أحمد المديني في «الرحلة المغربية إلى الأرجنتين وتشيلي»: إبداع الحكي عن السفر

■ يُعد الروائي والقاص المغربي أحمد المديني أكثر الكتاب العرب تأليفا لمحكيات السفر؛ إذ صدرت له حتى الآن مجموعة من النصوص الرحلية، دوّن فيها أسفاره داخل العالم العربي وخارجه وهي: «أيام برازيلية وأخرى من يباب» (2008)، «رحلتي إلى بلاد الله» (2010)، «نصيبي من باريس» (2014)، «رحلة إلى رام الله» (2014)، «الرحلة المغربية إلى الأرجنتين وتشيلي البهية» (2014)، «خرائط تمشي في رأسي- جراب المسافر» (2016). لا شك في أن هذا التراكم مكن أحمد المديني من تكوين رؤية خاصة به حول فعل السفر كممارسة إنسانية وتحويلها إلى محكي.
تكمن أهمية محكي السفر في ما يحمله من إمكانات للكتابة الرحلية، وكذا في ما يطرحه من قضايا وإشكالات تخص شروط إمكانها وتحققها في الأمكنة والأزمنة، وكذا تمظهراتها النصية. ومما يثير قارئ المحكي الرحلي الخامس من مدونة أحمد المديني الرحلية «الرحلة المغربية إلى الأرجنتين وتشيلي البهية» هو قلق الكتابة، فلا يكتفي الكاتب بتدوين سفره وإنما يسرب إليه هذا القلق ليجعل من فعل السفر موضوعا للنقاش، يتخذ حيزا لا بأس به داخل النص الرحلي؛ بل انعكس هذا الوعي على فعل الكتابة ذاتها فجاءت ملتبسة برؤى أحمد المديني وأفكاره عن فعل السفر ومقوماته وتحققه النصي. لقد مكّن هذا الهاجس أحمد المديني، ولو بطريقة غير مباشرة، من صياغة تصور واضح المعالم لفعل السفر وكيفية نقله كتابة في قالب محكي، بل يمكنني القول إننا أمام بيان أو دليل للمسافر يقترحه المديني، يمكن رصد أهم ركائزه من خلال مجموعة من الثنائيات:
– النقد والمتعة: يرى المديني أن الذات ينبغي أن تحضر في محكي السفر، من خلال مستويين: يتمثل الأول في الفحص النقدي لما تراه عينا المسافر، إذ لم يفوت المديني نقد مجموعة من الأمور، سواء المتعلّقة بما التقطه من سلوكات صادرة عن بعض الأنماط من المسافرين، أو نقد بعض المظاهر الثقافية المميزة لثقافته في مرآة ثقافة الآخر، أما الوجه الثاني للذات فهو الكشف عما يعتري الذات من إحساسات في تفاعلها مع محطات الرحلة ومساراتها، عبر رصد تأثير سحر المرئي على الحالة النفسية للمسافر فيسلط الضوء على شغفه.
– المتعة والمعرفة: يحرص أحمد المديني في سفره إلى الأرجنتين وتشيلي على هذه الثنائية التي يهدف طرفها الأول إلى استمتاع الذات المسافرة بما تراه وبما تقوم به، وبما تعيشه من تجارب وأحداث أثناء فعل السفر، وتنقلها في الأمكنة وتفاعلها مع الناس. أما طرفها الثاني فيروم اكتشاف الإنسان وثقافته وخصوصياته، من أجل خلق الفائدة لدى المسافر أولا ولدى القارئ ثانيا.
– الإنسان بدل المعالم: يلتقط المديني في محكي سفره سلوكات الناس وأفعالهم، ويرصد ما هو متميز فيها، محاولا الاقتراب من الإنسان والكشف عن مشاعره وخصوصياته وخصوصيات المكان حيث يعيش، اعتمادا على مبدأ وهو رؤية المكان في الإنسان، بالانطلاق من سُحنات البشر لمعرفة المكان بدل الانطلاق من المآثر، كما هو سائد في أغلب الأسفار. إذ يحظى الإنسان بأولوية عليا في محكي المديني. لذلك ينبغي على المحكي، من منظور المديني، أن يكشف عن خصوصيات الإنسان عبر التقاط لحظات من حيوات الناس وسلوكاتهم وعلاقاتهم بغيرهم وكذا علاقتهم بالمكان وبالطبيعة (النباتات والحيوانات: كالكلاب في الأرجنتين والمكانة التي تحظى بها).
– لا دليل غير الصدفة: يدعو المديني إلى ترك الزمام للصدفة، رافضا التخطيط المسبق للسفر، حتى يترك للسفر مفاجآته وطرائفه ووعوده وإثارته وتشويقه. ولا يدع الفرصة تمر بدون توجيه نقد حاد لنوع من الرحالين، وهم أولئك الذين ينطلقون من المقروء إلى الواقع، كالسائح المؤرخ والحفرياتي اللذين يأتيان إلى المواقع ليتثبتا مما قرآه في الكتب والمصنفات المختصة، وليقارنا المرئي في ضوء المقروء. وينتقد كذلك بعض السياح الذين يتعبون أنفسهم بالتصوير بدل أن يطلقوا أنفسهم تستمتع باللحظة، كل ذلك من أجل تجاوز بعض العادات السيئة للمسافرين.
– الواقع بدل التاريخ: يلاحظ قارئ هذا المحكي اقتصادا كبيرا في الحديث عن التاريخ ولا يحضر إلا في المواضع التي يفرض فيها نفسه، كإضاءة اللافت في ما هو مشاهد من ظواهر وسلوكات إنسانية. ليعطي المديني أهمية للواقع على التاريخ، بالتركيز على اللافت لدى الآخر، مع نقد ما يقابله لدى الأنا، على الرغم من أن المديني أعلن عن نقده للمقارنة بدعوى أنها تفوت على المسافر متعة ما يرى وما يشاهد.
هكذا يبدو لي أن أحمد المديني يقدّم، شأنه شأن كل الرحالين، من خلال هذه الثنائيات، دليلا ضمنيا للمسافر، لكنه مخلتف تماما عن «الأدلة» المعروفة التي تفسد على السفر متعته ودهشته ومفاجآته وتميّزه ونوادره، وتجعله فعلا استهلاكيا مكرورا. وهو بذلك يروم تأسيس مقومات جديدة لفعل السفر تطبعه بالاختلاف والتجدد، وبلورة تصور مختلف لفعل السفر وكذا كيفية تحويله إلى محكي.

٭ كاتب مغربي

أحمد المديني في «الرحلة المغربية إلى الأرجنتين وتشيلي»: إبداع الحكي عن السفر

بوشعيب الساوري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية