أحمد مطلوب: فضاءُ البلاغة وأناقةُ الروح

■ لماذا كان لهذا الإسم وقعٌ خاصٌّ عليَّ منذ وقتٍ مبكر؟ ثمة جاذبيةٌ صوتيةٌ شديدة الطراوة، كانت تشدني اليه كلما قرأت اسم د.أحمد مطلوب على باب منزله. كان ذلك في أحد الأحياء الجميلة، الواقعة في رصافةِ بغداد، كما أتذكر، بينما أكون في طريقي الى مدرستي واليها.
كان الصبيُّ الحالمُ الذي كنته، يحلّقُ في فضاءٍ من الأسماء العديدة، التي كانت تزيّن تلك البيوت الأنيقة وتُضفي على أبوابها لمسة خاصة. ولم تكن تلك اللمسة تتصل بالعمارة قدر صلتها بشيءٍ ما يتعلق بإحساس العراقيين بذواتهم في مجتمعٍ آمنٍ ومتجانس. وكانت تلك الأسماء ترفع من منسوب التخيّل لدى صبيّ القرية الذي سكن إحدى ضواحي بغداد المتواضعة.
ومنذ سنوات الصبا تلك وحتى دخولي الجامعة، وما تخللها من اقترابٍ حثيثٍ من عالم القراءة والكتابة، ازددتُ معرفة بهذه القامة الأكاديمية المرموقة: الدكتور أحمد مطلوب.
حين دخل علينا للمرة الأولى في درس البلاغة. كنت في سنتي الجامعية الأولى، وكان في أوج شبابه، أنيقا وبشوشا. وكان، إضافة الى ذلك، وزيرا للثقافة اوالارشاد كما كانت تسمى في تلك الحقبة. مما أضفى على شخصيته مهابة أحسّها معظم الطلبة. أما أنا فقد كنت أحتفي في داخلي، أوهذا ما تخيلته، بهذا الأستاذ الكبير على طريقتي الخاصة ولأسبابي الخاصة أيضا. وكأن أيام صباي تنعقد مرة أخرى حول اسمه الذي شدني اليه بقوة في تلك الأيام.
وتوطدتْ بيننا علاقةٌ تجاوزت صورتها المألوفة بين طالبٍ وأستاذه: أعني حرج الطالب غالبا واستعلاء الأستاذ أحيانا، وازدادت، بعد التخرج، عمقا وتنوعا. جمعتنا مؤتمراتٌ عديدةٌ ومدنٌ شتى داخل العراق وخارجه. وكان الدكتور مطلوب يقدم خلالها على الدوام براهينه البليغة على سموّ أخلاقه ورجاحة علمه. علاوة على ما تشتمل عليه روحه العالية من حيويةٍ وأناقة.
ما زلت أذكر ما حدث بيني وبينه ذات يوم، في قاعة الدرس، من حوارٍ جسّد رُقيَّ الأستاذ الذي يحترم حقّ الطالب، وهو في سنته الجامعية الأولى، في التعبير عن رأيه الخاص. وجسّد صبره حين ينخرط في نقاشٍ لم يكنْ لأكثر طلاب الصفِّ اهتمـامٌ به أوفهـمٌ له. إذْ كان النقـاش في معظمـه، تقريبا، لا يعني إلاّ الدكتورأحمد مطلوب وأحدَ طلبته المهتمين بالشعر الحديث وسجالاته.
كان الدكتور مطلوب يتحدث، بتدفقه المعهود، عن التشبيه عند السكاكي. وبعد أن انتهى من حديثه سألته إن كانت البلاغة، بمفهومها القديم، قادرة على الكشف عما في القصيدة العربية الجديدة من جماليات. وأذكر أنني استشهدتُ بالأبيات التالية من قصيدة «الصقر» لأدونيس :
وكأنَّ النهارْ
عرباتٌ من الدمعِ، غيّرْ رنينك يا صوتُ
أسمعُ صوتَ الفرات ..
وبتواضعٍ جمّ مشوبٍ بمسحةٍ من ترفّع العالم عن المكابرة أوالغرور، اعترف الدكتور أحمد مطلوب بأنّ شعر أدونيس يحيّره كثيرا. وأن لديه الكثير من دواوين الشاعر، التي كان وما يزال يتحين الفرصة للكتابة عنها دون جدوى.
أحسسْتُ لحظتها وكأنّ الراحل الكبير كان ينتظرعملا شعريا جديدا لآدونيس أقلّ غموضا يمكن فهمه والتفاعل معه. وكان إحساسي هذا نابعا،ربما، من أنّ الدكتور أحمد مطلوب، في صلب تخصّصه العميق والدقيق على الأقل، لا يلتقي كثيرا مع جدل الحداثة في شعرنا العربيّ، خاصة في حلقاتها الأشـدّ تعقيدا كما تتمثل في تجربة أدونيس.
بعد ثلاثة أيامٍ تقريبا صدرت جريدة «كلّ شيء» الأسبوعية، وفيها مقـالةٌ لي بعنـوان « أستاذ البلاغة الشاب» أتحدثُ فيها عن الحوار الذي جرى بيننا حول أدونيس. دون أنْ أذكرَاسم الدكتور مطلوب، صراحة، في المقالة.
لم أكن أتوقع أن لدى الدكتور أحمد مطلوب من الوقت ما يفيضُ عن أعباء الوزارة ومتطلبات التدريس، ليقرأ مقالة قصيرة، لطالبٍ في بداية مشواره الأدبيِّ، وفي جريدةٍ أسبوعيةٍ منوّعةٍ تشتملُ، كما يشيراسمها،على كلِّ شيء..
دخل القاعة برصانته القريبة الى النفس. وضع حقيبته على المنصّة، وظلَّ واقفا لثوانٍ وهو يجول ببصره بين الطلاب. ساورني عندئذ شيءٌ من الفضول الذي يقارب التوجّس. ثم قال لي بصوتٍ يفيضُ أبوّة ولطفا: ما مشكلةُ أستاذِ البلاغة الشابّ، يا عليّ ؟ قال عبارته تلك وفي عينيه من البشاشة المحبّبة، قدرما فيهما من الفرح الصافي.
كانت لحظة استثنائية من البهجة والاعتداد بالذات. لم توفّرْها لي تلك المقالة وحدها بطبيعة الحال، بل شاركني في إنجازها أستاذي الدكتور أحمد مطلوب. لقد أتاح لي، بسجاياه العلمية والأخلاقية الرفيعة، أنْ أختلفَ معه بثقة وأحترمَهُ بعمق.

٭ شاعر وكاتب عراقيّ

أحمد مطلوب: فضاءُ البلاغة وأناقةُ الروح

علي جعفر العلاق

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية