، يحتفون فيها بالراحلين من المبدعين وغير الراحلين، ويجمعون ما يقدم فيها من بحوث وأوراق وشهادات وينشرونها في كتب تحمل عناوينُها أسماء الأدباء النابهين. وآخر ما اطلعت عليه من هذه الكتب، الكتاب الذي صدر في الذكرى العشرين لرحيل الشاعر أحمد المجاطي (المكتبة الوطنية، الرباط، 2016) المولود في الدار البيضاء سنة 1936 ودرس في جامعة دمشق 1962 وكلية الآداب في جامعة محمد الخامس في الرباط 1971 وظفر منها بدرجة دكتوراه الدولة عن أطروحته «أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث» 1992.
وهو، إلى ذلك، شاعر صدر له ديوان واحد بعنوان «الفروسية» 1987 وأعيد نشره بعيد وفاته 1995 عن دار النشر والتوزيع في الدار البيضاء مُذيَّلا بقصائد، ونصوص، تخلو منها الطبعة الأولى المذكورة.
ويضم هذا الكتاب التذكاري «شاعر في السماء» التكريمي- إذا جاز ا لتعبير وساغ- غير قليل من الدراسات لنقاد يصفهم محرره بأنهم من ذوي الاختصاص، ومن العارفين بالمادة الشعرية مبنىً ومعنىً، وأنهم راسخو القدم في هذا السبيل، ويضمُّ- علاوة على دراسات المتخصصين- نحو إحدى عشرة شهادة إحداها للشاعر العراقي حميد سعيد، وأخرى للشاعر الفلسطيني خالد أبو خالد، وأخرى لمُعدِّ الكتاب وجامعه ومحرره أحمد المديني.
ومما لا ريب فيه، ولا جدال، أن مرور عشرين حولا على رحيل المجاطي كفيلٌ بأن يُنسى هذا المبدع، ويُنسى بذلك عطاؤه، بيد أن الإخوة في المغرب الشقيق يؤكدون بإجماعهم القول: إن المجاطي الذي رحل قريب من الذاكرة، وعصيٌّ على النسيان. بدليل هذه القراءات التي في مجملها تسعى لاستحضاره ليحتل موقعا مؤبّدا في ذاكرة الجيل الناشئ، فالحافز الأول الذي يتجلى لنا في هذه القراءات هو خشية الدارسين على تراث الرجل من الضياع، نظرا لشيخوخة الذاكرة، فهم بقراءاتهم الجديدة لشعره، يعيدون تسليط الضوء على التجارب الرائدة، فالمعروف أنّ شعر المجاطي – مثلما توضح الدراسات- ينتسب لجيل تشبع بالثقافة العربية (الكلاسيكية) واستقى عناصر التحديث الشعري من منابعها الأولى في المشرق العربي، قبل أن ينزع نزوعًا لافتا للتعبير عن هويته الوطنية بوصفه شاعرا من أبناء المغرب، تتجسد في شعره الذي ينطوي عليه ديوانه «الفروسية» بطبعته المزيدة، مرحلة التأسيس، والريادة، في الأدب المغربي الحديث. ولهذا لا نعجب إذا قرأنا وصف العوفي للدراسات، مؤكدًا أنها تضع إرث الحداثة الشعرية المغربية على محكّ القراءة، بجرأة علمية، وصراحةٍ أدبية، بعيدة عن المجاملات، التي طالما أساءَتْ للشعر، وأساءت للتلقي.
فالحداثة لدى المجاطي متعثرة في شعره تارة، ومتفوِّقة تارة، ولا يعيب الشاعر أن يتأرجح في هذه المرحلة التي أطل فيها من بعيد على شعر السياب ونازك والبياتي وصلاح عبد الصبور. ولكن المجاطي سرعان ما تغلب على هاتيك الانتكاسات، ففي قراءة عزيز الحسين لقصيدة «الحروف» ما يؤكد نجاح المجاطي في بناء قصيدة جديدة ذات أجواء خاصة، تنبعث منها دلالات تُفصح عن خصوصية لغوية هي حجَرُ الزاوية في مشروعه الرامي للاستقلال بصوته عن الأصوات الأخرى التي تأثر بها، وترْكت أثرها فيه.
ويُسلّط محمد بنيس الضوء على الرؤى النقدية للمجاطي، تلك الرؤى التي نجدها في كتابه «أزمة الحداثة في الشعر العربي الحديث» وتأثير هاتيك الرؤى في شعره، فهو من الشعراء القلائل الذين امتزجت لديهم مواهب الشاعر بمواهب الناقد، فقد دأب على تأمل الشعر من الداخل تأملا يتخذ من العناصر البنائية للقصيدة منطلقًا في نقده التطبيقي، على الرغم من أن هذه القراءة لا تحيلنا لأعمال الشكليين أو البنيّويين، أو السيميائيين، وإنما تحيلنا إلى نظرية التعبير، التي تعتمد وضع المضمون في سياق اجتماعي- فني يؤدي إلى «التعبير». والتعبير هو الذي يسهم في تعْرية الواقع الزائف المُتستّر وراء «الأقنعة «، و»البَراقع».
أما قراءة خالد بلقاسم، فتعيد النظر في ديوانه «الفروسيّة» وتريقُ الكثير من الضوء على قصيدة «كبْوَةُ الريح» التي يتتبَّع فيها الناقد الأدوات الشعرية، وممارسته لها ممارسة تقوم على الحذف والبتر والتشذيب والتنظيم والضمّ، لا على التركيب النحوي وحده، ولا على المُتخيَّل البلاغي وحده، فهو ـ أي الشاعر- يسعى بقوة للموازنة بين وعيه الشعري، وإنجازه. فلا ريب في أنَّ وعيَ المجاطي يتقدَّمُ ـ في رأي الدارس- بمراحل على منجزه الشعري.
أما يوسف ناوري فقد سعى في دراسته «قصيدة تحتمي بالذاكرة» لقراءة شعر المجاطي قراءة تتبَّع، وتستقصي أثر الشعرية العربية القديمة في شعْره، على أساس أن هذه الشعرية بمنزلة الذاكرة، أو الذخيرة، التي تمثل المنطلق ذا المعرفة، والخبرة، بالشعر العربي، شكلا وفحوى. وعلى هذا النهج طَفِق ناوري يتتبع ما فيه من إشارات، وإحالات محدودة، أو متكررة، للتراث، بما في ذلك التراث الشعبي المغربي، كاشفًا بذلك عن حظه من أصالة لافتة تضعُ منجزه في سياقه المعرفي.
وغير بعيد عن هذا ما يؤكده الناقوري في «قراءة نموذجية لديوان الفروسية»: من أنّ القصيدة لدى المجاطي تقوم – غالبا – على البناء المقطعي، وخير مثال لهذا قصيدة «عودة المُرْجفين». وعلاوة على أنها تعتمد البناء المقطعي، فإن فيها توجهًا لافتا للتعبير بالرموز، وهذا توجُّه لا يقتصر على هذه القصيدة، بل نجدُه أيضًا في «كلام الأموات» و»الخمَّارة» وغيرهما من قصائده. وتكشف قراءة رشيد المومني عن ازدواجية النَسَق في شعر المجاطي، مما يتطلب نمطين من التلقي، وإنْ كانا في الواقع متكاملين، لا يستقل أحدهما عن الآخر. أوَّلهما ضربٌ من التلقي التقليدي، الذي يلتفتُ لشعرية المجاطي في نواتها المرجعية الجماهيرية، والنضالية، متجسدة في صخب الأوزان، والأصوات المُجلجلة، الجهيرة، التي تشيعُ في تفاصيل قصيدة «الفروسية». وضربٌ آخر من التلقي الخاصّ عماده التركيز على شعرية النواة الدلالية التي تتشكل من الأصوات والكلمات، ذات المرجعيّة الذاتية والتأملية، على النحو الذي يتجلى في قصيدة «الخمَّارة».
وفي الكتاب أوراقٌ شتى من المقالات والشهادات والحوارات، ما لا يتسع المجال لتتبُّعه، وذكره، تجنبًا للإسهاب والإطناب، فهو- أي الكتاب- نموذج ينبغي له أن يُتخذ قدوة يحتذى بها في الأوساط الأدبية والنقدية والفكرية، لا في المغرب وحده، بل في كل مكان من البلاد العربية عامة، فهل من مستجيب؟
٭ ناقد وأكاديمي من الأردن
إبراهيم خليل