القاهرة- «القدس العربي»: سمات كثيرة في شخصية أحمد زكي الفنية تجعله جديرا بالتقدير السنوي الذي يُترجم في ذكرى وفاته كل عام، ربما القدرة الفائقة على التقمص والتنوع الثري في الشخصيات التي قدمها على مدار حياته المزدحمة بالأدوار، حيث قدم بكفاءه شخصية عميد الأدب العربي طه حسين في مسلسل «الأيام» متفوقاً على محمود ياسين الذي قدمها في فيلم «قاهر الظلام» فأثبت أن كل الشخصيات طيعة أمامه تتشكل وتتلون وفق أدائه.
بهذه القدرة الفائقة على تجسيد الشخصية الأصعب، فتح الفنان الراحل لنفسه آفاقاً جديدة ومختلفة، واختار من الأدوار أصعبها وأكثرها تعقيداً ولم يأبه بذلك التباين المخيف بينها وبين بعضها، إذ لا مقارنة ولا تشابه بين ضابط أمن الدولة في فيلم «زوجة رجل مهم»، ودور عبد السميع في فيلم «البيه البواب»، أو دوره في فيلم «شادر السمك» أو دوره في فيلم «معالي الوزير»، وأدواره الأخرى في «البريء» و»ضد الحكومة» و»الهروب» و»ناصر 56» و»أيام السادات» و»موعد على العشاء» و»مستر كراتيه» و»البيضة والحجر والمدمن» و»النمر والأنثى».. إلى آخر القائمة المليئة بالأفلام والأدوار النوعية التي تبرر بقاء أحمد زكي محتفظاً بلقب أحسن ممثل، رغم رحيله منذ فترة طويلة تتجاوز العشر سنوات.
يشكل الفنان الراحل ظاهرة من حيث قدراته وإمكانياته وطبيعة أدواره التي لم يكن يختارها بشكل فلسفي، وإنما هي نتاج خبرات توافرت له عبر سنوات الطفولة والصبا والشباب، وتركت آثارها النفسية بفعل اختزانها فأعاد إفرازها واجترارها في صور درامية على النحو الذي رأيناها عليه، ومن دلائل ذلك أنه كان يجيد فن التقليد ويتقنه وقد مارس هذه الهواية في بداية مشواره بمسرحية «هالو شلبي» ومن أشهر من قلدهم الفنان القدير محمود المليجي، وهو ما يعطي انطباعاً عن موهبة التركيز الشديد في الإيماءات والحركات وتعبيرات الوجه وحركة الجسم المتوافرة لدى الفنان الموهوب بامتياز.
كان الفنان الراحل شديد الحساسية يقبل النقد ولكنه لا يقبل التشكيك في موهبته، لاعتقاده في عدم حيادية بعض النقاد وإدراكه أن المنافسة الشديدة في الوسط الفني تؤدي أحياناً لوجود حملات ضارية ضد الفنان المنافس، وقد عُرف زكي بالعصبية الشديدة واشتهر بها كاشتهاره بالكرم الحاتمي، وعلى قدر ما كان كرمه المعهود سبباً في حب الناس له، كانت العصبية عاملاً مؤثراً بالسلب على صحته، لكنها لم تؤد إلى توقف مسيرته الفنية، بل تجاوز الفنان المرهف كل آلامه ومتاعبه ومضى في مشواره الإبداعي يضيف المزيد لرصيده الفني كل يوم، ولعل آخر أدواره في فيلم «حليم»، حيث جسد شخصية عبد الحليم حافظ يدل على ذلك، فلم يكن يعبأ كثيراً بالمضاعفات التي تنتج عن الإرهاق، فكل ما كان يشغله هو إنجاز الفيلم مهما كانت المتاعب، وبالفعل تضاعفت المتاعب وتدهورت حالته الصحية وتوفي قبل أن يستكمل حُلمه ويرى إبداعه الأخير على الشاشة، ولم يكن هناك بُد من أن يقوم ابنه هيثم بتصوير المشاهد المتبقية، ولحسن الحظ أنها كانت تتعلق بالجزء الأول من حياة عبد الحليم، قبل أن ينهكه المرض.
اعتنى أحمد زكي بتجسيد السير الذاتية، وهي بشكل عام تجارب ناجحة وإن اختلفت في مستويات نجاحها ودرجات تأثيرها، ففي رأيي أن الأمثل منها هو دور طه حسين في مسلسل «الأيام» والسادات في «أيام السادات» مع المخرج محمد خان. أما «ناصر 56» فقد اجتهد البطل اجتهاداً يُحسب له فأصاب من سمات الشخصية الكثير، ولكنه أخفق في بعضها لوجود فوارق كبيرة بين الأصل والصورة الدرامية، بينما كان أليق وأوفق في تقمصه المبهر لشخصية السادات.
أما «حليم» فذاك كان الدور الأصعب على الإطلاق ليس لعدم القدرة التمثيلية للنجم الكبير والممثل القدير، ولكن لسوء حالته الصحية وتراجعها بشكل ملحوظ، حتى إن سلمنا بأن الإرهاق الذي كان بادياً على وجه أحمد زكي كان في صالح الشخصية، لكون عبد الحليم كان مريضاً في حياته بالفعل ، لكن هذا لا ينفي غياب اللياقة البدنية والذهنية للبطل التي خصمت من طاقته الكثير وحالت دون تألقه كعادته.. لم يمهل القدر الفنان الاستثنائي أن يكمل مشروعاته التمثيلية في هذا الصدد، إذ كان ينوي الاستمرار في توثيق بقية الشخصيات الرئاسية والزعامية، لكن الموت عاجله فأنهى مشواره عند هذا الحد.
عرج أحمد زكي تقريباً على كل الشخصيات فقدم الطيب والشرس والمهمش والنصاب والمحتال، وفي كل نموذج من هذه النماذج كان يثبت أنه الأفضل والأكفأ والأجدر، حتى في النوعيات التجارية من أفلامه مثل «أبو الدهب» و»الإمبراطور» و»الرجل الثالث» و»الباشا»، كان مقنعاً أيضاً ولم يقل في أدائه عن أدوارة المتميزة سابقة الذكر ودورة الأميز في فيلم «أرض الخوف» مع المخرج داوود عبد السيد، حيث قدم شخصية الضابط يحي المنقبادي بشكل مختلف عن دورة في «زوجة رجل مهم» ليثبت كذلك و بما لا يدع مجالاً للشك أن بإمكانه تقديم الشخصية الواحدة من زوايا متعددة، حسب الرؤية والسياق والموضوع وطريقة الأداء.
هناك أفلام أخرى يمكن التوقف أمامها للممثل العبقري، من أهمها «الحب فوق هضبة الهرم» و»الليلة الموعودة» و»الباطنية»، وهي نوعيات لأدوار قدمها في وقت مبكر من حياته كان لها أثر في ترشيحه لبطولات أكبر فلم يقفز الفتى النابه على أدوار البطولة، ولم يكن من أولئك المحظوظين أصحاب النفوذ، وإنما صعد السُلم بدرجاته الطبيعية وعانى الكثير في سبيل الحصول على الفرص التي لم تأته فجأة، وإنما دفع ضريبتها مقدماً جهداً وعرقاً ومثابرة، حتى صار واحداً من الكبار وعلامة بارزة يشار إليه بالبنان قيمة وقامة وتاريخاً إبداعياً له كل الاعتبار.
كمال القاضي