أحمد رباع يعرض تاريخ علوم الموسيقى في الشرق والغرب

حجم الخط
0

«علوم الموسيقى» عبارة تشير إلى «القواعد العلمية التي تتعلق بالإصغاء أوالسمعيات، التي تشرح نظرية ومبادئ الموسيقى كالسلم والمقامات والمركبات والهارموني، أسسها علماء عرب وفرس بين القرنين 9 و13 الميلاديين، أبرز هؤلاء الكندي والفارابي وابن سينا والأرموي ومن جاؤوا من بعدهم في أوروبا خلال عصر النهضة، وكانوا قساوسة ورهبانا وليسوا علماء، وقد ارتكبوا أخطاء تركت آثارها في موسيقى الغرب إلى يومنا هذا». ويأتي كتاب «تاريخ علوم الموسيقى عند العرب وعند العجم» لمؤلفه (أحمد رباع) ــ الصادر عن مطبعة أبجد 2017 ــ ليقدم عرضاً علمياً توثيقياً لتطور قواعد الموسيقى في الشرق والغرب.

الروّاد الأُول

يضم الكتاب 12 فصلا استهلها المؤلف بـ«مدخل إلى علوم الموسيقى» وفيه كشف عن ريادة العلماء العرب في وضع القواعد الأولى لعلوم الموسيقى قبل قرون، يقول .. «الفضل الكبير في وضع قواعد الموسيقى ونظريتها بطريقة علمية يرجع للعرب. لقد ساهم علماء أجلاء في ميدان علوم الموسيقى وتركوا كتبا قيمة ما زالت شاهدة على التقدم الفكري والعلمي والفني الذي وصلت إليه الحضارة العربية والإسلامية. هؤلاء كان لهم إلمام في ممارسة الموسيقى كل حسب مستواه، أبرزهم الكندي، الفارابي، الأرموي، اللاذقي، الجرجاني وابن سينا المعروف بكونه أيضا طبيبا، لكن موسوعته تضم جزءا مهما في موضوع علوم الموسيقى». الفصول التالية من الكتاب تمحورت حول تطور بعض المصطلحات والمفاهيم التقنية والعلمية المتعلقة بعلوم التأليف الموسيقي ومصادرها واشتقاقاتها وتعريفاتها كالسلم والمقامات وعلاقة الموسيقى بعلوم الإصغاء، أما الفصلان الخامس والسادس فقد ركز فيهما المؤلف على تطور علوم الموسيقى عند قدماء العرب ثم في أوروبا، فيما جاء الفصل السابع حول الموسيقى الأندلسية المغربية. وقد توزعت فقرات هذا الفصل إلى ثماني فقرات استهلها المؤلف بتوضيح يشير فيه إلى تعدد مصطلحات هذا النوع من الموسيقى في المغرب الكبير. ففي المغرب الأقصى يسمى «طرب الآلة» وفي الجزائر يسمى «الطرب الغرناطي» وفي تونس يسمى «المالوف» . ويقترح المؤلف حذف صفة « أندلسية « وتعويضها ب «غناء النوبة « مستندا في ذلك إلى معطيات تاريخية تعود إلى سقوط غرناطة سنة 1236. إضافة إلى تجربة رواد الموسيقى العربية أمثال بن باجة وأبو الصلت وإسحاق الموصلي وتلميذه زرياب، الذي هاجر إلى قرطبة وحظي هناك برعاية الخليفة الأموي عبدالرحمن الناصر، الذي ساعده على تأسيس مدرسة «دار المدنيات» لتعليم الغناء والموسيقى سنة 825 والتي كانت أول مدرسة في العالم لتلقين مبادئ الموسيقى، في وقت لم يكن هناك وجود لهذا الفن في أوروبا. كان زرياب يلقن تلامذته أداء الأصوات ابتداء من الجواب وهبوطا إلى القرار وهو ما نسميه حاليا «صولفيج».

موسيقى الشرق

يتوقف المؤلف عند أعرق حضارتين في الشرق الأقصى وهما الحضارة الهندية والحضارة الصينية، حيث أفرد لكل واحدة منهما بابا خاصا. فبعد بسطه للروافد التاريخية لموسيقى هاتين الإمبراطوريتين، انكب من الجانب النظري على النبش في أركولوجية المصطلحات والمفاهيم والعلامات التي تأسست عليها المقامات والأساليب الموسيقية هناك، كأسلوب «الراكا» وهو نمط يدل على الأسلوب الآلي الأصيل في شبه القارة الهندية، ويتكون من عدد من المقطوعات تقدر بحوالي 400 كل واحدة منها تحمل اسم المقام الرئيسي وأحيانا اسم ملحنها. وفي فصل «الموسيقى الشرقية المعاصرة» نوه المؤلف بأعمال المستشرقين الذين كان لهم الفضل الكبير في إحياء ودراسة علوم الموسيقى عند قدماء العرب، واكتشفوا وجود السلم العربي الأصيل ذي 17 درجة الذي ابتكره ابن سينا في القرن 11 وقننه من بعده سراج الدين الأرموي في القرن 13 الميلادي، والذي بقي مستعملا إلى حدود القرن 19.

الموسيقى الغربية المعاصرة

أما «الموسيقى المعاصرة» فهو آخر فصول هذا العمل التوثيقي والفني الهام، فقد خصصه رباع للموسيقى المعاصرة في الغرب، وكيف شهدت تحولا من الموسيقى العليمة التي كانت موجهة لفئة معينة في المجتمع كالملوك والأمراء والنبلاء والنخبة وكبار القوم، إذ كانت لديهم فضاءات خاصة لممارسة هذا الفن، مثل الفضاءات العمومية الشاسعة والقصور، إلى موسيقى متحررة جعلت الملحنين لا ينصاعون إلا لقريحتهم وإحساسهم، ما أفضى إلى إبداع أسلوب جديد يسمى «القصيد السيمفوني» الذي ازدهر، كما يقول المؤلف سنة 1900 وأنتج معزوفات غاية في الروعة. غير أن هذا الأسلوب السيمفوني بدروه سرعان ما تغير تحت تأثير العولمة، واكتشاف موسيقى الشعوب. هذا التحول المعاصر في الموسيقى الغربية أنتج عدة تيارات ومدارس، في إطار صعود موجة النيوكلاسيك التي تعتمد على الإحساس والذوق والجمالية، عوض التقنيات والقواعد العلمية. وقد بلغ هذا التيار أوجه ما بين الحربين العالميتين أي من 1920 إلى 1940 حيث انكب بعض الملحنين على البحث في الأعمال القديمة ومحاولة تقليدها أو اقتباسها، لأنها تحتوي على مكونات وأنغام جميلة.
يأتي صدور كتاب «تاريخ علوم الموسيقى عند العرب وعند العجم» لأحمد رباع في وقت ما أحوجنا فيه مجتمعا ومؤسسات تعليمية وفنية إلى ثقافة موسيقية موسوعية، إذ لا يمكن علاج وتقويم تدهور موسيقانا الراهنة سوى بوضع قواعد وبرامج موسيقية علمية ضمن مناهجنا التربوية وإغناء معلومات وثقافة الناشئة في التعليم الأولي، كما في التعليم العالي، وبالتالي في الأوساط الاجتماعية ككل بإصدار جديد ووازن كهذا. والمفارقة أن المؤلف ليس بالمتخصص الأكاديمي في الموسيقى، بل استاذاً للفيزياء في كلية العلوم في الدار البيضاء، وحاصل على دكتوراه الدولة في علوم المواصلات اللاسلكية في فرنسا سنة 1987 ومتخصص في الرادار، كما حصل على دبلوم في العزف على آلة البيانو، وله اهتمامات وأبحاث في علوم الإصغاء والسمعيات، وقد ألف في هذا المجال كتابين صدرا عن دار «هارماتان» سنة 2015. وقام بتلحين عدة قصائد، من بينها بعض الرباعيات من قصيدة «المواكب» للشاعر جبران خليل جبران.

٭ كاتب من المغرب

أحمد رباع يعرض تاريخ علوم الموسيقى في الشرق والغرب

عبده حقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية